تلاوات اسلام صحي

الأحد، 3 مارس 2013

3. الكتاب سيبويه الجزء الثالث

الكتاب : الكتاب
المؤلف : أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ، سيبويه (المتوفى : 180هـ)

الجزء الثالث
بسم الله الرّحمن الرّحيم
باب إعراب الأفعال المضارعة للأسماء
اعلم أنّ هذه الأفعال لها حروف تعمل فيها فتنصبها لا تعمل في الأسماء، كما أنّ حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال، وهي: أن، وذلك قولك: أريد أن تفعل. وكي، وذلك جئتك لكي تفعل. ولن.
فأمّا الخليل فزعم أنّها لا أن، ولكنّهم حذفوا لكثرته في كلامهم كما قالوا: ويلمّه يريدون وى لأمّه، وكما قالوا يومئذ، وجعلت بمنزلة حرف واحد، كما جعلوا هلاّ بمنزلة حرف واحد، فإنّما هي هل ولا.
وأمّا غيره فزعم أنّه ليس في لن زيادة وليست من كلمتين ولكنّها بمنزلة شئ على حرفين ليست فيه زيادة، وأنّها في حروف النصب بمنزلة لم في حروف الجزم، في أنه ليس واحد من الحرفين زائداً. ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت: أمّا زيداً فلن أضرب لأنّ هذا اسم والفعل صلة فكأنّه قال: أمّا زيداً فلا الضرب له.
باب الحروف التي تضمر فيها أن
وذلك اللام التي في قولك: جئتك لتفعل. وحتّى، وذلك قولك: حتى تفعل ذاك فإنما انتصب هذا بأن، وأن ههنا مضمرة؛ ولو لم تضمرها لكان الكلام محالاً، لأنّ اللام وحتّى إنّما يعملان في الأسماء فيجرّان، وليستا من الحروف التي تضاف إلى الأفعال. فإذا أضمرت أن حسن الكلام لأنّ أن وتفعل بمنزلة اسم واحد، كما أن الّذي وصلته بمنزلة اسم واحد؛ فإذا قلت: هو الذي فعل فكأنك قلت: هو الفاعل، وإذا قلت: أخشى أن تفعل فكأنك قلت: أخشى فعلك. أفلا ترى أنّ أن تفعل بمنزلة الفعل، فلّما أضمرت أن كنت قد وضعت هذين الحرفين مواضعهما، لأنهما لا يعملان إّلا في الأسماء ولا يضافان إّلا إليهما، وأن وتفعل بمنزلة الفعل.
وبعض العرب يجعل كي بمنزلة حتّى، وذلك أنّهم يقولون: كيمه في الاستفهام، فيعملونها في الأسماء كما قالوا حتى مه. وحتّى متى، ولمه.


فمن قال كيمه فإنّه يضمر أن بعدها، وأمّا من أدخل عليها اللام ولم يكن من كلامه كيمه فإنّها عنده بمنزلة أن، وتدخل عليها اللام كما تدخل على أن. ومن قال كيمه جعلها بمنزلة اللام.
واعلم أنّ لا تظهر بعد حتّى وكي، كما لا يظهر بعد أمّا الفعل في قولك: أمّا أنت منطلقاً انطلقت، وقد ذكر حالها فيما مضى. واكتفوا عن إظهار أن بعدهما بعلم المخاطب أنّ هذين الحرفين لا يضافان إلى فعل، وأنّهما ليسا مما يعمل في الفعل، وأنّ الفعل لا يحسن بعدهما إلاّ أن يحمل على أن، فأن ههنا بمنزلة الفعل في أمّا، وما كان بمنزلة أمّا مما لا يظهر بعده الفعل، فصار عندهم بدلاً من اللفظ بأن.
وأمّا اللام في قولك: جئتك لتفعل، فبمنزلة إن في قولك: إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ؛ إن شئت أظهرت الفعل ههنا، وإن شئت خزلته وأضمرته. وكذلك أن بعد اللام إن شئت أظهرته، وإن شئت أضمرته.
واعلم أنّ اللام قد تجئ في موضع لا يجوز فيه الإظهار وذلك: ما كان ليفعل، فصارت أن ههنا بمنزلة الفعل في قولك: إيّاك وزيداً، وكأنك إذا مثّلت قلت: ما كان زيد لأن يفعل، أي ما كان زيد لهذا الفعل. فهذا بمنزلته، ودخل فيه معنى نفى كان سيفعل. فإذا قلت هذا قلت: ما كان ليفعل، كما كان لن يفعل نفياً لسيفعل. وصارت بدلاً من اللفظ بأن كما كانت ألف الاستفهام بدلاً من واو القسم في قولك: آلله لتفعلنّ. فلم تذكر إّلا أحد الحرفين إذ كان نفياً لما معه حرف، لم يعمل فيه شئ ليضارعه فكأنّه قد ذكر أن. كما أنّه إذا قال: سقياً له فكأنه قال: سقاه الله.
باب ما يعمل في الأفعال فيجزمها
وذلك: لم، ولمّا، واللام التي في الأمر، وذلك قولك: ليفعل، ولا في النهي، وذلك قولك لا تفعل؛ فإنّما هما بمنزلة لم.
واعلم أنّ هذه اللام ولا في الدعاء بمنزلتهما في الأمر والنهي، وذلك قولك: لا يقطع الله يمنيك، وليجزك الله خيراً.
واعلم أنّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر وتعمل مضمرة، كأنهم شبّهوها بأن إذا أعملوها مضمرة. وقال الشاعر:
محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شئ تبالا
وإنّما أراد: لتفد. وقال متمّم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى
أراد: ليبك. وقال أحيحة بن الجلاح:
فمن نال الغنى فليصطنعه ... صنيعته ويجهد كلّ جهد
واعلم أنّ حروف الجزم لا تجزم إّلا الأفعال، ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة للأسماء، كما أنّ الجرّ لا يكون إّلا في الأسماء.
والجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، فليس للاسم في الجزم نصيب، وليس للفعل في الجرّ نصيب، فمن ثمّ لم يضمروا الجازم كما لم يضمروا الجارّ. وقد أضمره الشاعر، شبهّه بإضمارهم ربّ وواو القسم في كلام بعضهم.
باب وجه دخول الرفع في هذه الأفعال
المضارعة للأسماء
اعلم أنّها إذا كانت في موضع اسم مبتدإ أو موضع اسم بني على مبتدإ أو في موضع اسم مرفوع غير مبتدإ ولا مبنيّ على مبتدإ، أو في موضع اسم مجرور أو منصوب، فإنّها مرتفعة، وكينونتها في هذه المواضع ألزمتها الرفع، وهي سبب دخول الرفع فيها.
وعلّته: أنّ ما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حدّ عمله في الأسماء كما أنّ ما يعمل في الأفعال فينصبها أو يجزمها لا يعمل في الأسماء. وكينونتها في موضع الأسماء ترفعها كما يرفع الاسم كينونته مبتدأ.
فأمّا ما كان في موضع المبتدإ فقولك: يقول زيد ذاك.
وأمّا ما كان في موضع المبنيّ على المبتدإ فقولك: زيد يقول ذاك.
وأمّا ما كان في موضع غير المبتدإ ولا المبنيّ عليه فقولك: مررت برجل يقول ذاك، وهذا يوم آتيك، وهذا زيد يقول ذاك، وهذا رجل يقول ذاك، وحسبته ينطلق. فهكذا هذا وما أشبهه.
ومن ذلك أيضاً: هلاّ يقول زيد ذاك، فيقول في موضع ابتداء وهلاّ لا تعمل في اسم ولا فعل، فكأنّك قلت: يقول زيد ذاك. إلاّ أنّ من الحروف ما لا يدخل إلاّ على الأفعال التي في موضع الأسماء المبتدأة وتكون الأفعال أولى من الأسماء حتّى لا يكون بعدها مذكور يليها إلاّ الأفعال. وسنبّين ذلك إن شاء الله، وقد بيّن فيما مضى.


ومن ذلك أيضاً ائتني بعد ما تفرغ، فما وتفرغ بمنزلة الفراغ، وتفرغ صلة، وهي مبتدأة، وهي بمنزلتها في الذي إذا قلت بعد الذي تفرغ، فتفرغ في موضع مبتدإ لأنّ الذي لا يعمل في شئ، والأسماء بعده مبتدأة.
ومن زعم أنّ الأفعال ترتفع بالابتداء فإنه ينبغي له أن ينصبها إذا كانت في موضع ينتصب فيه الاسم، ويجرّها إذا كانت في موضع ينجرّ فيه الاسم؛ ولكنّها ترتفع بكينونتها في موضع الاسم.
ومن ذلك أيضاً: كدت أفعل ذاك وكدت تفرغ، فكدت فعلت وفعلت لا ينصب الأفعال ولا يجزمها وأفعل ههنا بمنزلة في كنت، إلاّ أنّ الأسماء لا تستعمل في كدت وما أشبهها.
ومثل ذلك: عسى يفعل ذاك، فصارت كدت ونحوها بمنزلة كنت عندهم، كأنّك قلت: كدت فاعلاً، ثم وضعت أفعل في موضع فاعل. ونظير هذا في العربيّة كثير، وستراه إن شاء الله تعالى. ألا ترى أنّك تقول: بلغني أنّ زيداً جاء، فأنّ زيداً جاء كلّه اسم. وتقول: لو أنّ زيداً جاء لكان كذا وكذا، فمعناه: لو مجيء زيد، ولا يقال لو مجيء زيد.
وتقول في التعجّب: ما أحسن زيداً، ولا يكون الاسم في موضع، فتقول: ما محسن زيداً. ومنه: قد جعل يقول ذاك، كأنّك قلت: صار يقول ذاك، فهذا وجه دخول الرفع في الأفعال المضارعة للأسماء. وكأنّهم إنّما منعهم أن يستعملوا في كدت وعسيت الأسماء أنّ معناها ومعنى غيرها معنى ما تدخله أن نحو قولهم: خليق أن يقول ذاك وقارب أن لا يفعل. ألا ترى أنّهم يقولون: عسى أن يفعل. ويضطر الشاعر فيقول: كدت أن، فلّما كان المعنى فيهنّ ذلك تركوا الأسماء لئلاّ يكون ما هذا معناه كغيره، وأجروا اللفظ كما أجروه في كنت، لأنّه فعل مثله.
وكدت أن أفعل لا يجوز إلاّ في شعر، لأنّه مثل كان في قولك: كان فاعلاً ويكون فاعلاً. وكأنّ معنى جعل يقول وأخذ يقول، قد آثر أن يقول ونحوه. ثمن ثمّ منع الأسماء، لأنّ معناها معنى ما يستعمل بأن فتركوا الفعل حين خزلوا أن، ولم يستعملوا الاسم لئلاّ ينقضوا هذا المعنى.
؟هذا باب إذن
اعلم أنّ إذن إذا كانت جواباً وكانت مبتدأة عملت في الفعل عمل رأى في الاسم إذا كانت مبتدأة. وذلك قولك: إذن أجيئك، و إذن آتيك.
ومن ذلك أيضاً قولك: إذن والله أجيئك. والقسم ههنا بمنزلته في أرى إذا قلت: أرى والله زيداً فاعلاً.
ولا تفصل بين شئ مما ينصب الفعل وبين الفعل سوى إذن، لأنّ إذن أشبهت أرى، فهي في الأفعال بمنزلة أرى في الأسماء وهي تلغى وتقدّم وتؤخّر، فلمّا تصرّفت هذا التصرّف اجتروا على أن يفصلوا بينها وبين الفعل باليمين.
ولم يفصلوا بين أن وأخواتها وبين الفعل كراهية أن يشبّهوها بما يعمل في الأسماء، نحو ضربت وقتلت؛ لأنّها لا تصرّف تصرّف الأفعال نحو ضربت وقتلت، ولا تكون إلاّ في أوّل الكلام لاؤمة لموضعها لا تفارقه، فكرهوا الفصل لذلك، لأنّه حرف جامد.
واعلم أنّ إذن إذا كانت بين الفاء والواو وبين الفعل فإنّك فيها بالخيار: إن شئت أعملتها كإعمالك أرى وحسبت إذا كانت واحدة منهما بين اسمين؛ وذلك قولك: زيداً حسبت أخاك، وإن شئت ألغيت إذن كإلغائك حسبت إذا قلت زيد حسبت أخوك.
فأما الاستعمال فقولك: فإذن آتيك وإذن أكرمك.
وبلغنا أنّ هذا الحرف في بعض المصاحف: " وإذن لا يلبثوا خلفك إلاّ قليلاً " . وسمعنا بعض العرب قرأها فقال: " وإذن لا يلبثوا " .
وأمّا الإلغاء فقولك: فإذن لا أجيئك. وقال تعالى: " فإذن لا يؤتون الناس نقيراً " .
واعلم أنّ إذن إذا كانت بين الفعل وبين شئ الفعل معتمد عليه فإنّها ملغاة لا تنصب البّتة، كما لا تنصب أرى إذا كانت بين الفعل والاسم في قولك: كان أرى زيد ذاهباً، وكما لا تعمل في قولك: إنّي أرى ذاهب. فإذن لا تصل في ذا الموضع إلى أن تنصب كما لا تصل أرى هنا إلى أن تنصب. فهذا تفسير الخليل. وذلك قولك: أنا إذن آتيك، فهي ههنا بمنزلة أرى حيت لا تكون إلاّ ملغاة.
ومن ذلك أيضاً قولك: إن تأتني إذن آتك، لأنّ الفعل ههنا معتمد على ما قبل إذن. وليس هذا كقول ابن عنمة الضّبّيّ:
اردد حمارك لا تنزع سويّته ... إذن يردّ وقيد العير مكروب
من قبل أنّ هذا منقطع من الكلام الأوّل وليس معتمداً على ما قبله، لأنّ ما قبله مستغن.
ومن ذلك أيضاً: والله إذن لا أفعل، من قبل أنّ أفعل معتمد على اليمين، وإذن لغو.


وليس الكلام ههنا بمنزلته إذا كانت إذن في أوّله، لأنّ اليمين ههنا الغالبة. ألا ترى أنّك تقول إذا كانت إذن مبتدأة: إذن والله لا أفعل، لأنّ الكلام على إذن ووالله لا يعمل شيئاً.
ولو قلت: والله إذن أفعل تريد أن تخبر أنّك فاعل لم يجز، كما لم يجز والله أذهب إذن إذا أخبرت أنك فاعل. فقبح هذا يدلّك على أنّ الكلام معتمد على اليمين. وقال كثيّرة عزّة:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أقيلها
وتقول: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، إذا جعلت الكلام على أوّله ولم تقطعه، وعطفته على الأوّل. وإن جعلته مستقبلاً نصبت، وإن شئت رفعته على قول من ألغى. وهذا قول يونس، وهو حسن، لأنّك إذا قطعته من الأوّل فهو بمنزلة قولك: فإذن أفعل، إذا كنت مجيباً رجلاً.
وتقول: إذن عبد الله يقول ذاك، لا يكون إلاّ هذا؛ من قبل أنّ إذن الآن بمنزلة إنّما وهل، كأنك قلت: إنّما عبد الله يقول ذاك. ولو جعلت إذن ههنا بمنزلة كي وأن لم يحسن، من قبل أنّه لا يجوز لك أن تقول: كي زيد يقول ذاك، ولا أن زيد يقول ذاك. فلمّا قبح ذلك جعلت بمنزلة هل وكأنّما وأشباههما.
وزعم عيسى بن عمر أنّ ناساً من العرب يقولون: إذن أفعل ذاك، في الجواب. فأخبرت يونس بذلك فقال: لا تبعدنّ ذا. ولم يكن ليروي إلاّ ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل.
وتقول إذا حدّثت بالحديث: إذن أظنّه فاعلاً، وإذن إخالك كاذباً، وذلك لأنك تخبر أنّك تلك الساعة في حال ظنّ وخيلة، فخرجت من باب أن وكي، لأنّ الفعل بعدهما غير واقع وليس في حال حديثك فعل ثابت. ولمّا لم يجز ذا في أخواتها التي تشبّه بها جعلت بمنزلة إنّما.
ولو قلت: إذن أظنّك، تريد أن تخبره أنّ ظنّك سيقع لنصبت، وكذلك إذن يضربك، إذا أخبرت أنّه في حال ضرب لم ينقطع.
وقد ذكر لي بعضهم أنّ الخليل قال: أن مضمرة بعد إذن. ولو كانت مما يضمر بعده أن فكانت بمنزلة اللام وحتّى لأضمرتها إذا قلت عبد الله إذن يأتيك؛ فكان ينبغي أن تنصب إذن يأتيك لأن المعنى واحد، ولم يغيّر فيه المعنى الذي كان في قوله: إذن يأتيك عبد الله، كما يتغيّر المعنى في حتّى في الرفع والنصب. فهذا مارووا. وأمّا ما سمعت منه فالأوّل.
هذا باب حتّى
اعلم أنّ تنصب على وجهين: فأحدهما: أن تجعل الدخول غاية لمسيرك، وذلك قولك: سرت حتّى أدخلها، كأنك قلت: سرت إلى أن أدخلها، فالناصب للفعل ههنا هو الجارّ للاسم إذا كان غاية. فالفعل إذا كان غاية نصب، والاسم إذا كان غاية جرّ. وهذا قول الخليل.
وأمّا الوجه الآخر فأن يكون السّير قد كان والدخول لم يكن، وذلك إذا جاءت مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها، وذلك قولك: كلّمته حتّى يأمر لي بشيء.
واعلم أنّ حتّى يرفع الفعل بعدها على وجهين: تقول: سرت حتّى أدخلها، تعني أنّه كان دخول متّصل بالسير كاتّصاله به بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلها، فأدخلها ههنا على قولك: هو يدخل وهو يضرب، إذا كنت تخبر أنّه في عمله، وأنّ عمله لم ينقطع. فإذا قال حتّى أدخلها فكأنه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخول، فالدخول متّصل بالسير كاتّصاله بالفاء. فحتّى صارت ههنا بمنزلة إذا وما أشبهها من حروف الإبتداء، لأنّها لم تجئ على معنى إلى أن، ولا معنى كي، فخرجت من حروف النّصب كما خرجت إذن منها في قولك: إذن أظنّك.
وأمّا الوجه الآخر: فإنه يكون السّير قد كان وما أشبهه، ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتّى أدخلها ما أمنع، أي حتّى أنّي الآن أدخلها كيفما شئت. ومثل ذلك قول الرجل: لقد رأى منّي عاماً أوّل شيئاً حتّى لا أستطيع أن أكلّمه العام بشيء، ولقد مرض حتّى لا يرجونه. والرفع ههنا في الوجهين جميعاً كالرفع في الاسم. قال الفرزدق:
فيا عجباً حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع
فحتّى ههنا بمنزلة إذا، وإنما هي ههنا كحرف من حروف الابتداء.
ومثل ذلك: شربت حتى يجئ البعير يجرّ بطنه، أي حتّى إنّ البعير ليجئ يجرّ بطنه.
ويدلّك على حتّى أنها حرف من حروف الابتداء أنّك تقول: حتّى إنّه ليفعل ذاك كما تقول: فإذا إنّه يفعل ذاك. ومثل ذلك قول حسّان ابن ثابت:
يغشون حتّى لا تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل


ومثل ذلك: مرض حتّى يمرّ به الطائر فيرحمه، وسرت حتّى يعلم الله أنّي كالّ. والفعل ههنا منقطع من الأوّل، وهو في الوجه الأوّل الذي ارتفع فيه متّصل كاتّصاله به بالفاء، كأنه قال سير فدخول، كما قال علقمة ابن عبدة:
ترادي على دمن الحياض فإن تعف ... فإنّ المندّى رحلة فركوب
لم يجعل ركوبه الآن ورحلته فيما مضى، ولم يجعل الدخول الآن وسيره فيما مضى، ولكنّ الآخر متّصل بالأوّل، ولم يقع واحد دون الآخر.
وإذا قلت: لقد ضرب أمس حتّى لا يستطيع أن يتحرّك اليوم، فليس كقولك: سرت فأدخلها، إذا لم ترد أن تجعل الدخول الساعة، لأنّ السير والدخول جميعاً وقعاً فيما مضى. وكذلك مرض حتّى لا يرجونه، أي حتّى إنّه الآن لا يرجونه؛ فهذا ليس متّصلاً بالأوّل واقعاً معه فيما مضى.
وليس قولنا كاتّصال الفاء يعني أنّ معناه معنى الفاء، ولكنك أردت أن تخبر أنه متّصل بالأوّل، وأنهما وقعا فيما مضى.
وليس بين حتّى في الاتّصال وبينه في الانفصال فرق في أنه بمنزلة حرف الابتداء، وأنّ المعنى واحد إلاّ أنّ أحد الموضعين الدخول فيه متّصل بالسّير وقد مضى السير والدخول، والآخر منفصل وهو الآن في حال الدخول، وإنّما اتّصاله في أنّه كان فيما مضى، وإلاّ فإنه ليس بفارق موضعه الآخر في شئ إذا رفعت.
باب الرفع فيما اتّصل بالأوّل
كاتّصاله بالفاء وما انتصب لأنّه غاية
تقول: سرت حتّى أدخلها، وقد سرت حتّى أدخلها سواء، وكذلك إنّي سرت حتّى أدخلها، فيما زعم الخليل.
فإن جعلت الدخول في كلّ ذا غاية نصبت وتقول: رأيت عبد الله سار حتّى يدخلها، وأرى زيداً سار حتى يدخلها ومن زعم أن النصب يكون في ذا لأن المتكلم غير متيقن فإنه يدخل عليه سار زيد حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري ويدخل عليه عبد الله سار حتّى يدخلها أرى.
فإن قال: فإني لم أعمل أرى، فهو يزعم أنه ينصب بأرى الفعل.
وإن جعلت الدخول غاية نصبت في ذا كلّه.
وتقول: كنت سرت حتّى أدخلها، إذا لم تجعل الدخول غاية. وليس بين كنت سرت وبين سرت مرّة في الزمان الأوّل حتّى أدخلها شئ، وإنّما ذا قول كان النحويّون يقولونه ويأخذونه بوجه ضعيف. يقولون: إذا لم يجز القلب نصبنا فيدخل عليهم قد سرت حتى أدخلها أن ينصبوا وليس في الدنيا عربيّ يرفع سرت حتّى أدخلها إلاّ وهو يرفع إذا قال: قد سرت.
وتقول: إنّما سرت حتّى أدخلها، وحتّى أدخلها، إن جعلت الدخول غاية. وكذلك ما سرت إلاّ قليلاً حتّى أدخلها، إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت، لأنّ معنى هذا معنى سرت قليلاً حتّى أدخلها، فإن جعلت الدخول غاية نصبت.
ومما يكون فيه الرفع شئ ينصبه بعض الناس لقبح القلب، وذلك: ربّما سرت حتّى أدخلها، وطالما سرت حتّى أدخلها، وكثر ما سرت حتّى أدخلها ونحو هذا. فإن احتجّوا بأنه غير سير واحد فكيف يقولون إذا قلت: سرت غير مرّة حتّى أدخلها.
وسألنا من يرفع في قوله: سرت حتّى أدخلها، فرفع في ربّما ولكنّهم اعتزموا على النصب في ذا كما اعتزموا عليه في قد.
وتقول: ما أحسن ما سرت حتّى أدخلها وقلّما سرت حتّى أدخلها، إذا أردت أن تخبر أنّك سرت قليلاً وعنيت سيراً واحداً، وإن شئت نصبت على الغاية.
وتقول: قلّما سرت حتّى أدخلها، إذا عنيت سيراً واحداً، أو عنيت غير سير، لأنّك قد تنفي الكثير من السير الواحد كما تنفيه من غير سير.
وتقول: قلّما سرت حتّى أدخلها إذا عنيت غير سير، وكذلك أقلّ ما سرت حتّى أدخلها، من قبل أنّ قلّما نفي لقوله كثر ما، كما أنّ ما سرت نفي لقوله سرت. ألا ترى أنّه قبيح أن تقول: قلّما سرت فأدخلها كما يقبح في ما سرت، إذا أردت معنى فإذا أنا أدخل.
وتقول: قلّما سرت فأدخلها، فتنصب بالفاء ههنا كما تنصب في ما، ولا يكون كثر ما سرت فأدخلها لأنّه واجب، ويحسن أن تقول: كثر ما سرت فإذا أنا أدخل. وتقول: إنما سرت حتّى أدخلها إذا كنت محتقراً لسيرك الذي أدّى إلى الدخول، ويقبح إنّما سرت حتّى أدخلها، لأنه ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السّير كما يكون في النصب، يعني إذا احتقر السير، لأنّك لا تجعله سيراً يؤدّي الدخول وأنت تستصغره، وهذا قول الخليل.
وتقول: كان سيري أمس حتّى أدخلها ليس إلاّ، لأنّك لو قلت: كان سيري أمس فإذا أنا أدخلها لم يجز، لأنك لم تجعل لكان خبراً.


وتقول: كان سيري أمس سيراً متعباً حتّى أدخلها، لأنك تقول: ههنا فأدخلها وفإذا أنا أدخلها، لأنك جئت لكان بخبر، وهو قولك: سيراً متعباً.
واعلم أنّ ما بعد حتّى لا يشرك الفعل الذي قبل حتى في موضعه كشركة الفعل الآخر الأوّل إذا قلت: لم أجئ فأقل، ولو كان ذلك لاستحال كان سيري أمس شديداً حتّى أدخل، ولكنها تجئ كما تجئ ما بعد إذا وبعد حروف الابتداء.
وكذلك هي أيضاً بعد الفاء إذا قلت: ما أحسن ما سرت فأدخلها؛ لأنّها منفصلة يعني الفاء؛ فإنما عنينا بقولنا الآخر متّصل بالأوّل أنّهما وقعا فيما مضى، كما أنه إذا قال:
فإنّ المندّى رحلة فركوب
فإنّما يعني أنّهما وقعا في الماضي من الأزمنة، وأنّ الآخر كان مع فراغه من الأوّل.
فإن قلت: كان سيري أمس حتّى أدخلها، تجعل أمس مستقرّاً، جاز الرفع لأنه استغنى، فصار كسرت، لو قلت فأدخلها حسن، ولا يحسن كان سيري فأدخل، إلاّ أن تجئ بخبر لكان.
وقد تقع نفعل في موضع فعلنا في بعض المواضع، ومثل ذلك قوله، لرجل من بني سلول مولّد:
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني
واعلم أنّ أسير بمنزلة سرت إذا أردت بأسير معنى سرت.
واعلم أنّ الفعل إذا كان غير واجب لم يكن إلاّ النصب، من قبل أنّه إذا لم يكن واجباً رجعت حتّى إلى أن وكي، ولم تصر من حروف الابتداء كما لم تصر إذن في الجواب من حروف الابتداء إذا قلت: إذن أظنّك، وأظن غير واقع في حال حديثك.
وتقول: أيّهم سار حتّى يدخلها، لأنّك قد زعمت أنه كان سير ودخول، وإنّما سألت عن الفاعل. ألا ترى أنّك لو قلت: أين الذي سار حتّى يدخلها وقد دخلها لكان حسناً، ولجاز هذا الذي يكون لما قد وقع، لأنّ الفعل ثمّ واقع، وليس بمنزلة قلّما سرت إذا كان نافياً لكثرما، ألا ترى أنّه لو كان قال: قلّما سرت فأدخلها، أو حتّى أدخلها، وهو يريد أن يجعلها واجبة خارجة من معنى قلّما، لم يستقم إلاّ أن تقول: قلّما سرت فدخلت وحتّى دخلت، كما تقول: ما سرت حتّى دخلت. فإنّما ترفع بحتّي في الواجب، ويكون ما بعدها مبتدأ منفصلاً من الأوّل كان مع الأوّل فيما مضى أو الآن. وتقول: أسرت حتّى تدخلها نصب، لأنك لن تثبت سيراً تزعم أنه قد كان معه دخول.
باب ما يكون العمل فيه من اثنين
وذلك قولك: سرت حتّى يدخلها زيداً، إذا كان دخول زيد لم يؤدّه سيرك ولم يكن سببه، فيصير هذا كقولك: سرت حتّى تطلع الشمس؛ لأنّ سيرك لا يكون سبباً لطلوع الشمس ولا يؤدّيه، ولكنّك لو قلت: سرت حتّى يدخلها ثقلي، وسرت حتّى يدخلها بدني، لرفعت لأنّك جعلت دخول ثقلك يؤدّيه سيرك، وبدنك لم يكن دخوله إلاّ بسيرك.
وبلغنا أن مجاهداً قرأ هذه الآية: " وزلزلوا حتّى يقول الرّسول " ؛ وهي قراءة أهل الحجاز.
وتقول: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها، وسرت حتّى أدخلها ويدخلها زيد إذا جعلت دخول زيد من سبب سيرك وهو الذي أدّاه، ولا تجد بدّاً من أن تجعله ههنا في تلك الحال، لأنّ رفع الأوّل لا يكون إلاّ وسبب دخوله سيره.
وإذا كانت هذه حال الأوّل لم يكن بدّ للآخر من أن يتبعه، لأنك تعطفه على دخولك في حتّى. وذلك أنه يجوز أن تقول: سرت حتّى يدخلها زيد، إذا كان سيرك يؤدّي دخوله كما تقول: سرت حتّى يدخلها ثقلي. وتقول: سرت حتى أدخلها وحتى يدخلها زيد، لأنك لو قلت: سرت حتّى أدخلها وحتّى تطلع الشمس كان جيداً، وصارت إعادتك حتّى كإعادتك له في تباً له وويل له، ومن عمراً ومن أخو زيد. وقد يجوز أن تقول: سرت حتّى يدخلها زيد إذا كان أدّاه سيرك. ومثل ذلك قراءة أهل الحجاز: " وزلزلوا حتّى يقول الرّسول " .
واعلم أنّه لا يجوز سرت حتّى أدخلها وتطلع الشمس يقول: إذا رفعت طلوع الشمس لم يجز، وإن نصبت وقد رفعت فهو محال حتّى تنصب فعلك من قبل العطف، فهذا محال أن ترفع، ولم يكن الرفع لأنّ طلوع الشمس لا يكون أن يؤدّيه سيرك فترفع تطلع وقد حلت بينه وبين الناصبة.
ويحسن أن تقول: سرت حتّى تطلع الشمس وحتى أدخلها، كما يجوز أن تقول: سرت إلى يوم الجمعة، وحتى أدخلها. وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم ... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان
فهذه الآخرة هي التي ترفع.
وتقول: سرت وسار حتّى ندخلها، كأنك قلت: سرنا حتّى ندخلها.


وتقول: سرت حتّى أسمع الأذان، هذا وجهه وحدّة النصب، لأن سيرك ليس يؤدّي سمعك الأذان، إنّما يؤدّيه الصّبح، ولكنك تقول: سرت حتّى أكلّ لأنّ الكلال يؤدّيه سيرك.
وتقول: سرت حتّى أصبح، لأنّ الإصباح لا يؤدّيه سيرك إنّما هي غاية طلوع الشمس.
هذا باب الفاء
اعلم أن ما انتصب في باب الفاء ينتصب على إضمار أن، وما لم ينتصب فإنّه يشرك الفعل الأوّل فيما دخل فيه، أو يكون في موضع مبتدإ أو مبنيّ على مبتدإ أو موضع اسم مما سوى ذلك. وسأبين ذلك إن شاء الله.
تقول: لا تأتيني فتحدّثني، لم ترد أن تدخل الآخر فيما دخل فيه الأوّل فتقول: لا تأتيني ولا تحدّثني، ولكنّك لمّا حوّلت المعنى عن ذلك تحوّل إلى الاسم، كأنك قلت: ليس يكون منك إتيان فحديث، فلّما أردت ذلك استحال أن تضمّ الفعل إلى الاسم، فأضمروا أن، لأنّ أن مع الفعل بمنزلة الاسم، فلّما نووا أن يكون الأوّل بمنزلة قولهم: لم يكن إتيان، استحالوا أن يضمّوا الفعل إليه، فلّما أضمروا أن حسن؛ لأنّه مع الفعل بمنزلة الاسم.
وأن لا تظهر ههنا، لأنه يقع فيها معان لا تكون في التمثيل، كما لا يقع معنى الاستثناء في لا يكون ونحوها، إلاّ أن تضمر. ولولا أنّك إذا قلت لم آتك صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، لم يجز فأحدّثك، كانك قلت في التمثيل فحديث. وهذا تمثيل ولا يتكلّم به بعد لم آتك، لا تقول: لم آتك فحديث. فكذلك لا تقع هذه المعاني في الفاء إلاّ بإضمار أن، ولا يجوز إظهار أن، كما لا يجوز إظهار المضمر في لا يكون ونحوها.
فإذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، ولم يجز أن تقول فحديث، لأنّ هذا لو كان جائزاً لأظهرت أن.
ونظير جعلهم لم آتك ولا آتيك وما أشبهه بمنزلة الاسم في النية، حتّى كأنهم قالوا: لم يك إتيان، إنشاد بعض العرب قول الفرزدق:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلاّ ببين غرابها
ومثله قول الفرزدق أيضاً:
وما زرت سلمى أن تكون حبيبة ... إلىّ ولا دين بها أنا طالبه
جرّه لأنه صار كأنه قال: لأن.
ومثله قول زهير:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائياً
لّما كان الأوّل تستعمل فيه الباء ولا تغيّر المعنى، وكانت مما يلزم الأوّل نووها في الحرف الآخر، حتّى كأنّهم قد تكلّموا بها في الأوّل.
وكذلك صار لم آتك بمنزلة لفظهم بلم يكن إتيان، لأنّ المعنى واحد.
واعلم أنّ ما ينتصب في باب الفاء قد ينتصب على غير معنى واحد، وكلّ ذلك على إضمار أن، إلاّ أنّ المعاني مختلفة، كما أنّ يعلم الله يرتفع كما يرتفع يذهب زيد، وعلم الله ينتصب كما ينتصب ذهب زيد، وفيهما معنى اليمين.
فالنصب ههنا في التمثيل كأنك قلت: لم يكن إتيان فأن تحدّث والمعنى على غير ذلك، كما أنّ معنى علم الله لأفعلنّ غير معنى رزق الله. فأن تحدّث في اللفظ مرفوعة بيكن؛ لأنّ المعنى: بم يكن إتيان فيكون حديث.
وتقول: ما نأتيني فتحدّثني، فالنصب على وجهين من المعاني: أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدّثني، أي لو أتيتني لحدّثتني.
وأما الآخر: فما تأتيني أبداً إلاّ لم تحدّثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك.
وإن شئت أشركت بين الأوّل والآخر، فدخل الآخر فيما دخل فيه الأوّل فتقول: ما تأتيني فتحدّثني كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدّثني.
فمثل النصب قوله عزّ وجلّ: " لا يقضي عليهم فيموتوا " . ومثل الرفع قوله عزّ وجلّ: " هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون " .
وإن شئت رفعت على وجه آخر، كأنك قلت: فأنت تحدّثنا. ومثل ذلك قول بعض الحارثيين:
غير أنّا لم تأتنا بيقين ... فترجّي ونكثر التأميلا
كأنه قال: فنحن نرجّى. فهذا في موضع مبنيّ على المبتدإ.
وتقول: ما أتيتنا فتحدّثنا، فالنصب فيه كالنّصب في الأوّل، وإن شئت رفعت على: فأنت تحدّثنا الساعة، وارفع فيه يجوز على ما.
وإنّما اختير النصب لأنّ الوجه ههنا وحدّ الكلام أن تقول: ما أتيتنا فحدّثتنا، فلّما صرفوه عن هذا الحدّ ضعف أن يضمّوا يفعل إلى فعلت فحملوه على الاسم، كما لم يجز أن يضّموه إلى الاسم في قولهم: ما أنت منّا فتنصرنا ونحوه.
وأمّا الذين رفعوه فحملوه على موضع أتيتنا، لأن أتيتنا في موضع فعل مرفوع، وتحدّثنا ههنا في موضع حدّثتنا.


وتقول: ما تأتينا فتكلّم إلاّ بالجميل. فالمعنى أنّك لم تأتنا إلاّ تكلّمت بجميل، ونصبه على إضمار أن كما كان نصب ما قبله على إضمار أن، وتمثيله كتمثيل الأوّل وإن شئت رفعت على الشّركة كأنه قال: وما تكلّم إلاّ الجميل.
ومثل النصب قول الفرزدق:
وما قام منّا قائم في نديّنا ... فينطق إلاّ بالتي هي أعرف
وتقول: لا تأتينا فتحدّثنا إلاّ ازددنا فيك رغبة، فالنصب ههنا كالنصب في: ما تأتيني فتحدّثني إذا أردت معنى: ما تأتيني محدّثاً، وإنّما أراد معنى: ما أتيتني محدّثاً إلاّ ازددت فيك رغبة. ومثل ذلك قول اللّعين:
وما حلّ سعديّ غريباً ببلدة ... فينسب إلاّ الزّبرقان له أب
وتقول: لا يسعني شئ فيعجز عنك، أي لا يسعني شئ فيكون عاجزاً عنك ولا يسعني شئ إلاّ لم يعجز عنك. هذا معنى هذا الكلام. فإن حملته على الأوّل قبح المعنى؛ لأنّك لا تريد أن تقول: إنّ الأشياء لا تسعني ولا تعجز عنك، فهذا لا ينويه أحد.
وتقول: ما أنت منّا فتحدّثنا، لا يكون الفعل محمولاً على ما؛ لأنّ الذي قبل الفعل ليس من الأفعال فلم يشاكله، قال الفرزدق:
ما أنت من قيس فتنبح دونها ... ولا من تميم في اللّها والغلاصم
وإن شئت رفعت على قوله:
فنرجّي ونكثر التأميلا
وتقول: ألا ماء فأشر به، وليته عندنا فيحدّثنا. وقال أميّة بن أبي الصّلت:
ألا رسول لنا منّا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا
لا يكون في هذا إلاّ النصب، لأنّ الفعل لم تضمّه إلى فعل.
وتقول: ألا تقع الماء فتسبح، إذا جعت الآخر على الأوّل، كأنك قلت: ألا تسبح. وإن شئت نصبته على ما انتصب عليه ما قبله، كأنك قلت: ألا يكون وقوع فأن تسبح. فهذا تمثيل وإن لم يتكلّم به.
والمعنى في النصب أنه يقول: إذا وقعت سبحت.
وتقول: ألم تأتنا فتحدّثنا، إذا لم يكن على الأوّل. وإن كان على الأوّل جزمت. ومثل النصب قوله:
ألم تسأل فتخبرك الرسوم ... على فرتاج، والطّلل القديم
وإن شئت جزمت على أوّل الكلام.
وتقول: لا تمددها فتشقّها، إذا لم تحمل الآخر على الأوّل. وقال عزّ وجلّ: " لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب " .وتقول: لا تمددها فتشققها، إذا أشركت بين الآخر والأوّل كما أشركت بين الفعلين في لم.
وتقول: ائتني فأحدّثك. وقال أبو النجم:
ياناق سيري عنقاً فسيحاً ... إلى سليمان فنستريحا
ولا سبيل ههنا إلى الجزم؛ من قبل أنّ هذه الأفعال التي يدخلها الرفع والنصب والجزم، وهي الأفعال المضارعة، لا تكون في موضع افعل أبداً، لأنّها إنما تنتصب وتنجزم بما قبلها، وافعل مبنيّة على الوقف.
فإن أردت أن تجعل هذه الأفعال أمراً أدخلت اللام، وذلك قولك: ائته فليحدّثك، وفيحدّثك إذا أردت المجازاة. ولو جاز الجزم في: ائتني فأحدّثك ونحوها لقلت: تحدّثني تريد به الأمر.
وتقول: ألست قد أتيتنا فتحدّثنا، إذا جعلته جواباً ولم تجعل الحديث وقع إلاّ بالإتيان؛ وإن أردت فحدّثتنا رفعت.
وتقول: كأنّك لم تأتنا فتحدّثنا؛ وإن حملته على الأوّل جزمت. وقال رجل من بني دارم:
كأنّك لم تذبح لأهلك نعجة ... فيصبح ملقى بالفناء إهابها
وتقول: ودّلو تأتيه فتحدّثه. والرفع جيّد على معنى التّمني. ومثله قوله عزّ وجلّ: " ودّوا لو تدهن فيدهنون " . وزعم هارون أنّها في بعض المصاحف: " ودّوا لو تدهن فيدهنوا " .
وتقول: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعاً، ومعناه: أن لو شتمني لوثبت عليه. وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلاّ الرفع؛ لأنّ هذا بمنزلة قوله: ألست قد فعلت فأفعل.
واعلم أنّك إن شئت قلت: ائتني فأحدّثك، ترفع. وزعم الخليل: أنّك لم ترد أن تجعل الإتيان سبباً لحديث، ولكنّك كأنك قلت: ائتني فأنا ممن يحدّثك البتة، جئت أو لم تجئ. قال النابغة الذبياني:
ولا زال قبر بين تبنى وجاسم ... عليه من الوسميّ جود ووابل
فينبت حوذاناً وعوفاً منوّراً ... سأتبعه من خير ما قال قائل


وذلك أنه لم يرد أن يجعل النبات جواباً لقوله: ولا زال، ولا أن يكون متعلّقاً به، ولكنه دعا ثم أخبر بقصّة السحاب، كأنّه قال: فذاك ينبت حوذاناً. ولو نصب هذا البيت قال الخليل لجاز، ولكنّا قبلناه رفعاً:
ألم تسأل الرّبع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
لم يجعل الأوّل سبباً للآخر، ولكنّه جعله ينطق على كلّ حال، كأنه قال: فهو مما ينطق كما قال: ائتني فأحدّثك، فجعل نفسه ممن يحدّثه على كلّ حال.
وزعم يونس: أنه سمع هذا البيت بألم. وإنّما كتبت ذا لئّلا يقول إنسان: فلعلّ الشاعر قال ألا. وسألت الخليل عن قول الأعشي:
لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضّى لبانات ويسأم سائم
فرفعه وقال: لا أعرف فيه غيره؛ لأنّ أوّل الكلام خبر وهو واجب، كأنه قال: ففي حول تقضّى لبانات ويسأم سائم. هذا معناه.
واعلم أن الفاء لا تضمر فيها أن في الواجب، ولا يكون في هذا الباب إلاّ الرفع، وسنبيّن لم ذلك. وذلك قوله: إنّه عندنا فيحدّثنا، وسوف آتيه فأحدّثه ليس إلا، إن شئت رفعته على أن تشرك بينه وبين الأوّل، وإن شئت كان منقطعاً؛ لأنّك قد أوجبت أن تفعل فلا يكون فيه إلاّ الرفع. وقال عزّ وجلّ: " فلا تكفر فيتعلّمون " فارتفعت لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلّمون، ليجعلا كفره سبباً لتعليم غيره، ولكنه على كفروا فيتعلّمون.
ومثله: " كن فيكون " ، كأنّه قال: إنما أمرنا ذاك فيكون.
وقد يجوز النصب في الواجب في اضطرار الشعر، ونصبه في الاضطرار من حيث انتصب في غير الواجب، وذلك لأنّك تجعل أن العاملة. فمّما نصب في الشعر اضطراراً قوله:
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا
وقال الأعشى، وأنشدناه يونس:
ثمّت لا تجزونني عند ذاكم ... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
وهو ضعيف في الكلام. وقال طرفة:
لنا هضبة لا يدخل الذّلّ وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما
وكان أبو عمرو يقول: لا تأتنا فنشتمك.
وسمعت يونس يقول: ما أتيتني فأحدّثك فيما أستقبل، فقلت له: ما تريد به؟ فقال: أريد أن أقول ما أتيتني فأنا أحدّثك وأكرمك فيما أستقبل.
وقال: هذا مثل ائتني فأحدّثك، إذا أراد ائتني فأنا صاحب هذا.
وسألته عن: " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرّة " ، فقال: هذا واجب، وهو تنبيه، كأنّك قلت: أتسمع أن الله أنزل من السماء ماء فكان كذا وكذا. وإنّما خالف الواجب النفي لأنك تنقض النفي إذا نصبت وتغيّر المعنى، يعني أنك تنفي الحديث وتوجب الإتيان، تقول: ما أتيتني قطّ فتحدّثني إلاّ بالشرّ، فقد نقضت نفي الإتيان وزعمت أنّه قد كان.
وتقول: ما تأتيني فتحدّثني، إذا أردت معنى فكيف تحدّثني، فأنت لا تنفي الحديث، ولكنّك زعمت أنّ منه الحديث، وإنّما يحول بينك وبينه ترك الإتيان.
وتقول: ائتني فأحدّثك، فليس هذا من الأمر الأوّل في شئ.
وإذا قلت: قد كان عندنا فسوف يأتينا فيحدّثنا، لم تزده على أن جئت بواجب كالأوّل، فلم يحتاجوا إلى أن، لما ذكرت لك، ولأنّ تلك المعاني لا تقع هاهنا، ولو كانت الفاء والواو وأو ينصبن لأدخلت عليهن الفاء والواو للعطف، ولكنها كحتّى في الإضمار والبدل، فشبّهت بها لمّا كان النصب فيها الوجه؛ لأنهم جعلوا الموضع الذي يستعملون فيه إضمار أن بعد الفاء كما جعلوه في حتّى، إنما يضمر إذا أراد معنى الغاية، وكاللام في ما كان ليفعل.
هذا باب الواو
اعلم أنّ الواو ينتصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء، وأنها قد تشرك بين الأوّل والآخر كما تشرك الفاء، وأنّها يستقبح فيها أن تشرك بين الأوّل والآخر كما استقبح ذلك في الفاء، وأنّها يجئ ما بعدها مرتفعاً منقطعاً من الأوّل كما جاء ما بعد الفاء.
واعلم أنّ الواو وإن جرت هذا المجرى فإنّ معناها ومعنى الفاء مختلفان ألا ترى الأخطل قال:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
فلو دخلت الفاء ههنا لأفسدت المعنى، وإنّما أراد لا يجتمعنّ النهي والإتيان، فصار تأتي على إضمار أن.
ومما يدّلك أيضاً على أنّ الفاء ليست كالواو قولك: مررت بزيد وعمرو، ومررت بزيد فعمرو، تريد أن تعلم بالفاء أنّ الآخر مرّ به بعد الأوّل.


وتقول: لا تأكل السّمك وتشرب اللبن، فلو أدخلت الفاء ههنا فسد المعنى. وإن شئت جزمت على النهي في غير هذا الموضع. قال جرير:
ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته ... فإنك إن تفعل تسفّه وتجهل
ومنعك أن ينجزم في الأوّل لأنّه إنما أراد أن يقول له: لا تجمع بين اللبن والسمك، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حدة ويشرب اللبن على حدة، فإذا جزم فكأنّه نهاه أن يأكل السمك على كلّ حال أو يشرب اللبن على كلّ حال.
ومثل النصب في هذا الباب قول الحطيئة:
ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودّة والإخاء
كأنّه قال: ألم أك هكذا ويكون بيني وبينكم. وقال دريد بن الصّمّة:
قتلت بعبد الله خير لداته ... ذؤاباً فلم أفخر بذاك وأجزعا
وتقول: لا يسعني شئ ويعجز عنك، فانتصاب الفعل هاهنا من الوجه الذي انتصب به في الفاء، إلاّ أنّ الواو لا يكون موضعها في الكلام موضع الفاء.
وتقول: ائتني وآتيك، إذا أردت ليكن إتيان منك وأن آتيك، تعني إتيان منك وإتيان منّي. وإن أردت الأمر أدخلت اللام كما فعلت ذلك في الفاء حيث قلت: ائتني فلأحدّثك، فتقول ائتني ولآتك.
ومن النصب في هذا الباب قوله عزّ وجلّ: " ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصّابرين " ، وقد قرأها بعضهم: " ويعلم الصّابرين " .
وقال تعالى: " ولا تلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون " ، إن شئت جعلت وتكتموا على النهي، وإن شئت جعلته على الواو.
وقال تعالى: " ياليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين " . فالرفع على وجهين: فأحدهما أن يشرك الآخر الأوّل. والآخر على قولك: دعني ولا أعود، أي فإنّي ممن لا يعود، فإنّما يسأل الترك وقد أوجب على نفسه أن لا عودة له البتّة ترك أو لم يترك، ولم يرد أن يسأل أن يجتمع له الترك وأن لا يعود. وأمّا عبد الله بن أبي إسحاق فكان ينصب هذه الآية.
وتقول: زرني وأزورك، أي أنا ممن قد أوجب زيارتك على نفسه، ولم ترد أن تقول لتجتمع منك الزيارة وأن أزورك، تعني لتجتمع منك الزيارة فزيارة منّي، ولكنّه أراد أن يقول زيارتك واجبة على كلّ حال، فلتكن منك زيارة. وقال الأعشى:
فقلت ادعي وأدعو إنّ أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
ومن النصب أيضاً قوله:
للبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
لمّا لم يستقم أن تحمل وتقرّ وهو فعل على لبس وهو اسم، لمّا ضممته إلى الاسم، وجعلت أحبّ لهما ولم ترد قطعة، لم يكن بدّ من إضمار أن. وسترى مثله مبيّناً.
وسمعنا من ينشد هذا البيت من العرب، وهو لكعب الغنويّ:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول
والرفع أيضاً جائز حسن، كما قال قيس بن زهير بن جذيمة:
فلا يدعني قومي صريحاً لحرّة ... لئن كنت مقتولاً ويسلم عامر
ويغضب معطوف على الشيء، ويجوز رفعه على أن يكون داخلاً في صلة الذي.
هذا باب أو
اعلم أن ما انتصب بعد أو فإنّه ينتصب على إضمار أن كما انتصب في الفاء والواو على إضمارها، ولا يستعمل إظهارها كما لم يستعمل في الفاء والواو، والتمثيل هاهنا مثله ثمّ. تقول إذا قال لألزمنّك أو تعطيني، كأنه يقول: ليكوننّ اللزوم أو أن تعطيني.
واعلم أنّ معنى ما انتصب بعد أو على إلاّ أن، كما كان معنى ما انتصب بعد الفاء على غير معنى التمثيل تقول: لألزمنّك أو تقضيني، ولأضربنّك أو تسبقني؛ فالمعنى لألزمنّك إلاّ أن تقتضيني ولأضربنّك إلا أن تسبقني. هذا معنى النصب. قال امرؤ القيس:
فقلت له لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
والقوافي منصوبة، فالتمثيل على ما ذكرت لك، والمعنى على إلاّ أن نموت فنعذرا، وإلاّ أن تعطيني، كما كان تمثيل الفاء على ما ذكرت لك، وفيه المعاني التي فصّلت لك.
ولو رفعت لكان عربيّاً جائزاً على وجهين: على أن تشرك بين الأوّل والآخر، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعاً من الأوّل، يعني أو نحن ممن يموت.
وقال جلّ وعزّ: " ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون " ، إن شئت كان على الإشراك، وإن شئت كان على: أو هم يسلمون.
وقال ذو الرمّة:


حراجيج لا تنفكّ إلاّ مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلداً قفراً
فإن شئت كان على لا تنفكّ نرمي بها، أو على الابتداء.
وتقول: الزمه أو يتقّيك بحقّك، واضربه أو يستقيم. وقال زياد الأعجم:
وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
معناه إلاّ أن، وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء؛ لأنّه لا سبيل إلى الإشراك.
وتقول: هو قاتلي أو أفتدي منه؛ وإن شئت ابتدأته كأنه قال: أو أنا أفتدي، وقال طرفة بن العبد:
ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشّكر والتّسآل أو أنا مفتدي
وسألت الخليل عن قوله عزّ وجلّ: " وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء " ، فزعم أنّ النصب محمول على أن سوى هذه التي قبلها. ولو كانت هذه الكلمة على أن هذه لم يكن للكلام وجه، ولكنه لمّا قال: " إلاّ وحياً أو من وراء حجاب " كان في معنى إلاّ أن يوحي، وكان أو يرسل فعلاً لا يجري على ألاّ، فأجرى على أن هذه، كأنه قال: إلاّ أن يوحي أو يرسل؛ لأنه لو قال: إلاّ وحياً وإلاّ أن يرسل كان حسناً، وكان أن يرسل بمنزلة الإرسال، فحملوه على أن، إذ لم يجز أن يقولوا: أو إلاّ يرسل، فكأنه قال: إلاّ وحياً أو أن يرسل.
وقال الحصين بن حمام المرّي:
ولولا رجال من رزام أعزّة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
يضمر أن، وذاك لأنّه امتنع أن يجعل الفعل على لولا فأضمر أن، كأنّه قال: لولا ذاك، أو لولا أن أسوءك.
وبلغنا أنّ أهل المدينة يرفعون هذه الآية: " وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء " فكأنه والله أعلم قال الله عزّ وجلّ: لا يكلّم الله البشر إلاّ وحياً أو يرسل رسولاً، أي في هذه الحال وهذا كلامه إيّاهم، كما تقول العرب: تحيتّك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل. وقال الشاعر، وهو عمرو بن معدي كرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيّة بينهم ضرب وجيع
وسألت الخليل عن قول الأعشي:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنّا معشر نزل
فقال: الكلام هاهنا على قولك يكون كذا أو يكون كذا، لمّا كان موضعها لو قال فيه أتركبون لم ينقض المعنى، صار بمنزلة قولك: ولا سابق شيئاً. وأمّا يونس فقال: أرفعه على الابتداء، كأنه قال: أو أنتم نازلون. وعلى هذا الوجه فسّر الرفع في الآية، كأنه قال: أو هو يرسل رسولاً، كما قال طرفة:
أو أنا مفتدي
وقول يونس أسهل، وأمّا الخليل فجعله بمنزلة قول زهير:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائياً
والإشراك على هذا التوهّم بعيد كبعد ولا سابق شيئاً. ألا ترى أنّه لو كان هذا كهذا لكان في الفاء والواو. وإنّما توهّم هذا فيما خالف معناه التمثيل. يعني مثل هو يأتينا ويحدّثنا. يقول: يدخل عليك نصب هذا على توهّم أنّك تكلّمت بالاسم قبله، يعني مثل قولك: لا تأته فيشتمك؛ فتمثيله على لا يكن منك إتيان فشتيمة، والمعنى على غير ذلك.
باب اشتراك الفعل في أن
وانقطاع الآخر من الأوّل الذي عمل فيه أن
فالحروف التي تشرك: الواو، والفاء، وثمّ، وأو. وذلك قولك: أريد أن تأتيني ثم تحدّثني، وأريد أن تفعل ذاك وتحسن، وأريد أن تأتينا فتبايعنا، وأريد أن تنطق بجميل أو تسكت. ولو قلت: أريد أن تأتيني ثم تحدّثني جاز، كأنك قلت: أريد إتيانك ثم تحدّثني.
ويجوز الرفع في جميع هذه الحروف التي تشرك على هذا المثال. وقال عزّ وجلّ: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثمّ يقول للنّاس كونوا عباداً لي من دون الله " ، ثم قال سبحانه: " ولا يأمركم " ، فجاءت منقطعة من الأوّل، لأنّه أراد: ولا يأمركم الله. وقد نصبها بعضهم على قوله: وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا.
وتقول: أريد أن تأتيني فتشتمني، لم يرد الشّتيمة، ولكنّه قال: كلّما أردت إتيانك شتمتني. هذا معنى كلامه، فمن ثمّ نقطع من أن. قال رؤبة:
يريد أن يعربه فيعجمه
أي فإذا هو يعجمه.


وقال الله عزّ وجلّ: " لنبيّن لكم ونقرّ في الأرحام " ، أي ونحن نقرّ في الأرحام؛ لأنّه ذكر الحديث للبيان ولم يذكره للإقرار. وقال عزّ وجلّ: " أن تضلّ إحداهما الأخرى فتذكر إحدهما الأخرى " ، فانتصب لأنّه أمر بالإشهاد لأن تذكّر إحداهما الأخرى ومن أجل أن تذكّر.
فإن قال إنسان: كيف جاز أن تقول: أن تضلّ ولم يعدّ هذا للضلال وللالتباس؟ فإنما ذكر أن تضلّ لأنه سبب الأذكار، كما يقول الرجل: أعددته أن يميل الحائط فأدعمه، وهو لا يطلب بإعداد ذلك ميلان الحائط، ولكنّه أخبر بعلّة الدّعم وبسببه.
وقرأ أهل الكوفة: " فتذكّر " رفعاً.
وسألت الخليل عن قول الشاعر، لبعض الحجازييّن:
فما هو إلاّ أن أراها فجاءة ... فأبهت حتّى ما أكاد أجيب
فقال: أنت في أبهت بالخيار، إن شئت حملتها على أن، وإن شئت لم تحملها عليه فرفعت، كأنّك قلت: ما هو إلاّ الرأي فأبهت.
وقال ابن أحمر فيما جاء منقطعاً من أن:
يعالج عاقراً أعيت عليه ... ليلقحها فينتجها حوارا
كأنه قال: يعالج فإذا هو ينتجها. وإن شئت على الابتداء.
وتقول: لا يعدو أن يأتيك فيصنع ما تريد، وإن شئت رفعت، كأنّك قلت لا يعدو ذلك فيصنع ما تريد.
وتقول: ما عدا أن رآني فيثب، كأنّه قال ما عدا ذلك فيثب، لأنه ليس على أوّل الكلام. فإن أردت أن تحمل الكلام على أن فإنّ أحسنه ووجهه أن تقول: ما عدا أن رآني فوثب، فضعف يثب هاهنا كضعف ما أتيتني فتحدّثني، إذا حملت الكلام على ما.
ونقول: ما عدوت أن فعلت، وهذا هو الكلام، ولا أعدوا أن أفعل، وما آلو أن أفعل، يعني لقد جهدت أن أفعل.
وتقول: ما عدوت أن آتيك، أي ما عدوت أن يكون هذا من رأي فيما أستقبل. ويجوز أن يجعل أفعل في موضع فعلت، ولا يجوز فعلت في موضع أفعل إلاّ في مجازاة، نحو: إن فعلت فعلت.
وتقول: والله ما أعدو أن جالستك، أي أن كنت فعلت ذلك، أي ما أجاوز مجالستك فيما مضى. ولو أراد ما أعدو أن جالستك غداً كان محالاً ونقضاً، كما أنه لو قال: ما أعدو أن أجالسك أمس كان محالا.
وإنّما ذكرت هذا لتصرّف وجوهه ومعانيه، وأن لا تستحيل منه مستقيماً، فإنّه كلام يستعمله الناس.
ومما جاء منقطعاً قول الشاعر، وهو عبد الرحمن بن أمّ الحكم:
على الحكم المأتيّ يوماً إذا قضى ... قضيّته أن لا يجوز ويقصد
كأنّه قال: عليه غير الجور، ولكنّه يقصد أو هو قاصد، فابتدأ ولم يحمل الكلام على أن، كما تقول: عليه أن لا يجور، وينبغي له كذا وكذا، فالابتداء في هذا أسبق وأعرف؛ لأنّها بمنزلة قولك، كأنّه قال: ونولك. فمن ثمّ لا يكادون يحملونها على أن.
هذا باب الجزاء
فما يجازى به من الأسماء غير الظروف: من، وما، وأيهم. وما يجازى به من الظروف: أيّ حين، ومتى، وأين، وأنّى، وحيثما. ومن غيرهما: إن، وإذ ما.
ولا يكون الجزاء في حيث ولا في إذ حتّى يضمّ إلى كلّ واحد منهما ما فتصير إذ مع ما بمنزلة إنّما وكأنّما، وليست ما فيهما بلغو، ولكنّ كلّ واحد منهما مع ما بمنزلة حرف واحد.
فممّا كان من الجزاء بإذما قول العبّاس بن مرداس:
إذ ما أتيت على الرسول فقل له ... حقاًّ عليك إذا اطمأنّ المجلس
وقال الآخر، قالوا: هو لعبد الله بن همّام السّلوليّ:
إذ ما تريني اليوم مزجى ظعينتي ... أصعّد سيراً في البلاد وأفرع
فإنّي من قوم سواكم وإنّما ... رجالي فهم بالحجاز وأشجع
سمعناهما ممن يرويهما عن العرب. والمعنى إمّا.
وممّا جاء من الجزاء بأنّي قول لبيد:
فأصبحت أنّي تأتها تلتبس بها ... كلا مر كبيها تحت رجلك شاجر
وفي أين قوله، وهو ابن همّام السّلوليّ:
أين تضرب بنا العداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتّلاقي
وإنّما منع حيث أن يجازى بها أنّك تقول: حيث تكون أكون، فتكون وصل لها، كأنّك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون.


ويبيّن هذا أنّها في الخبر بمنزلة إنّما وكأنّما وإذا، أنّه يبتدأ بعدها الأسماء، أنك تقول: حيث عبد الله قائم زيد، وأكون حيث زيد قائم. فحيث كهذه الحروف التي تبتدأ بعدها الأسماء في الخبر، ولا يكون هذا من حروف الجزاء. فإذا ضممت إليها ما صارت بمنزلة إن وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أن تجئ بما، وصارت بمنزلة إمّا.
وأمّا قول النحويّين: يجازى بكلّ شئ يستفهم به، فلا يستقيم، من قبل أنك تجازى بإن وبحيثما وإذ ما ولا يستقيم بهن الاستفهام، ولكنّ القول فيه كالقول في الاستفهام. ألا ترى أنك إذا استفهمت لم تجعل ما بعده صلة. فالوجه أن تقول: الفعل ليس في الجزاء بصلة لما قبله كما أنّه في حروف الاستفهام ليس صلة لما قبله، وإذا قلت: حيثما تكن أكن، فليس بصلة لما قبله، كما أنّك إذا قلت أين تكون وأنت تستفهم فليس الفعل بصلة لما قبله، فهذا في الجزاء ليس بصلة لما قبله، كما أنّ ذلك في الاستفهام ليس بوصل لما قبله. وتقول: من يضربك في الاستفهام، وفي الجزاء: من يضربك أضربه، فالفعل فيهما غير صلة.
وسألت الخليل عن مهما فقال: هي ما أدخلت معها ما لغواً، بمنزلتها مع متى إذا قلت متى ما تأتني آتك، وبمنزلتها مع إن إذا قلت إن ما تأتني آتك، وبمنزلتها مع أين كما قال سبحانه وتعالى: " أينما تكونوا يدرككم الموت " وبمنزلتها مع أيّ إذا قلت: " أيّاما تدعوا فله الأسماء الحسنى " ، ولكنهم استقبحوا أن يكرّروا لفظاً واحداً فيقولوا: ماما، فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى. وقد يجوز أن يكون مه كإذ ضمّ إليها ما.
وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع.فقال: هي مستكرهة وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأنّ معناها على أيّ حال تكن أكن.
وسألته عن إذا، ما منعهم أن يجازوا بها؟ فقال: الفعل في إذا بمنزلته في إذ، إذا قلت: أتذكر إذ تقول، فإذا فيما تستقبل بمنزلة إذ فيما مضى. ويبيّن هذا أنّ إذا تجئ وقتاً معلوماً؛ ألا ترى أنّك لو قلت: آتيك إذا احمرّ البسر كان حسناً، ولو قلت: آتيك إن احمرّ البسر، كان قبيحاً. فإن أبداً مبهمة، وكذلك حروف الجزاء. وإذا توصل بالفعل، فالفعل في إذا بمنزلته في حين كأنك قلت: الحين الذي تأتيني فيه آتيك فيه. وقال ذو الرمّة:
تصغي إذا شدّها بالرّحل جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب.
وقال الآخر، ويقال وضعه النحويّون:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثّريد
وقد جازوا بها في الشّعر مضطرّين، شبهوها بإن، حيث رأوها لما يستقبل، وأنها لا بدّلها من جواب.
وقال قيس بن الخطيم الأنصاريّ:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وقال الفرزدق:
ترفع لي خندف والله يرفع لي ... ناراً إذا خمدت نيرانهم تقد
وقال بعض السّلوليّين:
إذا لم تزل في كلّ دار عرفتها ... لها واكف من دمع عينك يسجم
فهذا اضطرار، وهو في الكلام خطأ، ولكنّ الجيّد قول كعب بن زهير:
وإذا ما تشاء تبعث منها ... مغرب الشمس ناشطاً مذعوراً
واعلم أنّ حروف الجزاء تجزم الأفعال وينجزم الجواب بما قبله.
وزعم الخليل أنّك إذا قلت: إن تأتني آتك، فآتك انجزمت بإن تأتني، كما تنجزم إذا كانت جواباً للأمر حين قلت: ائتني آتك.
وزعم الخليل أن إن هي أمّ حروف الجزاء، فسألته: لم قلت ذلك؟ فقال: من قبل أنّي أرى حروف الجزاء قد يتصرّفن فيكنّ استفهاما ومنها ما يفارقه ما فلا يكون فيه الجزاء، وهذه على حال واحدة أبداً لا تفارق المجازاة.
واعلم أنّه لا يكون جواب الجزاء إلا بفعل أو بالفاء فأمّا الجواب بالفعل فنحو قولك: إن تأتني آتك، وإن تضرب أضرب، ونحو ذلك.
وأمّا الجواب بالفاء فقولك: إن تأتني فأنا صاحبك. ولا يكون الجواب في هذا الموضع بالواو ولا بثمّ. ألا ترى أنّ الرجل يقول افعل كذا وكذا فتقول: فإذن يكون كذا وكذا. ويقول: لم أغث أمس، فتقول: فقد أتاك الغوث اليوم. ولو أدخلت الواو وثمّ في هذا الموضع تريد الجواب لم يجز.


وسألت الخليل عن قوله جلّ وعزّ: " وإن تصبهم سيئة بما قدّمت أيديهم إذا هم يقنطون " فقال: هذا كلام معلّق بالكلام الأوّل كما كانت الفاء معلقة بالكلام الأول وهذا ها هنا في موضع قنطلوا كما كان الجواب بالفاء في موضع الفعل. قال: ونظير ذلك قوله: " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " بمنزلة أم صمتّم. ومما يجعلها بمنزلة الفاء أنّها لا تجئ مبتدأة كما أنّ الفاء لا تجئ مبتدأة.
وزعم الخليل أنّ إدخال الفاء على إذا قبيح، ولو كان إدخال الفاء على إذا حسناً لكان الكلام بغير الفاء قبيحاً؛ فهذا قد استغنى عن الفاء كما استغنت الفاء عن غيرها، فصارت إذا هاهنا جواباً كما صارت الفاء جواباً.
وسألته عن قوله: إن تأتني أنا كريم، فقال: لا يكون هذا إلاّ أن يضطرّ شاعر، من قبل أنّ أنا كريم يكون كلا ما مبتدأ، والفاء وإذا لا يكونان إلاّ معلّقتين بما قبلهما فكرهوا أن يكون هذا جواباً حيث لم يشبه الفاء. وقد قاله الشاعر مضطراً، يشبهه بما يتكلّم به من الفعل. قال حسّان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشرّ بالشرّ عند الله مثلان
وقال الأسديّ:
بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم
وزعم أنّه لا يحسن في الكلام إن تأتني لأفعلنّ، من قبل أنّ لأفعلنّ تجئ مبتدأة. ألا ترى أنّ الرجل يقول لأفعلنّ كذا وكذا. فلو قلت: إن أتيتني لأكرمنّك، وإن لم تأتني لأغمّنّك، جاز لأنّه في معنى لئن أتيتني لأكرمنّك ولئن لم تأتني لأغمّنّك، ولا بدّ من هذه اللام مضمرة أو مظهرة لأنها لليمين، كأنك قلت: والله لئن أتيتني لأكرمنّك.
فإن قلت: لئن تفعل لأفعلنّ قبح، لأنّ لأفعلنّ على أوّل الكلام، وقبح في الكلام أن تعمل إن أو شئ من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمه في اللفظ ثم لا يكون لها جواب ينجزم بما قبله. ألا ترى أنّك تقول: آتيك إن أتيتني، ولا تقول آتيك إن تأتني، إلاّ في شعر، لأنك أخّرت إن وما عملت فيه ولم تجعل لإن جوابا ينجزم بما قبله.
فهكذا جرى هذا في كلامهم. ألا ترى أنه قال عزّ وجلّ: " وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين " وقال عزّ وجلّ: " وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين " لمّا كانت إن العاملة لم يحسن إلاّ أن يكون لها جواب ينجزم بما قبله. فهذا الذي يشاكلها في كلامهم إذا عملت.
وقد تقول: إن أتيتني آتيك، أي آتيك إن أتيتني. قال زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
ولا يحسن إن تأتني آتيك، من قبل أنّ إن هي العاملة. وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجليّ:
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنّك إن يصرع أخوك تصرع
أي أنّك تصرع إن يصرع أخوك. ومثل ذلك قوله:
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب
أي والمرء ذئب إن يلق الرّشا. قال الأصمعيّ: هو قديم، أنشدينه أبو عمرو. وقال ذو الرمّة:
وأنّي متى أشرف على الجانب الذي ... به أنت من بين الجوانب ناظر
أي ناظر متى أشرف. فجاز هذا في الشعر، وشبّهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزماً؛ لأنّ المعنى واحد، كما شبّه الله يشكرها وظالم بإذا هم يقنطون، جعله بمنزلة يظلم ويشكرها الله، كما كان هذا بمنزلة قنطوا، وكما قالوا في اضطرار: إن تأتني أنا صاحبك، يريد معنى الفاء، فشبّهه ببعض ما يجوز في الكلام حذفه وأنت تعنيه.
وقد يقال: إن أتيتني آتك وإن لم تأتني أجزك، لأنّ هذا في موضع الفعل المجزوم، وكأنه قال: إن تفعل أفعل.
ومثل ذلك قوله عزّ وجلّ: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها " ، فكان فعل. وقال الفرزدق:
دسّت رسولاً بأنّ القوم إن قدروا ... عليك يشفوا صدوراً ذات توغير
وقال الأسود بن يعفر:
ألا هل لهذا الدّهر من متعلّل ... عن النّاس مهما شاء بالناس يفعل
وقال: إن تأتني فأكرمك، أي فأنا أكرمك، فلا بدّ من رفع فأكرمك إذا سكتّ عليه، لأنّه جواب، وإنّما ارتفع لأنه مبنيّ على مبتدإ.
ومثل ذلك قوله عزّ وجلّ " ومن عاد فينتقم الله منه " ومثله: " ومن كفر فأمتعه قليلاً " ومثله: " فمن يؤمن بربّه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً " .


باب الأسماء التي يجازي بها
وتكون بمنزلة الّذي
وتلك الأسماء: من، وما،وأيّهم. فإذا جعلتها بمنزلة الّذي، قلت: ما تقول أقول، فيصير تقول صلة لما حتّى تكمل اسماً، فكأنّك قلت: الذي تقول أقول. وكذلك: من يأتني آتيه وأيّها تشاء أعطيك. وقال الفرزدق:
ومن يميل أمال السّيف ذروته ... حيث التقى من حفا في رأسه الشّعر
وتقول: آتي من يأتيني، وأقول ما تقول، وأعطيك أيّها تشاء. هذا وجه الكلام وأحسنه، وذلك أنه قبيح أن تؤخّر حرف الجزاء إذا جزم ما بعده فلّما قبح ذلك حملوه على الذّي، ولو جزموه هاهنا لحسن أن تقول: آتيك إن تأتني. فإذا قلت: آتي من أتاني، فأنت بالخيار، إن شئت كانت أتاني صلة وإن شئت كانت بمنزلتها في إن.
وقد يجوز في الشعر: آتي من يأتني، وقال الهذليّ:
فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها ... مطبّعة من يأتها لا يضيرها
هكذا أنشدناه يونس، كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، كما كان: وإنّي متى أشرف ناظر، على القلب، ولو أريد به حذف الفاء جاز فجعلت كإن. وإن قلت: أقول مهما تقل، وأكون حيثما تكن، وأكون أين تكن، وآتيك متى تأتني، وتلتبس بها أنّى تأتها، لم يجز إلاّ في الشعر، وكان جزماً. وإنما كان من قبل أنّهم لم يجعلوا هذه الحروف بمنزلة ما يكون محتاجاً إلى الصلة حتّى يكمل اسماً. ألا ترى أنه لا تقول مهما تصنع قبيح، ولا في الكتاب مهما تقول، إذا أراد أن يجعل القول وصلاً. فهذه الحروف بمنزلة إن لا يكون الفعل صلة لها. فعلى هذا فأجر ذا الباب.
باب ما تكون فيه الأسماء التي يجازى بها
بمنزلة الّذي
وذلك قولك: إنّ من يأتيني آتيه، وكان من يأتيني آتيه، وليس من يأتيني آتيه.
وإنّما أذهبت الجزاء من هاهنا لأنّك أعملت كان وإنّ، ولم يسغ لك أن تدع كان وأشباهه معلّقة لا تعملها في شئ فلّما أعملتهنّ ذهب الجزاء ولم يكن من مواضعه. ألا ترى أنك لو جئت بإن ومتى، تريد إنّ إن وإنّ متى، كان محالاً. فهذا دليل على أنّ الجزاء لا ينبغي له أن يكون هاهنا بمن وما وأيّ. فإن شغلت هذه الحروف بشيء جازيت.
فمن ذلك قولك: إنّه من يأتنا نأته، وقال جلّ وعزّ: " إنّه من يأت ربّه مجرماً فإنّ له جهنّم لا يموت فيها ولا يحيا " ، وكنت من يأتني آته. وتقول: كان من يأته يعطه، وليس من يأته يحببه، إذا أضمرت الاسم في كان أو في ليس، لأنّه حينئذ بمنزلة لست وكنت. فإن لم تضمر فالكلام على ما وصفنا.
وقد جاء في الشعر إنّ من يأتني آته. قال الأعشى:
إنّ من لام في بني بنت حسّا ... ن ألمه وأعصه في الخطوب
وقال أميّة بن أبي الصّلت:
ولكنّ من لا يلق أمراً ينوبه ... بعدّته ينزل به وهو أعزل
فزعم الخليل أنّه إنما جازى حيث أضمر الهاء، وأراد إنّه ولكنّه، كما قال الراعي:
فلو أنّ حقّ اليوم منكم إقامة ... وإن كان سرح قد مضى فتسرّعا
أراد: فلو أنّه حقّ اليوم. ولو لم يرد الهاء كان الكلام محالا.
وتقول: قد علمت أن من يأتني آته، من قبل أنّ أنّ هاهنا فيها إضمار الهاء، ولا تجئ مخفّفة هاهنا إلاّ على ذلك، كما قال، وهو عديّ بن زيد:
أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص
ولا يجوز أن تنوي في كان وأشباه كان علامة إضمار المخاطب ولا تذكرها. لو قلت: ليس من يأتك تعطه، تريد لست، لم يجز. ولو جاز ذلك لقلت كان من يأتك تعطه، تريد به كنت. وقال الشاعر، الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
فهذا يريد معنى الهاء.
ولا تخفّف أن إلاّ عليه، كما قال: قد علمت أن لا يقول ذاك، أي أنّه لا يقول. وقال عزّ وجلّ: " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً " . وليس هذا بقويّ في الكلام كقوّة أن لا يقول، لأنّ لا عوض من ذهاب العلامة. ألا ترى أنّهم لا يكادون يتكلّمون به بغد الهاء، فيقولون: قد علمت أن عبد الله منطلق.
باب يذهب فيه الجزاء من الأسماء
كما ذهب في إنّ وكان وأشباههما.


غير أنّ إنّ وكان عوامل فيما بعدهنّ، والحروف في هذا الباب لا يحدثن فيما بعدهنّ من الأسماء شيئاً كما أحدثت إنّ وكان وأشباههما، لأنّها من الحروف التي تدخل على المبتدإ والمبنيّ عليه فلا تغيّر الكلام عن حاله، وسأبيّن لك كيف ذهب الجزاء فيهن إن شاء الله.
فمن ذلك قولك: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه، وما من يأتينا نأتيه، وأمّا من يأتينا فنحن نأتيه.
وإنّما كرهوا الجزاء هاهنا لأنه ليس من مواضعه. ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك، كما لم يجز أن تقول: إنّ إن تأتنا نأتك، فلمّا ضارع هذا الباب باب إنّ وكان كرهوا الجزاء فيه.
وقد يجوز في الشعر أن يجازى بعد هذه الحروف، فتقول: أتذكر إذ من يأتنا نأته. فإنما أجازوه لأن إذ وهذه الحروف لا تغيّر ما دخلت عليه عن حاله قبل أن تجئ بها، فقالوا: ندخلها على من يأتنا نأته ولا تغيّر الكلام، كأنّا قلنا من يأتنا نأته، كما أنّا إذا قلنا إذ عبد الله منطلق فكأنّا قلنا: عبد الله منطلق؛ لأنّ إذ لم تحدث شيئاً لم يكن قبل أن تذكرها. وقال لبيد:
على حين من تلبث عليه ذنوبه ... يرث شربه إذ في المقام تدابر
ولو اضطرّ شاعر فقال: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك، جاز له كما جاز في من.
وتقول: أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته، فنحن فصلت بين إذ ومن، كما فصل الاسم في كان بين كان ومن. وتقول: مررت به فإذا من يأتيه يعطيه. وإن شئت جزمت لأنّ الإضمار يحسن هاهنا. ألا ترى أنك تقول: مررت به فإذا أجمل الناس، ومررت به فإذا أيّما رجل. فإذا أردت الإضمار فكأنك قلت: فإذا هو من يأته يعطه. فإذا لم تضمر وجعلت إذا هي لمن، فهي بمنزلة إذ لا يجوز فيها الجزم.
وتقول: لا من يأتك تعطه، ولا من يعطك تأته، من قبل أنّ لا ليست كإذ وأشباهها، وذلك لأنّها لغو بمنزلة ما في قوله عزّ وجلّ: " فبما رحمة من الله لنت لهم " ، فما بعده كشيء ليس قبله لا. ألا تراها تدخل على المجرور فلا تغيّره عن حاله، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد. وتدخل على النصب فلا تغيّره عن حاله، تقول: لا مرحباً ولا أهلاً، فلا تغيّر الشيء عن حاله التي كان عليها قبل أن تنفيه، ولا تنفيه مغيّراً عن حاله، يعني في الإعراب التي كان عليها، فصار ما بعدها معها بمنزلة حرف واحد ليست فيه لا، وإذ وأشباهها لا يقعن هذه المواقع ولا يكون الكلام بعدهن إلاّ مبتدأ. وقال ابن مقبل:
وقدر ككفّ القرد لا مستعيرها ... يعار ولا من يأتها يتدسّم
ووقوع إن بعد لا يقوّي الجزاء فيما بعد لا. وذلك قول الرجل: لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن قعدنا عندك عرضت علينا؛ ولا لغو في كلامهم. ألا ترى أنك تقول: خفت أن لا تقول ذاك وتجري مجرى خفت أن تقول.
وتقول: إن لا يقل أقل، فلا لغو، وإذ وأشباهها ليست هكذا، إنّما يصرفن الكلام أبداً إلى الابتداء.
وتقول: ما أنا ببخيل ولكن إن تأتني أعطك، جاز هذا وحسن لأنّك قد تضمرها هنا كما تضمر في إذا. ألا ترى أنك تقول: ما رأيتك عاقلاً ولكن أحمق. وإن لم تضمر تركت الجزاء كما فعلت ذلك في إذا. قال طرفة:
ولست بحلاّل التلاّع مخافةً ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
كأنه قال: أنا. ولا يجوز في متى أن يكون الفعل وصلاً لها كما جاز في من والّذي. وسمعناهم ينشدون قول العجير السّلوليّ:
وما ذاك أن كان ابن عميّ ولا أخي ... ولكن متى ما أملك الضرّ أنفع
والقوافي مرفوعة كأنه قال: ولكن أنفع متى ما أملك الضرّ، ويكون أملك على متى في موضع جزاء، وما لغو، ولم يجد سبيلاً إلى أن يكون بمنزلة من فتوصل، ولكنها كمهما.
وأمّا قوله عزّ وجلّ: " وأمّا إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين " فإنّما هو كقولك: أمّا غداً فلك ذاك. وحسنت إن كان لأنه لم يجزم بها، كما حسنت في قوله: أنت ظالم إن فعلت.
باب إذا ألزمت فيه الأسماء التي تجازى بها
حروف الجرّ لم تغيّرها عن الجزاء
وذلك قولك: على أيّ دابّة أحمل أركبه، وبمن تؤخذ أو خذ به.
هذا قول يونس والخليل جميعاً.
فحروف الجرّ لم تغيّرها عن حال الجزاء، كما لم تغيّرها عن حال الاستفهام. ألا ترى أنّك تقول: بمن تمرّ، وعلى أيّها أركب؟ فلو غيّرتها عن الجزاء غيّرتها عن الاستفهام. وقال ابن همّام السّلوليّ:


لّما تمكّن دنياهم أطاعهم ... في أيّ نحو يميلوا دينه يمل
وذاك لأنّ الفعل إنّما يصل إلى الاسم بالباء ونحوها، فالفعل مع الباء بمنزلة فعل ليس قبله حرف جرّ ولا بعده، فصار الفعل الذي يصل بإضافة كالفعل الذي لا يصل بإضافة؛ لأنّ الفعل يصل بالجرّ إلى الاسم كما يصل غيره ناصباً أو رافعاً. فالجرّ هاهنا نظير النصب والرفع في غيره.
فإن قلت: بمن تمرّ به أمرّ، وعلى أيّهم تنزل عليه أنزل، وبما تأتيني به آتيك، رفعت لأنّ الفعل إنّما أوصلته إلى الهاء بالباء الثانية والباء الأولى للفعل الآخر، فتغيّر عن حال الجزاء كما تغيّر عن حال الاستفهام، فصارت بمنزلة الّذي؛ لأنّك أدخلت الباء للفعل حين أوصلت الفعل الذي يلي الاسم بالباء الثانية إلى الهاء، فصارت الأولى ككان وإنّ - يقول: لا يجازى بما بعدها - وعملت الباء فيما بعدها عمل كان وإنّ فيما بعدهما.
وقد يجوز أن تقول: بمن تمرر أمره، وعلى من تنزل أنزل، إذا أردت معنى عليه وبه؛ وليس بحدّ الكلام، وفيه ضعف. ومثل ذلك قول الشاعر، وهو بعض الأعراب:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوماً على من يتكل
يريد: يتكل عليه، ولكنه حذف. وهذا قول الخليل.
وتقول: غلام من تضرب أضربه؛ لأنَّ ما يضاف إلى من بمنزلة من. ألا ترى أنك تقول: أبوأيهم رأيته، كما تقول: أيهم رأيته. وتقول: بغلام من تؤخذ أو خذ به، كأنك قلت: بمن تؤخذ أؤخذ به.
وحسن الاستفهام ها هنا يقوِّي الجزاء، تقول: غلام من تضرب، وبغلام من مررت. ألا ترى أنّ كينونة الفعل غير وصل ثابتة.
وتقول: بمن تمرر أمرر به، وبمن تؤخذ أوخذ به. فحدُّ الكلام أن تثبت الباء في الآخر لأنه فعل لا يصل إلا بحرف الإضافة. يدلّك على ذلك أنك لو قلت: من تضرب أنزل لم يجز حتى تقول عليه، إلا في شعر.
فإن قلت: بمن تمرر أمرر أو بمن تؤخذ أوخذ، فهو أمثل وليس بحد الكلام. وإنما كان في هذا أمثل لأنه قد ذكر الباء في الفعل الأول، فعلم أنّ الآخر مثله لأنه ذلك الفعل.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟باب الجزاء إذا أدخلت فيه ألف الاستفهام
وذلك قولك: أإن تأتني آتك. ولا تكتفي بمن لأنها حرف جزاء، ومتى مثلها؛ فمن ثمًّ أدخل عليه الألف، تقول: أمتى تشتمني أشتمك وأمن يفعل ذاك أزره؛ وذلك لأنك أدخلت الألف على كلام قد عملَ بعضه في بعض فلم يغيَّره، وإنما الألف بمنزلة الواو والفاء ولا ونحو ذلك، لا تغيَّر الكلام عن حاله، وليست كإذ وهل وأشباههما. ألا ترى أنها تدخل على المجرور والمنصوب والمرفوع فتدعه على حاله ولا تغيّره عن لفظ المستفهم. ألا ترى أنه يقول : مررت بزيدٍ فتقول: أزيد إن شئت قلت أزيدنيه، وكذلك تقول في النصب والرفع؛ وإن شئت أدخلتها على كلام المخبر ولم تحذف منه شيئاً، وذلك إذا قال: مررت بزيدٍ قلت: أمررت بزيد. ولا يجوز ذلك في هل وأخواتها.
ولو قلت: هل مررت بزيدٍ كنت مستأنفاً. ألا ترى أنَّ الألف لغو. فإن قيل: فإن الألف لا بدَّ لها من أن تكون معتمدة على شيء فإنَّ هذا الكلام معتمد لها، كما تكون صلةً للذي إذا قلت: الذي إن تأته يأتك زيد. فهذا كلُّه وصلٌ.
فإن قال: الذي إن تأته يأتيك زيدٌ، وأجعل يأيتكَ صلةَ الَّذي لم يجد بدَّاً من أن يقول: أنا إن تأتني آتيك؛ لأنَّ أنا لا يكون كلاماً حتى يبنى عليه وأمَّا يونس فيقول: أإن تأتني آتيك. وهذا قبيح يكره في الجزاء وإن كان في الاستفهام. وقال عزَّ وجلَّ: " أفإن متَّ فهم الخالدون. " ولو كان ليس موضعَ جزاء قبح فيه إن، كما يقبح أن، تقول: أتذكر إذ إن تأتني آتيك. فلو قلت: إن أتيتني آتيك على القلب كان حسناً.
؟باب الجزاء إذا كان القسم في أوَّله
وذلك قولك: والَّله إن أتيتني لا أفعل، لا يكون إلا معتمدةً عليه اليمين. ألا ترى أنَّك لو قلت: والله إن تأتني آتك لم يجز ولو قلت والَّله من يأتني آته كان محالاً، واليمين لا تكون لغواً كلا والألف؛ لأن اليمين لآخر الكلام وما بينهما لا يمنع الآخر أن يكون على اليمين وإذا قلت آإن تأتني آتك فكأنك لم تذكر الألف واليمين ليست هكذا في كلامهم. ألا ترى أنك تقول: زيدٌ منطلقٌ، فلو أدخلت اليمن غيَّرت الكلام.


وتقول: أنا والَّله إن تأتني لا آتك؛ لأن هذا الكلام مبني على أنا ألا ترى أنه حسن أن تقول: أتا والله إن تأتني آتك فالقسم ها هنا لغوٌ.فإذا بدأت بالقسم لم يجز إلا أن يكون عليه. ألا ترى أنك تقول: لئن أتيتني لا أفعل ذاك، لأنها لام قسمٍ. ولا يحسن في الكلام لئن تأتني لا أفعل؛ لأنَّ الآخر لا يكون جزماً.
وتقول: والَّله إن أتيتني آتيك، وهو معنى لا آتيك، وهو معنى لا آتيك. فإن أردت أن الإتيان يكون فهو غير جائز، وإن نفيت الإتيان وأردت معنى لا آتيك فهو مستقيم. وأمَّا قول الفرزدق:
وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي ... بها أن يضلَّ الناس يهدى ضلالها
فلا يكون الآخر إلا رفعاً، لأنَّ أن لا يجازى بها وإنما هي مع الفعل اسم فكأنه قال: لأن يضلَّ الناس يهدى. وهكذا أنشده الفرزدق.
باب ما يرتفع بين الجزمين وينجزم بينهما
فأمَّا ما يرتفع بينهما فقولك: إن تأتني تسألني أعطك، وإن تأتني تمش أمش معك. وذلك لأنك أردت أن تقول إن تأتني سائلاً يكن ذلك، وإن تأتني ماشياً فعلت. وقال زهير:
ومن لا يزل يستحمل النَّاس نفسه ... ولا يغنها يوماً من الدهر يسأم
إنما أراد: من لا يزل مستحملاً يكن من أمره ذاك. ولو رفع يغنها جاز وكان حسناً، كأنَّه قال: من لا يزل لا يغنى نفسه.
ومما جاء أيضاً مرتفعاً قول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نارٍ عندها خير موقد
وسألت الخليل عن قوله:
متى تأتنا بلمم بنا في ديارنا ... تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا
قال: تلمم بدل من الفعل الأول. ونظيره في الأسماء: مررت برجلٍ عبد الَّله، فأراد أن يفسر الإتيان بالإلمام كما فسَّر الاسم الأوَّل بالاسم الآخر.
ومثل ذلك أيضاً قوله، أنشدنيهما الأصمعيّ عن أبي عمرو لبعض بني أسد:
إن يبخلوا أو يجبنوا ... أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجَّلين كأنهم لم يفعلو
فقوله يغدوا: بدل من لا يحفلوا،وغدوهم مرجَّلين يفسِّر أنَّهم لم يحفلوا.
وسألته: هل يكون إن تأتنا تسألنا نعطك؟ فقال : هذا يجوز على غير أن يكون مثل الأول، لأنَّ الأوّل الفعل الآخر تفسير له، وهو هو، والسُّوال لا يكون الإتيان، ولكنَّه يجوز على الغلط والنَّسيان ثم يتدارك كلامه.
ونظير ذلك في الأسماء: مررت برجلٍ حمارٍ، كأنه نسي ثم تدارك كلامه.
وسألته عن قوله جلَّ وعزَّ: " ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة " فقال: هذا كالأوّل؛ لأن مضاعفة العذاب هو لقيٌّ الآثام.
ومثل ذلك من الكلام: إن تأتنا بحسن إليك نعطك ونحميك، تفسر الإحسان بشيء هو هو، وتجعل الآخر بدلاً من الأول.
فإن قلت: إن تأتني آتك أقل ذاك، كان غير جائز؛ لأنَّ القول ليس بالإتيان إلا أن تجيزه على ما جاز عليه تسألنا وأمَّا ما ينجزم بين المجزومين فقولك: إن تأتني ثمَّ تسألني أعطك، وإن تأتني فتسألني أعطك، وإن تأتنيي وتسألني أعطك. وذلك لأنَّ هذه الحروف يشركن الآخر فيما دخل فيه الأول. وكذلك أو وما أشبههنَّ.
ولا يجوز في ذا الفعل الرفع. وإنَّما كان الرفع في قوله متى تأته تعشو، لأنَّه في موضع عاش، كأنه قال: متى تأته عاشياً. ولو قلت متى تأته وعاشياً كان محالاً. فإنَّما أمرهن أن يشركن بين الأوّل والآخر.
وسألت الخليل عن قوله: إن تأتني فتحدثني أحدثك، وإن تأتني وتحدثني أحدِّثك، فقال: هذا يجوز، والجزم الوجه.
ووجه نصبه على أنه حمل الآخر على الاسم، كأنه أراد إن يكن إتيان فحديث أحدِّثك ،فلمَّا قبح أن يرد الفعل على الاسم نوى أن، لأن الفعل معها اسم.
وإنما كان الجزم الوجه لأنه إذا نصب كان المعنى معنى الجزم فيما أراد من الحديث، فلمّا كان ذلك كان أن يحمل على الذي عمل فيما يليه أولى؛ وكرهوا أن يتخطَّوا به من بابه إلى آخر إذا كان يريد شيئاً واحداً.
وسألته عن قول ابن زهير:
ومن لا يقدِّم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
فقال: النصب في هذا جيِّد، لأنه أرادها هنا من المعنى ما أراد في قوله: لا تأتينا إلا لم تحدِّثنا، فكأنه قال: من لا يقدَّم إلا لم يثبت زلق.


ولا يكون أبداً إذا قلت: إن تأتني فأحدثك الفعل الآخر الا رفعا، وإنَّما منعه أن يكون مثل ما انتصب بين المجزومين أنّ هذا منقطع من الأوّل؛ شريك له وإذا قلت إن يكن إتيان فحديثٌ أحدثك، فالحديث متصل بالأول؛ ألا ترى أنَّك إذا قلت: إن يكن إتيانٌ فحديث ثمّ سكتَّ وجعلته جواباً لم يشرك الأول، وكان مرتفعاً بالابتداء.
وتقول: إن تأتني لآتك فأُحدثك. هذا الوجه، وإن شئت ابتدأتَ. وكذلك الواو وثمَّ، وإن شئت نصبت بالواو والفاء كما نصبت ما كان بين المجزومين.
واعلم أنّ ثمَّ لا ينصب بها كما ينصب بالواو والفاء، ولم يجعلوها مما يضمر بعده أن، وليس يدخلها من المعاني ما يدخل في الفاء،وليس معناها معنى الواو، ولكنها تشرك ويبتدأ بها.
واعلم أنّ ثمَّ إذا أدخلته على الفعل الذي بين المجزومين لم يكن إلَّا جزماً، لأَّنه ليس مما ينصب. وليس يحسن الابتداء لأنَّ ما قبله لم ينقطع. وكذلك الفاء والواو وأو إذا لم ترد بهن النصب، فإذا انقضى الكلام ثم جئت بثمَّ، فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت. وكذلك الواو والفاء. قال الَّله تعالى: " وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمَّ لا ينصرون " وقال تبارك وتعالى: " وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثمَّ لا يكونوا أمثالكم " إِّلا أنَّه قد يجوز النصب بالفاء والواو.
وبلغنا أنَّ بعضهم قرأ: " يحاسبكم به الَّله فيغفر لمن يشاء ويعذِّب من يشاء " والَّله على كل شيء قدير " وتقول: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك، وإن تأتني فأنا لآتيك وأحسن إليك. وقال عزَّ وجلَّ: " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم " . والرفع ههنا وجه الكلام، وهو الجيِّد؛ لأنَّ الكلام الذي بعد الفاء جرى مجراه في غير الجزاء فجرى الفعل هنا كما كان يجري في غير الجزاء.
وقد بلغنا أنَّ بعض القرَّاء قرأ: " من يضلل الَّله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون " ؛ وذلك لأنَّه حمل الفعل على موضع الكلام؛لأنَّ هذا الكلام في موضع يكون جواباً؛ لأنّ أصل الجزاء الفعل، وفيه تعمل حروف الجزاء؛ ولكنَّهم قد يضعون في موضع الجزاء غيره.
؟ومثل الجزم ههنا النصب في قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
حمل الآخر على موضع الكلام وموضعه موضع نصبٍ، كما كان موضع ذاك موضع جزمِ.
وتقول: إن تأتني فلن أوذيك وأستقبلك بالجميل، فالرفع ههنا الوجه إذا لم يكن محمولاً على لن كما قال الرفع الوجه في قوله فهو خير لك وأكرمك ومثل ذلك إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك فالرفع الوجه إذا لم تحمله على لم كما كان ذلك في لن.
وأحسن ذلك أن تقول: إن تأتني لا آتك، كما أن أحسن الكلام أن تقول: إن أتيتني لم آتك. وذلك أنّ لم أفعل نفي فعل وهو مجزوم بلم، ولا أفعل نفي أفعل وهو مجزوم بالجزاء. فإذا قلت: إن تفعل فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل وهو مجزوم بالجزاء. فإذا قلت: إن تفعل فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل لأنه نظيره من الفعل. وإذا قال إن فعلت فأحسن الكلام أن تقول: فعلت، لأنَّه مثله. فكما ضعف فعلت مع أفعل، وأفعل مع فعلت، قبح لم أفعل مع يفعل، لأن لم أفعل نفي فعلت. وقبح لا أفعل مع فعل لأنها نفي أفعل.
واعلم أنَّ النصب بالفاء والواو في قوله:إن تأتني لآتك وأعطيك ضعيف، وهو نحومن قوله:
وألحق بالحجاز فأستريحا
فهذا يجوز وليس بحد الكلام ولا وجهه، إلَّا أنَّه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنّه ليس بواجب أنّه يفعل، إلّا أن يكون من الأول فعلٌ، فلمَّا ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه، وإن كان معناه كمعنى ما قبله إذا قال وأعطيك. وإنَّما هو في المعنى كقوله أفعل إن شاء الَّله، يوجب بالإستثناء. قال الأعشى فيما جاز من النصب:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصرع مظلومٍ مجراً ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل
إذا كان جواباً لأمرٍ أو نهي أو استفهام أو تمنِّ أو عرض
فأما ما انجزم بالأمر فقولك : ائتني آتك.
وأما ما انجزم بالنهي فقولك: لا تفعل يكن خيراً لك.
وأمّا ما انجزم بالاستفهام فقولك: ألا تأتيني أحدثِّك؟ وأين تكون أزرك؟ وأمّا ما انجزم بالتّمني فقولك: ألا ماءَ أشربه، وليته عندنا يحدَّثنا.


وأمَّا ما انجزم بالعرض فقولك: ألا تنزل تصب خيراً.
وإنَّما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب إن تأتني، بإن تأتني، لأنَّهم جعلوه معلَّقاً بالأوّل عير مستغنٍ عنه إذا أرادوا الجزاء، كما أنَّ إن تأتني عير مستغنية عن آتك.
وزعم الخليل: أنَّ هذه الأوائل كلَّها فيها معنى إن، فلذلك انجزم الجواب؛ لأنه إذا قال ائتني آتك فإنّ معنى كلامه إن يكن منك إتيان آتك، وإذا قال: أين بيتك أزرك، فكأنّه قال إن أعلم مكان بيتك أزرك ؛ لأنّ قوله أين بيتك يريد به: أعلمني. وإذا قال ليته عندنا يحدثنا، فإنّ معنى هذا الكلام إن يكن عندنا يحدَّثنا، وهو يريد ههنا إذا تمنَّى ما أراد في الأمر.وإذا قال لو نزلت فكأنَّه قال انزل.
ومما جاء من هذا الباب في القرآن وغيره قوله عزّ وجلّ: " هل أدلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابِ أليم. تؤمنون بالَّله ورسوله وتجاهدون في سبيل الَّله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون " فلمَّا انقضت الآية قال: " يغفر لكم " .
ومن ذلك أيضاً: أتينا أمس نعطيك اليوم، أي إن كنت أتيتنا أمس أعطيناك اليوم. هذا معناه فإن كنت تريد أن تقررِّه بأنه قد فعل فإنَّ الجزاء لا يكون، لأنَّ الجزاء إنَّما يكون في غير الواجب.
ومما جاء أيضاً منجزماً بالاستفهام قوله، وهو رجل من بني تغلب، جابر ابن حنى:
ألا تنتهي عنَّا ملوك وتتقى ... محارمنا لا يبؤ الدَّم بالدَّم
وقال الراجز:
متى أنام لا يؤرقني الكرى ... ليلاً ولا أسمع أجراس المطى
كأنّه قال: إ، يكن منِّى نومٌ في غير هذه الحال لا يؤرقني الكرىُّ، كأنَّه لم يعَّد نومه في هذه الحال نوماً.
وقد سمعنا من العرب من يشمُّه الرَّفع، كأنه يقول: متى أنام غير مؤرق.
وتقول: ائتني آتك، فتجزم على ما وصفنا، وإن شئت رفعت على أن لا تجعله معلقاً بالأوَّل، ولكنَّك تبتدئه وتجعل الأوّل مستغنياً عنه، كأنَّه يقول: ائتني أنا آتيك. ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الأخطل:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف أمريءٍ يمضي لمقدار
وقال الأنصاري:
يا مال والحق عنده فقفوا ... تؤتون فيه الوفاء معترفا
كأنّه قال: إنكم تؤتون فيه الوفاء معترفاً. وقال معروف:
كونوا كمن واسى أخاه بنفسه ... نعيش جميعاً أو نموت كلانا
كأنه قال: كونوا هكذا إنّا نعيش جميعاً أو نموت كلانا إن كان هذا أمرنا.
وزعم الخليل: أنَّه يجوز أن يكون نعيش محمولاً على كونوا، كأنه قال: كونوا نعيش جميعاً أو نموت كلانا.
وتقول: لا تدن منه يكن خيراً لك. فإن قلت: لا تدن من الأسديا كلك فهو قبيح إن جزمت، وليس وجه كلام الناس؛ لأنَّك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سبباً لأكله. وإن رفعت فالكلام حسن، كأنك قلت: لا تدن منه فإنَّه يأكلك. وإن أدخلت الفاء فهو حسن ، وذلك قولك: لا تدن منه فيأكلك.
وليس كلُّ موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء. ألا ترى أنه يقول: ما أتيتنا فتحثنا، والجزاء ههنا محال. وإنما قبح الجزم في هذا لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء.
وسمعنا عربياً موثوقاً بعربيته يقول: لا تذهب به تغلب عليه؛ فهذا كقوله: لا تدن من الأسد يأكلك.
وتقول: ذره يقل ذاك، وذره يقول ذاك فالرفع من وجهين: فأحدهما الإبتداء، والآخر على قولك: ذره قائلاً ذاك؛فتجعل يقول في موضع قائل.
فمثل الجزم قوله عزّ وجلّ: " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل " ومثل الرفع قوله تعالى جدٌّه: " ذرهم في خوضهم يلعبون " .
وتقول: ائتني تمشي، أي ائتني ماشياً، وإن شاء جزمه على أنه إن أتاه مشي فيما يستقبل فيما يستقبل . وإن شاء رفعه على الإبتداء.
وقال عز وجل: " فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى " . فالرفع على وجهين: على الإبتداء، وعلى قوله: اضربه غير خائفٍ ولا خاشٍ.
وتقول: قم يدعوك؛ لأنك لم ترد أن تجعله دعاءً بعد قيامه ويكون القيام سبباً له، ولكنَّك أردت: قم إنّه يدعوك. وإن أردت ذلك المعنى جزمت.
وإما قول الأخطل
كرُّوا إلى حرَّيتكم تعمرونهما ... كما تكرُّ إلى أوطانها البقر
فعلى قوله: كرُّوا عامرين. وإن شئت رفعت على الابتداء.


وتقول: مره يحفرها، وقل له يقل ذاك. وقال الَّله عزّ وجلّ: " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصّلاة وينفقوا ممَّا رزقناهم " . ولو قلت مره يحفرها على الابتداء كان جيَّداً. وقد جاء رفعه على شيء هو قليل في الكلام، على مره أن يحفرها، فإذا لم يذكروا أن، جعلوا المعنى بمنزلته في عسينا نفعل. وهو في الكلام قليل، لا يكادون يتكلمون به، فإذا تكلموا به فالفعل كأنه في موضع اسم منصوب، كأنه قال: عسى زيد قائلاً، ثم وضع يقول في موضعه. وقد جاء في الشعر، قال طرفة بن العبد:
ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد الَّلذات هل أنت مخلدي
وسألته عن قوله عزّ وجل: " قل أفغير الَّله تأمروني أعبد أيُّها الجاهلون " فقال: تأمرونِّي كقولك: هو يقول ذاك بلغني، فبلغني لغو فكذلك تأمرونِّي، كأنه قال: فيما تأمرونِّي، كأنّه. قال فيما بلغني. وإن شئت كان بمنزلة:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغى
باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي
لأنّ فيها معنى الأمر والنهي
فمن تلك الحروف: حسبك، وكفيك، وشرعك، وأشباهها.
تقول: حسبك ينم الناس. ومثل ذلك: " اتّقي الَّله امرؤ وفعل خيراً يثب عليه " لأنّ فيه معنى ليتَّق الَّله امرؤ وليفعل خيراً. وكذلك ما أشبه هذا.
وسألت الخليل عن قوله عزّ وجلّ: " فأصَّدق وأكن من الصالحين " فقال: هذا كقول زهير:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائيا
فإنَّما جرّوا هذا، لأنَّ الأوّل قد يدخله الباء، فجاءوا بالثاني وكأنَّهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله قد يكون جزماً ولا فاء فيه تكلّموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا توهمّوا هذا.
وأما قول عمرو بن عمّار الطائيّ:
فقلت له صوِّب ولا تجهدنَّه ... فيدنك من أخرى القطاة فتزلق
فهذا على النهي كما قال: لا تمددها فتشققها، كأنَّه قال: لا تجهدنّه ولا يدنينّك من أخرى القطاة ولا تزلقن.
ومثله من النهي: لا يرينَّك ههنا، ولا أرينَّك ههنا.
وسألته عن آتي الأمير لا يقطع الِّصَّ، فقال: الجزاء ها هنا خطأ، لا يكون الجزاء أبداً حتى يكون الكلام الأول غير واجب، إلا أن يضطرَّ شاعر.ولا نعلم هذا جاء في شعر البتَّة.
وسألته عن قوله: أما أنت منطلقاً أنطلق معك، فرفع. وهو قول أبي عمرو، وحدثنا به يونس. وذلك لأنّه لا يجازي بأن كأنّه قال: لأن صرت منطلقاً أنطلق معك.
وسألته عن قوله: ما تدوم لي أدوم لك، فقال: ليس في هذا جزاء، من قبل أن الفعل صلة لما؛ فصار بمنزلة الّذي، وهو بصلته كالمصدر، ويقع على الحين كأنّه قال: أدوم لك دوامك لي. فما، ودمت، بمنزلة الدَّوام. ويدلّك على أنَّ الجزاء لا يكون ها هنا أنك لا تستطيع أن تستفهم بما تدوم على هذا الحدّ.
ومثل ذلك: كلَّما تأتيني آتيك، فالإتيان صلة لما، كأنه قال: كلَّ إتيانك آتيك، وكلَّما تأتيني يقع أيضاً على الحين كما كان ما تأتيني يقع على الحين. ولا يستفهم بما تدوم.
وسألته عن قوله: الذي يأتيني فله درهمان، لم جاز دخول الفاء ها هنا والَّذي يأتيني بمنزلة عبد اللَّه، وأنت لا يجوز لك أن تقول عبد الَّله فله درهما؟ فقال: إنَّما يحسن في الَّذي لأنه جعل الآخر جواباً للأوَّل، وجعل الأوّل به يجب له الدرهمان، فدخلت الفاء ها هنا، كما دخلت في الجزاء إذا قال: إن يأتني فله درهمان. وإن شاء قال: الذي يأتيني له درهمان، كما تقول: عبد الَّله له درهمان غير أنَّه إنما أدخل الفاء لتكون العطّية مع وقوع الإتيان، فإذا أدخل الفاء فإنما يجعل الإتيان سبب ذلك. فهذا جزاء وإن لم يجزم، لأنَّه صلة.
ومثل ذلك قولهم: كلّ رجل يأتينا فله درهمان. ولو قال: كلّ رجل فله درهمان كان محالاً، لأنه لم يجيْ بفعل ولا بعمل يكون له جوابٌ.
ومثل ذلك : " الذَّين ينفقون أموالهم بالَّليل والنَّهار سرَّاّ وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربِّهم " وقال تعالى جدُّه: " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " ومثل ذلك: " إنّ الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمَّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنَّم ولهم عذاب الحريق.


وسألت الخليل عن قوله جلَّ ذكره: " حتَّى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها " أين جوابها؟ وعن قوله جل وعلا: " ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب " ، " ولو يرى إذ وقفوا على النَّار " فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر الجواب في كلامهم، لعلم المخبر لأيِّ شيء وضع هذا الكلام.
وزعم أنَّه قد وجد في أشعار العرب ربَّ لا جواب لها. من ذلك قول الشمّاخ:
ودوّيّةٍ قفرٍ تمشِّى نعامها ... كمشي النَّصارى في خفاف الأرندج
وهذه القصيدة التي فيها هذا البيت لم يجيء فيها جوابٌ لربَّ؛ لعلم المخاطب أنّه يريد قطعتها، وما فيه هذا المعنى:
باب الأفعال في القسم
اعلم أنَّ القسم توكيدٌ لكلامك. فإذا حلفت على فعلٍ غير منفيّ لم يقع لزمته اللامُ. ولزمت اللام النونُ الخفيفة أو الثقيلة في آخر الكلمة.وذلك قولك: والَّله لأفعلنَّ.
وزعم الخليل: أن النون تلزم اللام كلزوم اللام في قولك: إن كان لصالحاً، فإن بمنزلة اللام، واللام بمنزلة النون في آخر الكلمة.
واعلم أنّ من الأفعال أشياء فيها معنى اليمين، يجري الفعل بعدها مجراه بعد قولك واللَّه، وذلك قولك: أقسم لأفعلنَّ، وأشهد لأفعلنَّ، وأقسمت باللَّه عليك لتفعلنَّ.
وإن كان الفعل قد وقع وحلفت عليه لم تزد على اللام؛ وذلك قولك: والَّله لفعلت. وسمعنا من العرب من يقول: والَّله لكذبت، وواللَّه لكذب.
فالنون لا تدخل على فعلٍ قد وقع، إنَّما تدخل على غير الواجب.
وإذا حلفت على فعلٍ منفيٍّ لم تغيِّره عن حاله التي كان عليها قبل أن تحلف، وذلك قولك: والَّله لا أفعل. وقد يجوز لك وهو من كلام العرب أن تحذف لا وأنت تريد معناها، وذلك قولك: والَّله أفعل ذلك أبداً، تريد: والَّله لا أفعل ذلك أبداً. وقل:
فحالف فلا والَّله تهبط تلعةً ... من الأرض إلا أنت للذل عارف
وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك إلاَّ فعلت ولّما فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنّما أقسمت ها هنا كقولك: والَّله؟ فقال: وجه الكلام لتفعلنَّ، هاهنا ولكنهم إنما أجازوا هذا لأنهم شبهوه بنشدتك الله، إذ كان فيه معنى الطلب. وسألته عن قوله إذا جاءت مبتدأةً ليس قبلها ما يحلف به؟ فقال: إنّما جاءت على نيَّة اليمين وإن لم يتكلَّم بالمحلوف به.
واعلم أنَّك إذا أخبرت عن غيرك أنَّه أكَّد على نفسه أو على غيره فالفعل يجري مجراه حيث حلفت أنت؛ وذلك قولك: أقسم ليفعلنَّ، واستحلفه ليفعلنّ، وحلف ليفعلنَّ ذلك، وأخذ عليه لا يفعل ذلك أبداً. وذاك أنَّه أعطاه من نفسه في هذا الموضع مثل ما أعطيت أنت من نفسك حين حلفت، كأنَّك قلت حين قلت أقسم ليفعلَّن قال واللَّه ليفعلنَّ، وحين قلت استحلفه ليفعلنَّ قال له واللَّه ليفعلنَّ.
ومثل ذلك قوله تعالى جدُّه: " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاَّ الَّله " .
وسألته: لِمَ لَم يجز والَّله تفعل يريدون بها معنى ستفعل؟ فقال: من قبل أنَّهم وضعوا تفعل ها هنا محذوفة منها لا، وإنما تجيء في معنى لا أفعل، فكرهوا أن تلتبس إحداهما بالأخرى. فقلت:فلم ألزمت النون آخر الكلمة؟ فقال: لكي لا يشبه قوله إنه ليفعل، لأنّ الرجل إذا قال هذا فإنما يخبر بفعلٍ واقع فيه الفاعل، كما ألزموا اللام: إن كان ليقول، مخافة أن يلتبس بما كان يقول ذاك، لأنّ إن تكون بمنزلة ما.
وسألته عن قوله عزّ وجل: " وإذ أخذ الَّله ميثاق النَّبييِّن لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جاءكم رسول مصدِّق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنَّه " فقال: ما ههنا بمنزلة الّذي، ودخلتها اللام كما دخلت على إن حين قلت: واللّه لئن فعلت لأفعلنّ، واللام التي في ما كهذه التي في إن، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا.
ومثل هذه هذه اللام الأولى أن إذا قلت: والَّله أن لو فعلت لفعلت. وقال:
فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم يوم من الشرِّ مظلم
فأن في لو بمنزلة اللام في ما، فأوقعت ها هنا لامين: لام للأول ولام للجواب، ولام الجواب هي التي يعتمد عليها القسم، فكذلك الامان في قوله عز وجل: " لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جاءكم رسول مصدَّق لما معكم لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه " لام للأوّل وأخرى للجواب.
ومثل ذلك " لمن تبعك منهم لأملأنَّ " إنما دخلت اللام على نيّة اليمين. والَّله أعلم.


وسألته عن قوله عز وجل: " ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلّوا من بعده يكفرون " فقال: هي في معنى ليفعلنَّ، كأنه قال ليظلَّن، كما تقول: والَّله لا فعلت ذاك أبداً، تريد معنى لا أفعل.
وقالوا: لئن زرته ما يقبل منك، وقال: لئن فعلت ما فعل، يريد معنى ما هو فاعلٌ وما يفعل، كما كان لظلُّوا مثل ليظلّن، وكما جاءت: " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " على قوله: أم صمتٌّم فكذلك جاز هذا على ما هو فاعل. قال عز وجل: " ولئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكلِّ آية مَّا تبعوا قبلتك " أي ما هم تابعين.
وقال: سبحانه: " ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده " أي ما يمسكهما من أحدٍ.
وأما قوله عز وجلّ: " وإنَّ كلاًّ لما ليوفِّينهم ربُّك أعمالهم " فإن إنّ حرف توكيد، فلها لام كلام اليمين، لذلك أدخلوها كما أدخلوها في: " إن كلُّ نفسٍ لما عليها حافظ " ، ودخلت اللام التي في الفعل على اليمين، كأنَّه قال: إنّ زيداً لما واللَّه ليفعلنَّ.
وقد يستقيم في الكلام إنّ زيداً ليضرب وليذهب، ولم يقع ضرب. والأكثر على ألسنتهم كما خبَّرتك في اليمين، فمن ثمَّ ألزموا النون في اليمين، لئلا يلتبس بما هو واقع. قال الَّله عز وجل: " إنَّما جعل السَّبت على الذين اختلفوا فيه وإنّ ربَّك ليحكم بينهم يوم القيامة " . وقال لبيد:
ولقد علمت لتأتين منيَّتي ... إنَّ المنايا لا تطيش سهامها
كأنَّه قال: والَّله لتأتينّ، كما قال: قد علمت لعبد اللّه خير منك، وقال: أظنُّ لتسبقنّني، وأظنُّ ليقومنَّ، لأنه بمنزلة علمت. وقال عزّ وجل: " ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننّه " ؛ لأنه موضع ابتداء. ألا ترى أنك لو قلت: بدا لهم أيُّهم أفضل، لحسن كحسنه في علمت، كأنك قلت: ظهر لهم أهذا أفضل أم هذا.
هذا باب
الحروف التي لا تقدِّم فيها الأسماء الفعل
فمن تلك الحروف العوامل في الأفعال الناصبة. ألا ترى أنك لا تقول: جئتك كي زيد يقول ذاك، ولا خفت أن زيد يقول ذاك. فلا يجوز أن تفصل بين الفعل والعامل فيه بالاسم، كما لا يجوز أن تفصل بين الاسم وبين إنّ وأخواتها بفعلٍ.
ومما لا تقدَّم فيه الأسماء الفعل الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، وتلك: لم، ولمّا، ولا التي تجزم الفعل في النهيولا التي تجزم في الأمر. ألا ترى أنّه لا يجوز أن تقول: لم زيد يأتك، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين الفعل بشيء، كما لم يجز أن تفصل بين الحروف التي تجرّ وبين الأسماء بالأفعال، لأنّ الجزم نظير الجر. ولا تجوز أن تفصل بينها وبين الفعل بحشوٍ، كما لا تجوز لك أن تفصل بين الجارّ والمجرور بحشوٍ، إلاّ في شعر.
ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب، كراهة أن تشبَّه بما يعمل في الأسماء. ألا ترى أنّه لا يجوز أن تفصل بين الفعل وبين ما ينصبه بحشوٍ، كراهية أن يشبهوه بما يعمل في الاسم؛ لأنّ الاسم ليس كالفعل، وكذلك ما يعمل فيه ليس كما يعمل في الفعل. ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الاسم وقلّة هذا.
فهذه الأشياء فيما يجزم أردأ وأقبح منها في نظيرها من الأسماء، وذلك أنّك لو قلت: جئتك كي بك يؤخذ زيد لم يجز، وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجرّ؛ لقلّة ما يعمل في الأفعال، وكثرة ما ينسى في الأسماء.
واعلم أنّ حروف الجزاء يقبح أن تتقدّم الأسماء فيها قبل الأفعال، وذلك لأنّهم شبّهوها بما يجزم مما ذكرنا، إلا أنّ حروف الجزاء قد جاز فيها ذلك في الشعر لأنّ حروف الجزاء يدخلها فعل ويفعل، ويكون فيها الاستفهام فترفع فيها الأسماء، وتكون بمنزلة الّذي، فلّما كانت تصرَّف هذا التصُّرف وتفارق الجزم ضارعت ما يجبرُّ من الأسماء التي إن شئت استعملتها غير مضافة نحو: ضارب عبد الَّله، لأنك إن شئت نوّنت ونصبت، وإن شئت لم تجاوز الاسم العامل في الآخر، يعني ضاربٍ، فلذلك لم تكن مثل لم ولا في النهي واللام في الأمر؛ لأنهن لا يفارقن الجزم.
ويجوز الفرق في الكلام في إن إذا لم تجزم في اللفظ، نحو قوله:
عاود هراة وإن معمورها خربا
فإن جزمت ففي الشعر، لأنه يشبَّه بلم، وإنّما جاز في الفصل ولم يشبه لم لأنّ لم لا يقع بعدها فعل، وإنما جاز هذا في إن لأنّها أصل الجزاء ولا تفارقه، فجاز هذا كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرُّ.


وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيه ضعف في الكلام، لأنَّها ليست كإن، فلو جاز في إن وقد جزمت كان أقوى إذ جاز فيها فعل.
وممَّا جاء في الشعر مجزوماً في غير إن قول عدىَّ بن زيد:
فمتى واغلٌ ينبهم يحيّو ... ه هو وتعطف عليه كأس الساقي
وقال كعب بن جعيل:
صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميَّلها تمل
ولو كان فعل كان أقوى إذ كان ذلك جائزاً في إن في الكلام.
واعلم أنًّ قولهم في الشعر: إن زيد يأتك يكن كذا، إنّما ارتفع على فعلٍ هذا تفسيره، كما كان ذلك في قولك: إن زيداً رأيته يكن ذلك؛ لأنه لا تبتدأ بعدها الأسماء ثم يبني عليها.
فإن قلت: إن تأتني زيد يقل ذاك، جاز على قول من قال: زيداً ضربته، وهذا موضع ابتداء ألا ترى أنك لو جئت بالفاء فقلت: إن تأتني فأنا خير لك، كان حسناً. وإن لم يحمله على ذلك رفع وجاز في الشعر كقوله:
الله يشكرها
ومثل الأوّل قول هشام المرّى:
فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن ... ومن لا نجره يمس منّا مفزّعا
هذا باب
الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعل
ولا تغير الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون قبله شيء منها
فمن تلك الحروف قد، لا يفصل بينها وبين الفعل بغيره، وهو جواب لقوله أفعل كما كانت ما فعل جواباً لهل فعل؟ إذا أخبرت أنه لم يقع. ولمّا يفعل وقد فعل، إنَّما هما لقومٍ ينتظرون شيئاً. فمن ثم أشبهت قد لمّا، في أنَّها لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف أيضاً سوف يفعل؛ لأنها بمنزلة السين التي في قولك سيفعل. وإنما تدخل هذه السين على الأفعال، وإنَّما هي إثبات لقوله لن يفعل، فأشبهتها في أن لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف: ربمّا وقلّما وأشباههما،جعلوا ربَّ مع ما بمنزلة كلمة واحدة، وهيئوها ليذكر بعدها الفعل، لأنهم لم يكن لهم سبيل إلى " ربَّ يقول " ، ولا إلى " قلَّ يقول " ، فألحقوهما ما وأخلصوهما للفعل.
ومثل ذلك: هلا ولولا وألاَّ، ألزموهنّ لا وجعلوا كلَّ واحدة مع لا بمنزلة حرف واحد، وأخلصوهنّ للفعل حيث دخل فيهن معنى التحضيض.
وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم، قال:
صددن فأطولت الصدود وقلَّما ... وصال على طول الصدود يدوم
واعلم أنّه إذا اجتمع بعد حروف الاستفهام نحو هل وكيف ومن اسم وفعل، كان الفعل بأن يلي حرف الاستفهام أولى؛ لأنّها عندهم في الأصل من الحروف التي يذكر بعدها الفعل. وقد بيِّن حالهنَّ فيما مضى.
هذا باب
الحروف التي يجوز أن يليها بعدها الأسماء
ويجوز أن يليها بعدها الأفعال
وهي لكن، وإنما ، وكأنما، وإذ، ونحو ذلك، لأنَّها حروف لا تعمل شيئاً، فتركت الأسماء بعدها على حالها كأنَّه لم يذكر قبلها شيء، فلم يجاوز ذا بها إذ كانت لا تغيَّر ما دخلت عليه، فيجعلوا الاسم أولى بها من الفعل.
وسألت الخليل عن قول العرب: انتظرني كما آتيك، وارقبني كما ألحقك، فزعم أن ما والكاف جعلتا بمنزلة حرف واحد، وصيِّرت للفعل كما صيِّرت للفعل ربَّما، والمعنى لعلِّى آتيك؛ فمن ثم لم ينصبوا به الفعل، كما لم ينصبوا بربّما. قال رؤبة:
لا تشتم الناس كما لا تشتم
وقال أبو النجم:
قلت لشيبان ادن من لقائه ... كما تغدِّى الناس من شوائه
هذا باب نفي الفعل
إذا قال: فعل فإنَّ نفيه لم يفعل. وإذا قال: قد فعل فإنّ نفيه لمَّا يفعل. وإذا قال: لقد فعل فإنَّ نفيه ما فعل. لأنّه كأنَّه قال: والَّله لقد فعل فقال: والله ما فعل. وإذا قال هو يفعل، أي هو في حال فعل، فإنَّ نفيه ما يفعل. وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعاً فنفيه لا يفعل. وإذا قال لفعلنَّ فنفيه لا يفعل، كأنّه قال: والَّله ليفعلنَّ فقلت والَّله لا يفعل. وإذا قال: سوف يفعل فإنَّ نفيه لن يفعل
باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء


يضاف إليها أسماء الدهر. وذلك قولك: هذا يوم يقوم زيدٌ، وآتيك يوم يقول ذاك. وقال الَّله عز وجل: " هذا يوم لا ينطقون " وهذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم " . وجاز هذا في الأزمنة واطّرد فيها كما جاز للفعل أن يكون صفةً؛ وتوسَّعوا بذلك في الدهر لكثرته في كلامهم، فلم يخرجوا الفعل من هذا كما لم يخرجوا الأسماء من ألف الوصل نحو ابنٍ، وإنما أصله للفعل وتصريفه.
ومما يضاف إلى الفعل أيضاً قولك: ما رأيته منذ كان عندي. ومذ جاءني ومنه أيضاً " آية " .
قال الأعشى:
بآية تقدمون الخيل شعثاً ... كأن على سنابكها مداما
وقال يزيد بن عمرو بن الصعق:
ألا من مبلغٌ عنِّي تميماً ... بآية ما تحبُّون الطّعاما
فما لغو.
ومما يضاف إلى الفعل قوله: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون، المعنى: لا أفعل بسلامتك، وذو مضافة إلى الفعل كإضافة ما قبله، كأنَّه قال: لا أفعل بذي سلامتك. فذو ههنا الأمر الذي بسلّمك وصاحب سلامتك.
ولا يضاف إلى الفعل غير هذا كما أنّ لدن لا تنصب إلاَّ في غدوة.
واطَّردت الأفعال في آية اطّرد الأسماء في أتقول إذا قلت: أتقول زيداً منطلقاً، شبّهت بتطنّ.
وسألته عن قوله في الأزمنة كان ذاك زمن زيد أمير؟ فقال: لمَّا كانت في معنى إذ أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعضٍ، كما يدخلون إذ على ما قد عمل بعضه في بعض ولا يغيّرونه، فشبَّهوا هذا بذلك. ولا يجوز هذا في الأزمنة حتَّى تكون بمنزلة إذ. فإن قلت: يكون هذا يوم زيدٌ أميرٌ، كان خطأ.
حدثنا بذلك يونس عن العرب؛ لأنَّك لا تقول: يكون هذا إذا زيدٌ أميرٌ.
جملة هذا الباب أنَّ الزمان إذا كان ماضياً أضيف إلى الفعل، وإلى الابتداء والخبر؛ لأنَّه في معنى إذ، فأضيف إلى ما يضاف إليه إذ. وإذا كان لما لم يقع لم يضف إلاَّ إلى الأفعال؛ لأنه في معنى إذا، وإذا هذه لا تضاف ألاَّ إلى الأفعال.
هذا باب إنَّ وأنَّ
أمّا أنَّ فهي اسم وما عملت فيه صلةٌ لها، كما أن الفعل صلة لأن الخفيفة وتكون أن اسماً. ألا ترى أنك تقول: قد عرفت أنك منطلقٌ، فأنّك في موضع اسم منصوب كأنّك قلت: قد عرفت ذاك.
وتقول: بلغني أنك منطلقٌ، فأنَّك في موضع اسم مرفوع، كأنك قلت: بلغني ذاك.
فأنّ الأسماء التي تعمل فيها صلةٌ لها، كما أنّ أنِ الأفعال التي تعمل فيها صلة لها.
ونظير ذلك في أنه وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد لا في غير ذلك، قولك: رأيت الضارب أباه زيد، فالمفعول فيه لم يغيَّره عن أنّه اسم واحد، بمنزلة الرجل والفتى. فهذا في هذا الموضع شبيهٌ بأنّ، إذ كانت مع ما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، فهذا ليعلم أنَّ الشيء يكون كأنّه من الحرف الأوّل وقد عمل فيه.
وأما إنَّ فإنَّما هي بمنزلة الفعل لا يعمل فيها ما يعمل في أنَّ، كما لا يعمل في الفعل ما يعمل في الأسماء، ولا تكون إنّ إلاّ مبتدأةً، وذلك قولك: إنّ زيداً منطلقٌ، وإنّك ذاهب.
هذا باب من أبواب أنّ
تقول: ظننت أنَّه منطلق، فظننت عاملة، كأنّك قلت: ظننت ذاك. وكذلك وددت ذاك.
وتقول: لولا أنَّه منطلق لفعلت، فأنَّ مبنيَّة على لولا كما تبنى عليها الأسماء.
وتقول: لو أنّه ذاهب لكان خيراً له، فأنَّ مبنيَّة على لو كما كانت مبنيَّة على لولا، كأنك قلت: لو ذاك، ثم جعلت أنَّ وما بعدها في موضعه فهذا تمثيل وإن كانوا لا يبنون على لو غير أنّ، كما كان تسلم في قولك بذي تسلم في موضع اسم، ولكنَّهم لا يستعملون الاسم لأنّهم مما مستغنون بالشيء عن الشيء حتَّى يكون المستغني عنه مسقطاً.
وقال الَّله عز وجلّ: " قل لو أنتم تملكون جزائن رحمة ربِّي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق " . وقال:
لو بغير الماء حلقي شرق
وسألته عن قول العرب: ما رأيته مذ أنَّ الَّله خلقني؟ فقال: أنَّ في موضع اسمٍ، كأنه قال: مذ ذاك.
وتقول: أما إنَّه ذاهبٌ، وأما أنّه منطلق، وإذا قال: أما إنّه منطلقٌ، فسألت الخليل عن ذلك فقال: إذا قال: أما أنّه منطلقٌ، فإنّه يجعله كقولك: حقّاً أنّه منطلقٌ، وإذا قال: أما إنّه منطلقٌ، فإنّه بمنزلة قوله: ألا، كأنَّك قلت: ألا إنَّه ذاهبٌ.


وتقول: قد عرفت أنه ذاهب ثم أنه معجل، ولأن الآخر شريك الأول في عرفت. وتقول قد عرفت أنه ذاهب ثم إني أخبرك أنه معجل، لأنك ابتدأت إني ولم تعجل الكلام على عرفت. أما والَّله ذاهب أنه ذاهبٌ، كأنك قلت: قد علمت والَّله أنه ذاهبٌ. وإذا قلت: أما والَّله إنّه ذاهب :كأنك قلت: ألا إنّه والَّله ذاهب.
وتقول: رأيته شابّاً وإنّه يفخر يومئذٍ، كأنك قلت: رأيته شاباً وهذه حاله. تقول هذا بتداء ولم يجعل الكلام على رأيت. وإن شئت حملت الكلام على الفعل ففتحت. قال ساعدة بن جؤيَّة:
رأته على شيب القذال وأنّها ... تواقع بعلاً مَّرة وتئيمُ
وزعم أبو الخطَّاب: أنَّه سمع هذا البيت من أهله هكذا.
وسألته عن قوله عز وجلّ: " وما يشعركم إنَّها إذا جاءت لا يؤمنون " ، ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذا في ذا الموضع، إنما قال: وما يشعركم، ثم ابتدأ فأوجب فقال: إنَّها إذا جاءت لا يؤمنون. ولو قال: وما يشعركم أنَّها إذا جاءت لا يؤمنون، كان ذلك عذراً لهم.
وأهل المدينة يقولون " أنّها " . فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السُّوق أنك تشتري لنا شيئاً ، أي لعلَّك، فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون.
وتقول: إنَّ لك هذا علىّ وأنَّك لا تؤذي، كأنك قلت: وإنّ لك أنَّك لا تؤذي. وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على إنَّ لك. وقد قرئ هذا الحرف على وجهين، قال بعضهم: " وإنّك لا تظمأ فيها " . وقال بعضهم: " وأنّك " .
واعلم أنه ليسس يحسن لأنَّ أن تلي إنَّ ولا أن كما قبح ابتداؤك الثقيلة المفتوحة وحسن ابتداؤك الخفيفة؛ لأنّ الخفيفة لا تزول عن الأسماء، والثقيلة تزول فتبدأه. ومعناها مكسورة ومفتوحة سواء. واعلم أنه ليس يحسن أن تلي إنّ أنَّ ولا أنَّ إنّ. ألا ترى أنك لا تقول إنّ أنّك ذاهبٌ في الكتاب، ولا تقول قد عرفت أ، إنِّك منطلق في الكتاب. وإنّما قبح هذا ههنا كما قبح في الابتداء، ألا ترى أنه يقبح أن تقول أن تقول أنّك منطلقٌ بلغني أو عرفت، لأنَّ الكلام بعد أنّ وإن غير مستغنٍ كما أن المبتدأ غير مستغن. وإنما كرهوا ابتداء أنّ لئَّلا يشبِّهوها بالأسماء التي تعمل فيها إنَّ، ولئلا يشِّبهوها بأن الخفيفة، لأنَّ أن والفعل بمنزلة مصدر فعله الذي ينصبه، والمصادر تعمل فيها إنّّ وأنَّ.
ويقول الرجل للرجل: لم فعلت ذلك؟ فيقول: لم أنّه ظريف، كأنه قال: قلت لمه قلت لأنّ ذاك كذلك.
وتقول إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم: أي إني تجد إذا ابتدأت كما تبتدىء أي أنا نجد. وإن شئت قلت أي أنِّى نجد، كأنك قلت: أي لأنى نجد.
هذا باب آخر من أبواب أنَّ
تقول: ذلك وأنّ لك عندي ما أحببت، وقال الَّله عزّ وجلّ: " ذلكم وأنّ الَّله موهن كيد الكافرين " وقال: " ذلكم فذوقوه وأنَّ للكافرين عذاب النّار " ؛ وذلك لأنها شركت ذلك فيما حمل عليه، كأنه قال: الأمر ذلك وأن الَّله. ولو جاءت مبتدأه لجازت، يدلّك على ذلك قوله عزَّ وجل: " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثمَّ بغى عليه لينصرنّه الَّله. فمن ليس محمولاً على ما حمل عليه ذلك فكذلك يجوز أن يكون إنّ منقطعةً من ذلك قال الأحوص:
عوّدت قومي إذا ما لضيَّف نبَّهي ... عقر العشار على عسري وإيساري
إنَّي إذا خفيت نار لمرملةٍ ... ألفي بأرفع تلٍّ رافعاً ناري
ذاك وإنَّي على جاري لذو حدبٍ ... أحنو عليه بما يحنى على الجار
فهذا لا يكون إلاّ مستأنفاً غير محمول على ما حمل عليه ذاك. فهذا أيضاً يقوّى ابتداء إنّ في الأوّل.
هذا باب آخر من أبواب أنّ
تقول: جئتك أنّك تريد المعروف، إنَّما أراد: جئتك لأنك تريد المعروف، ولكنك حذفت اللام ههنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت:
وأغفر عوراء الكريم أّدِخاره ... واعرض عن ذنب الَّلئيم تكرًّما
أي: لاّدخاره.
وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: " وأنّ هذه أمّتكم أمّةً واحدة وأنا ربُّكم فاتّقون " ، فقال: إنَّما هو على حذف اللام، كأنه قال: ولأنّ هذه أمّتكم أمةً واحدةً وأنا ربُّكم فاتقون.
وقال: ونظيرها: " لإيلاف قريشٍ " لأنّه إنما هو: لذلك " فليعبدوا " .


فإن حذفت اللام من أن فهو نصبٌ، كما أنَّك لو حذفت اللام من لإيلاف كان نصباً. هذا قول الخليل. ولو قرؤها: " وإنّ هذه أمّتكم أمةً واحدةً " كان جيّداً، وقد قرىء.
ولو قلت: جئتك إنَّك تحب المعروف، مبتدأً كان جيداً.
وقال سبحانه وتعالى: " فدعا ربّه أنِّي مغلوبٌ فانتصر " . وقال: " ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه أنَّي لكم نذير مبين " ، إنما أراد بأنِّي مغلوب، وبأنيِّ لكم نذير مبين، ولكنه حذف الباء. وقال أيضاً: " وأنّ المساجد لّله فلا تدعوا مع الَّله أحداً " بمنزلة: " وأنّ هذه أمّتكم أمّة واحدةً " ، والمعنى: ولأنّ هذه أمّتكم فاتقون، ولأن المساجد للّه فلا تدعوا مع الَّله أحداً.
وأما المفِّسرون فقالوا: على أوحى، كما كان " وأنّه لما قام عبد اللّه يدعوه " على أوحي. ولو قرئت: وإنّ المساجد لّله كان حسناً.
واعلم أن هذا البيت ينشد على وجهين على إرادة اللام، وعلى الابتداء. قال الفرزدق.
منعت تميماً منك أنِّى أنا ابنها ... وشاعرها المعروف عند المواسم
وسمعنا من العرب من يقول: إنِّي أنا ابنها.
وتقول: لبيك إنّ الحمد والنعمة لك، وإن شئت قلت أنّ. ولو قال إنسان: إنّ " أنَّ في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرف كثر استعماله في كلامهم، فجاز فيه حذف الجارّ كما حذفوا ربّ في قولهم:
وبلدٍ تحسبه مكسوحا
لكان قولاً قوياً. وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك والأوّل قول الخليل. ويقوّى ذلك قوله: " وأنّ المساجد للّه " ؛ لأنهم لا يقدِّمون أنّ ويبتدئونها ويعملون فيها ما بعدها. إلاّ أنه يحتجُّ الخليل بأنّ المعنى معنى اللام. فإذا كان الفعل أو غيره موصّلاً إليه باللام جاز تقديمه وتأخيره، لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى، فاحتملوا هذا المعنى كما قال: حسبك ينم الناس؛ إذ كان فيه معنى الأمر. وسترى مثله، ومنه ما قد مضى.
هذا باب إنَّما وأنَّما
اعلم أنَّ كلِّ موضع تقع فيه أنَّ تقع فيه أنَّما،وما ابتدىء بعدها صلةُ لها كما أنّ الذي ابتدىْ بعد الذي صلة له. ولا تكون هي عاملةً فيما بعدها كما لا يكون الذّي عاملاً فيما بعده.
فمن ذلك قوله عزّ وجلّ: " قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنّما إلهكم إله واحدٌ " . وقال الشاعر، ابن الإطنابة:
أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذر النُّذور عليَّا
أنَّما تقتل النِّيام ولا تقت ... ل يقظان ذا سلاحٍ كميَّا
فإنّما وقعت أنّما ههنا لأنك لو قلت: أنّ إلهكم إله واحدٌ، وأنك تقتل النيام كان حسنا. وإن شئت قلت: إنَّما تقتل النيام، على الابتداء. زعم ذلك الخليل.
فأمّا إنَّما فلا تكون اسماً، وإنّما هي فيما زعم الخليل بمنزلة فعل ملغى، مثل: أشهد لزيد خير منك، لأنَّها تعمل فيما بعدها ولا تكون إلاَّ مبتدأةً بمنزلة إذا، لا تعمل في شيء.
واعلم أن الموضع الذي لا يجوز فيه أنَّ لا تكون فيه إنَّما إلاَّ مبتدأةً وذلك قولك: وجدتك إنما أنت صاحب كلّ خنى لم يجز ذلك، لأنَّك إذا قلت أرى أنه منطلق فإنما وقع الرأي على شيء لا يكون الكاف التي في وجدتك ونحوها من الأسماء فمن ثم لم يجز لأنك لو قلت وجدتك أنك صاحب كل خنى رأيتك أنك منطلق،فإنما أدخلت إنَّما على كلامٍ مبتدأ؛ كأنك قلت:وجدتك أنت صاحب كلِّ خىً، ثم أدخلت إنما على هذا الكلام، فصار كقولك: إنَّما أنت صاحب كلّ خنىً، لأنَّك أدخلتها على كلام قد عمل بعضه في بعض. ولم تضع إنَّما في موضع ذاك إذا قلت وجدتك ذاك، لأنّ ذاك هو الأوّل، وأنَّما وأنَّ إنّما يصيِّران الكلام شأناً وحديثاً، فلا يكون الخبر ولا الحديث الرجل ولا زيداً، ولا أشباه ذلك من الأسماء.وقال كثيَّر.
أراني ولا كفران لَّله إنَّما ... أواخي من الأقوام كلَّ بخيلٍ
لأنه لو قال: " أنَّى " ههنا كان غير جائز لما ذكرنا، فإنَّما ههنا بمنزلتها في قولك: زيدٌ إنما يواخي كلَّ بخيل. وهو كلام مبتدأ، وإنَّما في موضع خبره، كما أنك إذا قلت: كان زيدٌ أبوه منطلق. فهو مبتدأ وهو في موضع خبره.
وتقول: وجدت خبره أنَّما يجالس أهل الخبث؛ لأنك تقول: أرى أمره أنَّه يجالس أهل الخبث، فحسنت أنَّه ها هنا لأنّ الآخر هو الأوّل.
باب تكون فيه أنَّ بدلا من شيء
هو الأول


وذلك قولك: بلغتني قصَّتك أنّك فاعلٌ، وقد بلغني الحديثُ أنَّهم منطلقون، وكذلك القصّة وما أشبهها.
هذا باب تكون فيه أنَّ بدلاً
من شيءٍ ليس بالآخر
من ذلك: " وإذ يعدكم الَّله إحدى الطائفتين أنَّها لكم " ، فأنَّ مبدلة من إحدى الطَّائفتين، موضوعة في مكانها، كأنك قلت: وإذ يعدكم الَّله إن،ّ إحدى الطائفتين لكم، كما أنَّك إذا قلت: رأيت متاعك بعضه فوق بعض،فقد أبدلت الآخر من الأول، وكأنَّك قلت: رأيت بعض متاعك فوق بعض، كما جاء الأوّل على معنى وإذ يعدكم الَّله أنّ إحدى الطائفتين لكم.
ومن ذلك قوله عز وجل: " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنَّهم إليهم لا يرجعون " . فالمعنى والَّله أعلم: ألم يروا أنَّ القرون الذين أهلكناهم إليهم لا يرجعون.
ومما جاء مبدلاً من هذا الباب: " أيعدكم أنَّكم إذا متُّم وكنتم تراباً وعظاماً أنَّكم مخرجون " ، فكأنّه على: أيعدكم أنَّكم مخرجون إذا متّم، وذلك أريد بها، ولكنّه إنما قدّمت أنَّ الأولى ليعلم بعد أيّ شيءٍ الإخراج.
ومثل ذلك قولهم: زعم أنّه إذا أتاك أنَّه سيفعل، وقد علمت أنّه إذا فعل أنّه سيمضي.
ولا يستقيم أن تبتدىء إنَّ ها هنا كما تبتدىء الأسماء أو الفعل، إذا قلت: قد علمت زيداً أبوه خير منك، وقد رأيت زيداً يقول أبوه ذاك، لأنّ إنَّ لا تبتدأ في كلّ موضع، وهذا من تلك المواضع.
وزعم الخليل: أ،ّ مثل ذلك قوله تبارك وتعالى: " ألم يعلموا أنَّه من يحادد اللَّه ورسوله فأنّ له نار جهنّم " . ولو قال: " فإنّ " كانت عربيّة جيّدة.
وسمعناهم يقولون في قول ابن مقبلٍ:
وعلمي بأسدام المياه فلم تزل ... قلائص تخدى في طريقٍ طلائح
وأنَّى إذا ملَّت ركابي مناخها ... فإنِّي على حظَّي من الأمر جامح
وإن جاء في الشعر قد علمت أنّك إذا فعلت إنَّك سوف تغتبط به، تريد معنى الفاء جاز. والوجه والحدّ ما قلت لك أوّل مرةٍ.
وبلغنا أن الأعرج قرأ: " أنَّه من عمل منكم سوأً بجهالةٍ ثمّ تاب من بعده وأصلح فإنّه غفور رحيم " . ونظيره ذا البيت الذي أنشدتك.
هذا باب من أبواب أنّ
تكون أنّ فيه مبنية على ما قبلها
وذلك قولك: أحقاً أنَّك ذاهبٌ، وآلحقَّ أنَّك ذاهب، وكذلك إن أخبرت فقلت: حقا " ً أنَّك ذاهبٌ. والحق أنك ذاهب وكذلك أأكبر ظنَّك أنك ذاهبٌ، وأجهد رأيك أنَّك ذاهبٌ. وكذلك هما في الخبر.
وسألت الخليل فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقاً إنَّك ذاهبٌ على القلب، كأنَّك قلت: إنَّك ذاهبٌ حقاً، وإنَّك ذاهب الحقَّ، وأنَّك منطلقٌ حقاً؟ فقال: ليس هذا من مواضع إنَّ؛ لأنّ إنَّ لا يبتدأ بها في كل موضع. ولو جاز هذا لجاز يوم الجمعة، إنك ذاهب، تريد إنك ذاهب يوم الجمعة ولقلت أيضاً لا محالة إنك ذاهبٌ، تريد إنك لا محالة ذاهب، فلما لم يجز ذلك حملوه على: أفي حقًّ أنَّك ذاهب، وعلى: أفي أكبر ظنَّك أنَّك ذاهبٌ، وصارت أنَّ مبنيةً عليه، كما يبني الرحيل على غدٍ إذا قلت: غداً الرحيل. والدليل على ذلك إنشاد العرب هذا البيت كما أخبرتك.
زعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر:
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندلٍ ... تهدُّدكم إيَّاي وسط المجالس
فزعم الخليل: أنَّ التهدّدها هنا بمنزلة الرحيل بعد غدٍ، وأنَّ أن بمنزلته، وموضعه كموضعه.
ونظير: أحقّاً أنَّك ذاهبٌ من أشعار العرب قول العبديّ:
أحقّاً أنَّ جيرتنا استقّلوا ... فنيَّتنا ونيَّتهم فريق
قال: فريق، كما تقول للجماعة:هم صديق. وقال الَّله تعالى جدَّه: " عن اليمين وعن الشَّمال قعيد " . وقال عمر بن أبي ربيعة:
أألحق أن دار الرَّباب تباعدت ... أو أنبتَّ حبل أنَّ قلبك طائر
وقال النابغة الجعدي
ألا أبلغ بني خلفٍ رسولاً ... أحقاً أنّ أخطلكم هجاني
فكلُّ هذه البيوت سمعناها من أهل الثقة هكذا.
والرفع في جميع ذا حيّد قوىّ، وذلك أنَّك إن شئت قلت: أحقُّ أنَّك ذاهبٌ، وأأكبر ظنَّك أنك ذاهبٌ، تجعل الآخر هو الأول.
وأما قولهم: لا محالة أنَّك ذاهبٌ، فإنما حملوا أنّ على أنَّ فيه إضمار من، على قوله: لا محالة من أنَّك ذاهب كما تقول لا بد أنك ذاهب كأنك قلت لا بد من أنك ذاهب حين لم يجز أن يحملوا الكلام على القلب.


وسألته عن قولهم: أمّا حقّاً فإنك ذاهب، فقال: هذا جيد، وهذا الموضع من مواضع إنَّ. ألا ترى أنَّك تقول: أمّا يوم الجمعة فإنَّك ذاهبٌ وأمّا فيها فإنَّك داخل. فإنما جاز هذا في أماَّ لأنَّ فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شيء فإنَّك ذاهبٌ.
وأمّا قوله عزّ وجل: " لا جرم أنَّ لهم النّار " فأنَّ جرم عملت فيها لأنَّها فعل، ومعناها: لقد حقَّ أنّ لهم النار. ولقد استحق أن لهم النار وقول المفسَّرين: معناها: حقّاً أنَّ لهم النار، يدلُّك أنَّها بمنزلة هذا الفعل إذا مثَّلت، فجرم بعد عملت في أنَّ عملها في قول الفزاريّ:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنةً ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي: أحقّت فزارة.
وزعم الخليل: أنَّ لا جرم إنَّما تكون جواباً لما قبلها من الكلام، يقول الرجل كان كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنَّهم سيندمون أو أنَّه سيكون كذا وكذا.
وتقول: أمّا جهذ رأيي فأنَّك ذاهبٌ؛ لأنَّك لم تصطَّرَّ إلى أن تجعله ظرفاً كما اضطررت في الأوّل. وهذا من مواضع إنَّ، لأنَّك تقول: أما في رأيي فإنَّك ذاهب، أي فأنت ذاهب، وإن شئت قلت فأنَّك. وهو ضعيف؛ لأنَّك إذا قلت: أمّا جهد رأيي فإنك عالم لم تضطرّ إلى أن تجعل الجهد ظرفاً للقصة، لأنَّ ابتداء إنَّ يحسن ها هنا.
وتقول: أمّا في الدار فإنك قائمُ ، لا يجوز فيه إلاَّ إنَّ، تجعل الكلام قصّةً وحديثاً، ولم ترد أن تخبر أنّ في الدار حديثه، ولكنَّك أردت أن تقول: أما في الدار فأنت قائم فمن ثم لم يعمل في أي شيء أردت أن تقول. أمّا في الدار فحديثك وخبرك قلت: أمّا في الدار فأنّك منطلقٌ، أي هذه القصَّة.
ويقول الرجل: ما اليوم؟ فتقول: اليوم أنَّك مرتحلٌ، كأنَّه قال: في اليوم رحلتك . وعلى هذا الحدّ تقول: أمّا اليوم فأنَّك مرتحلٌ.
وأما قولهم: أمّا بعد فإنّ الَّله قال في كتابة، فإنه منزلة قولك: أمّا اليوم فإنَّك، ولا تكون بعد أبداً مبنياً عليها إذا لم تكن مضافةً ولا مبنّية على شيء، إنَّما تكون لغواً.
وسألته عن شدَّ ما أنَّك ذاهٌب، وعزَّ ما أنَّك ذاهبٌ، فقال: هذا بمنزلة حقاً أنّك ذاهٌب، كما تقول: أما أنّك ذاهبٌ، بمنزلة حقاً أنَّك ذاهبٌ. ولو بمنزلة لولا، ولا تبتدأ بعدها الأسماء سوى أنَّ، نحو لو أنّك ذاهبٌ. ولولا تبتدأ بعدها الأسماء، ولو بمنزلة لولا، وإن لم يجز فيها ما يجوز فيما يشبهها . تقول: لو أنّه ذهب لفعلت. وقال عزّ وجلّ: " لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربيّ " . وإن شئت جعلت شدَّما وعزَّما كنعم ما، كأنّك قلت: نعم العمل أنّك تقول الحقَّ.
وسألته عن قوله: كما أنّه لا يعلم ذلك فتجاوز الَّله عنه، وهذا حقُّ كما أنّك ها هنا، فزعم أنّ العاملة في أنَّ الكاف وما لغو، إلا أنّ ما لا تحذف من ها هنا كراهية أن يجيء لفظها مثل لفظ كأنَّ، كما ألزموا النون لأفعلنَّ، واللام قولهم إن كان ليفعل، كراهية أن يلتبس اللفظان.
ويدلّلك على أن الكاف هي العاملة قولهم: هذا حقُّ مثل ما أنّك ها هنا. وبعض العرب يرفع فيما حدَّثنا يونس، وزعم أنه يقول أيضاً: " إنَّه لحقُّ مثل ما أنَّكم تنطقون " ، فلولا أنَّ ما لغو لم يرتفع مثل، وإن نصبت مثل فما أيضاً لغوٌ، لأنَّك تقول: مثل أنّك ها هنا. وإن جاءت ما مسقطة من الكاف في الشعر جاز، كما قال النابغة الجعدي:
قرومٍ تسامى عند باب دفاعه ... كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا
فما لا تحذف ها هنا كما لا تحذف في الكلام من أنَّ، ولكنه جاز في الشعر، كما حذفت ماالتي في إمّا كقوله:
وإن من خريف فلن يعدما
هذا بابٌ من أبواب إنَّ
تقول: قال عمرو إن زيداًُ خيرٌ منك، وذلك لأنّك أردت أن تحكي قوله، ولا يجوز أن تعمل قال في إنَّ كما لا يجوز لك أن تعملها في زيد وأشباهه إذا قلت: قال زيدٌ عمروٌ خير الناس، فأنَّ لا تعمل فيها قال كما لا تعمل قال فيما تعمل فيه أنَّ؛ لأن أنَّ تجعل الكلام شأناً، وأنت لا تقول قال الشأن متفاقماً، كما تقول: زعم الشأن متفاقماً. فهذه الأشياء بعد قال حكاية.
ومثل ذلك: " وإذ قال موسى لقومه إنّ الّله يأمركم أن تذبحوا بقرة " وقال أيضاً: " قال الَّله إنّى منزَّلها عليكم " . وكذلك جميع ما جاء من ذا في القرآن.


وسألت يونس عن قوله: متى تقول أنّه منطلقٌ؟ فقال: إذا لم ترد الحكاية وجعلت تقول مثل تظنُّ، قلت: متى تقول أنَّك ذاهبٌ. وإن أردت الحكاية قلت: متى تقول إنّك ذاهبٌ. كما أنَّه يجوز لك أن تحكي فتقول: متى تقول زيد منطلقٌ، وتقول: قال عمروٌ إنّه منطلق. فإن جعلت الهاء عمراً أو غيره فلا تعمل قال، كما لا تعمل إذا قلت قال عمروٌ هو منطلقٌ. فقال: لم تعمل ها هنا شيئاً وإن كانت الهاء هي القائل،كما لا تعمل شيئاً إذا قلت قال وأظهرت هو. فقال لا تغّيَّر الكلام عن حاله قبل أن تكون فيه قال، فيما ذكرناه.
وكان عيسى يقرأ هذا الحرف: " فدعا ربَّه إنّى مغلوبٌ فانتصر أراد أن يحكي، كما قال عزّ وجلّ: " والذَّين اتَّخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم " كأنه قال والَّله أعلم: قالوا ما نعبدهم. ويزعمون أنَّها في قراءة ابن مسعود كذا. ومثل ذلك كثيرٌ في القرآن.
وتقول: أوّل ما أقول أنّى أحمد الَّله، كأنك قلت: أوّل ما أقول الحمد لَّله، وأنَّ في موضعه. وإن أردت الحكاية قلت: أول ما أقول إنّي أحمد الّله.
هذا باب آخر من أبواب إن
وذلك قولك: قد قاله القوم حتّى إنَّ زيداً يقوله، وانطلق القوم حتّى إنّ زيداً لمنطلق. فحتَّى ها هنا معلَّقة لا تعمل شيئاً في إنَّّ، كما لا تعمل إذا قلت: حتى زيد ذاهبٌ، فهذا موضع ابتداء وحتَّى بمنزلة إذا. ولو أردت أن تقول حتّى أنّ تقول حتّى أنّ في ذا الموضع كنت محيلا، لأنَّ أنَّ وصلتها بمنزلة الانطلاق، ولو قلت: انطلق القوم حتّى الانطلاق أو حتّى الخبر كان محالاً لأنَّ أنَّ تصيَّر الكلام خبراً، فلما لم يجز ذا حمل على الابتداء.
وكذلك إذا قلت: مررت فإذا إنّه يقول أنَّ زيداً خير منك.
وسمعت رجلاً من العرب ينشد هذا البيت كما أخبرك به:
وكنت أرى زيداً كما قيل سيداً ... إذا إنّه عبد القفا والَّلهازم
فحال إذا هاهنا كما لهل إذا قلت: إذا هو عبد القفا واللازم وإنما جاءت إن ها هنا لأنَّك هذا المعنى أردت، كما أردت في حتَّى معنى حتّى هو منطلق.
ولو قلت: مررت فإذا أنّه عبدٌ، تريد مررت به فإذا أمره العبوديّة واللؤم، كأنَّك قلت: مررت فإذا العبوديّة واللؤم، ثم وضعت أنَّ في هذا الموضع جاز.
وتقول: قد عرفت أمورك حتَّى أنك أحمق، كأنك قلت عرفت أمورك حتى حمقك، ثم وضعت أنَّ في هذا الموضع. هذا قول الخليل.
وسألته هل يجوز: كما أنّك ههنا على حد قوله: كما أنت هاهنا، فقال: لا؛ لأنّ إنَّ لا يبتدأ بها في كل موضع، ألا ترى أنّك لا تقول: يوم الجمعة إنّك ذاهب، ولا كيف إنك صانع. فكما بتلك المنزلة.
هذا باب آخر من أبواب إنِّ
تقول: ما قدم علينا أمير إِّلا إنّه مكرم لي؛لأنَّه ليس ههنا شيء يعمل في إنَّ. ولا يجوز أن تكون عليه أنَّ، وإنَّما تريد أن تقول: ما قدم علينا أمير إَّلا هو مكرم لي، فكما لا تعمل في ذا لا تعمل في إنّ.
ودخول اللام ههنا يدلّك على أنه موضع ابتداء. وقال سبحانه: " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إَّلا إنَّهم ليأكلون الطَّعام " . ومثل ذلك قول كثيّر:
ما أعطياني ولا سألتهما ... إّلا وإنِّي لحاجزي كرمى
وكذلك لو قال: إَّلا وإنِّي حاجزي كرمى.
وتقول: ما غضبت عليك إّلا أنّك فاسقٌ، كأنك قلت: إّلا لأنَّك فاسقٌ.
وأما قوله عز وجل: " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إَّلا أنهم كفروا بالله " ، فإّنما حمله على منعهم.
وتقول إذا أردت معنى اليمين: أعطيته ما إنَّ شرَّه خير من جيِّد ما معك، وهؤلاء الذين إَّن أجنبهم لأشجع من شجعائكم. وقال الله عّز وجّل: " وآتيناه من الكنوز ما إَّن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوَّة؛ فإن صلةٌ لما، كأنك قلت: ما والله إّن شرَّه خير من جيّد ما معك.
هذا باب آخر من أبواب إَّن


تقول: أشهد إنّه لمنطلق، فأشهد بمنزلة قوله: واللهّ إنّه لذاهب. وإَّن غير عاملة فيها أشهد، لأنّ هذه اللام لا تلحق أبدأ إّلا في الابتداء. ألا ترى أنك تقول: أشهد لعبد اّلله خير من زيد، كأنك قلت: واللهّ لعبد اللهّ خيرٌ من زيد، فصارت إنَّ مبتدأةً حين ذكرت اللام هنا، كما كان عبد اّلله مبتدأً حين أدخلت فيه اللام.فإذا ذكرت اللام ههنا لم تكن إّلا مكسورةً، كما أنّ عبد اللّه لا يجوز هنا إَّلا مبتدأً. ولو جاز أن تقول: أشهد أنّك لذاهبٌ، لقلت أشهد بلذاك. فهذه اللام لا تكون إلاَّ في الابتداء، وتكون أشهد بمنزلة واّلله.
ونظير ذلك قول اّلله عّز وجلَّ: " واللهّ يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون " وقال عّز وجلَّ: " فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ باّلله إنَّه لمن الصَّادقين " ؛ لأنّ هذا توكيدُ كأنّه قال: يحلف باللّه إنه لمن الصادقين.
.وقال الخليل: أشهد بأنّك لذاهبُ غير جائز، من قبل أنَّ حروف الجرّ لا تعَّلق. وقال: أقول أشهد إنه لذاهبٌ وإنهّ لمنطلق ، أتبع آخره أولّه. وإن قلت: أشهد أنّه ذاهبُ، وإنه لمنطلقُ،.لم يجز إلاَّ الكسر في الثاني، لأن اللام لا تدخل أبدا على أنَّ، وأن محمولةُ على ما قبلها ولا تكون إّلا مبتدأةً باللام.
ومن ذلك أيضاً قولك: قد علمت إنّه لخير منك. فإنَّ ههنا مبتدأةُ وعلمت ههنا بمنزلتها في قولك: لقد علمت أيّهم أفضل،معلقةَّ في الموضعين جميعاً.
وهذه اللام تصرف إنَّ إلى لابتداء، كما تصرف عبد اللّه إلى الابتداء إذا قلت قد علمت لعبد اللّه خيرُ منك، فعبد اّلله هنا بمنزلة إنَّ في أنه يصرف إلى الابتداء.
ولو قلت: قد علمت أنّه لخيرُ منك، لقلت: قد علمت لزيداً خيراً منك، ورأيت لعبد اّلله هو الكريم، فهذه اللام لا تكون مع أنَّ ولا عبد اّلله إلاَّ وهما مبتدءان.
ونظير ذلك قوله عزّ وجل: " ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاقٍ " ،فهو ههنا مبتدأ.
ونظير إنَّ مكسورةً إذا لحقتها اللام قوله تعالى: " ولقد علمت الجنةَّ إنَّهم لمحضرون " وقال أيضاً: " هل ندلكم على رجلٍ ينبئِّكم إذا مزّقتم كلَّ ممزَّقٍ إنَّكم لفي خلق جديد " ، فإنكم ههنا بمنزلة أيّهم إذا قلت: ينبئهم أيّهم أفضل.
وقال الخليل مثله: إنَّ اللّه يعلم ما تدعون من دونه من شيء فما ههنا بمنزلة أيّهم، ويعلم معلقة. قال الشاعر:
ألم تر إنّي وابن أسود ليلةً ... لنسري إلى نارين يعلو سناهما
سمعناه ممن ينشده من العرب.
وسألت الخليل عن قوله: أحقاً إنَّك لذاهبٌ، فقال: لا يجوز، كما لا يجوز: يوم الجمعة إنّه لذاهبٌ.
وزعم الخليل ويونس أنه لا تلحق هذه اللام مع كّل فعل. ألا ترى أنك لا تقول: وعدتك إنّك لخارجٌ، إنمّا يجوز هذا في العلم والظنّ ونحوه، كما يبتدأ بعدهنّ أيهّم. فإن لم تذكر اللام قلت: قد علمت أنّه منطلقٌ، لا تبتدئه وتحمله على الفعل، لأنه لم يجيء ما يضطرّك إلى الابتداء، وإنما ابتدأت إنَّ حين كان غير جائز أن تحمله على الفعل، فإذا حسن أن تحمله على الفعل لم تخطَّ الفعل إلى غيره.
ونظير ذلك قوله: إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌّ، حملته على الفعل حين لم يجز أن تبتدىء بعد إن الأسماء، وكما قال: أما أنت منطلقاً انطلقت معك، حين لم يجز إن تبتدىء الكلام بعد أمَّا، فاضطررت في هذا الموضع إلى أن تحمل الكلام على الفعل. فإذا قلت: إنّ زيداً منطلقٌ لم يكن في إنَّ إلاّ الكسر لأنَّك لم تضطر إلى شيء. ولذلك تقول: أشهد أنك ذاهبٌ، إذا لم تذكر اللام. وهذا نظير هذا.
وهذه كلمةٌ تكلّم بها العرب في حال اليمين، وليس كلُّ العرب تتكلم بها، تقول:لهنَّك لرجل صدق، فهي إنَّ ولكنهم أبدلوا الهاء مكان الألف كقوله: هرقت، ولحقت هذه اللام إنَّ كما لحقت ما حين قلت: إنّ زيدا لما لينطلقنَّ، فلحقت إنَّ اللام في اليمين كما لحقت ما فاللام الأولى في لهنك لام اليمين، والثانية لام إنَّ.وفي لما لينطلقنَّ اللام الأولى لأن، والثانية لليمين. والدليل على ذلك النون التي معها كما أنَّ اللام الثانية في قولك: إن زيدا لما ليفعلنَّ لام اليمن، وقد يجوز في الشعر: أشهد إنّ زيدا ذاهبٌ، يشبهها بقوله: واّلله إنه ذاهبٌ؛ لأن معناها معنى اليمين، كما أنّه لو قال: أشهد أنت ذاهبٌ ولم يذكر اللام إلاَّ ابتداءً، وهو قبيح ضعيف إلاّ باللام.


ومثل ذلك في الضعف: علمت إنَّ زيدا ذاهبٌ، كما أنَّه ضعيف: قد علمت عمروٌ خيرٌ منك، ولكنَّه على إرادة اللام، كما قال عزّ وجل: " قد أفلح من زكَّاها " ، وهو على اليمين. وكان في هذا حسناً حين طال الكلام.
وسألت الخليل عن كأنَّ، فزعم أنهَّا إنَّ، لحقتها الكاف للتشبيه، ولكنهَّا صارت مع إنَّ بمنزلة كلمة واحدة، وهي نحو كأيٍّ رجلاً، ونحو له كذا وكذا درهماً.
وأما قول العرب في الجواب إنَّه، فهو بمنزلة أجل. وإذا وصلت قلت إنَّ يا فتى، وهي التي بمنزلة أجل.
قال الشاعر:
بكر العواذل في الصَّبو ... ح يلمنني وألومهنهَّ
ويلقن شيبٌ قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنَّه
؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هذا باب أن وإن
فأن مفتوحة تكون على وجوه: فأحدها أن تكون فيه أن وما تعمل فيه من الأفعال بمنزلة مصادرها، والآخر: أن تكون فيه بمنزلة أي. ووجهٌ آخر تكون فيه لغواً. ووجهٌ آخر هي فيه مخففةَ من الثقيلة. فأمّا الوجه الذي تكون فيه لغواً فنحو قولك: لمَّا أن جاءوا ذهبت، وأما واللّه أن لو فعلت لأكرمتك.
وأما إن فتكون للمجازاة، وتكون أن يبتدأ ما بعدها في معنى اليمين، وفي اليمين، كما قال اّلله عزّ وجلّ: " إن كلّ نفسٍ لما عليها حافظٌ " " وإن كلّ لما جميع لدينا محضرون " .
وحدثني من لا أتهم، عن رجل من أهل المدينة موثوق به، أنه سمع عربيّا يتكّلم بمثل قولك: إن زيدٌ لذاهبٌ، وهي التي في قوله جلّ ذكره: " وإن كانوا ليقولون. لو أنَّ عندنا ذكراً من الأوَّلين " وهذه إنَّ محذوفةٌ.
وتكون في معنى ما. قال اللّه عزّ وجلّ: " إن الكافرون إلاَّ في غرورٍ " ، أي: ما الكافرون إلاّ في غرور.
وتصرف الكلام إلى الابتداء، كما صرفتها ما إلى الابتداء في قولك: إنمَّا، وذلك قولك: ما إن زيدٌ ذاهبٌ. وقال فروة بن مسيك:
وما إن طبّنا جبنٌ ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
هذا باب من أبواب أن
التي تكون والفعل بمنزلة مصدر
تقول: أن تأتيني خيرٌ لك، كأنّك قلت: الإتيان خيرٌ لك. ومثل ذلك قوله تبارك وتعالى: " وأن تصوموا خيرٌ لكم " ، يعني الصوم خيرٌ لكم.
وقال الشاعر، عبد الرحمن بن حسّان:
إنّي رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا حرَّ الثياب وتشبعوا
كأنه قال: رأيت حسبكم لبس الثياب.
واعلم أنّ اللام ونحوها من حروف الجرّ قد تحذف من أن كما حذفت من أنَّ، جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت: فعلت ذاك حذر الشرِّ، أي لحذر الشّر. ويكون مجروراً على التفسير الآخر.
ومثل ذلك قولك: إنّما انقطع إليك أن تكرمه، أي: لأن تكرمه.
ومثل ذلك قولك: لا تفعل كذا وكذا أن يصيبك أمر تكرهه، كأنّه قال: لأن يصيبك أو من أجل أن يصيبك. وقال عزّ وجل: " أن تضلَّ إحداهما " ، وقال تعالى: " أأن كان ذا مالٍ وبنين " كأنه قال: ألأن كان ذا مال وبنين. وقال الأعشى:
أأن رأت رجلاً أعشى أضربَّه ... ريب المنّون ودهرٌ مفسدٌ خبل
فأن هاهنا حالها في حذف حرف الجرّ كحال أنَّ، وتفسيرها كتفسيرها، وهي مع صلتها بمنزلة المصدر.
ومن ذلك أيضاً قوله: ائتني بعد أن يقع الأمر، وأتاني بعد أن وقع الأمر، كأنَّه قال: بعد وقوع الأمر.
ومن ذلك قوله: أمّا أن أسير إلى الشأم فما أكرهه، وأمّا أن أقيم فانّ فيه أجراً، كأنه قال: أما السيّرورة فما أكرهها، وأمّا الإقامة فلى فيها أجرٌ.
وتقول: لا يلبث أن يأتيك، أي لا يلبث عن إتيانك. وقال تعالى: " فما كان جواب قومه إلاَّ أن قالوا " ، فأن محمولة على كان، كأنَّه قال: فما كان جواب قومه إلاّ قول كذا وكذا. وإن شئت رفعت الجواب فكانت أن منصوبةً.
وتقول: ما منعك أن تأتينا، أراد من إتياننا. فهذا على حذف حرف الجرّ.
وفيه ما يجيء محمولاً على ما يرفع وينصب من الأفعال، تقول: قد خفت أن تفعل، وسمعت عربّياً يقول: أنعم أن تشدَّه، أي بالغ في أن يكون ذلك هذا المعنى، وأن محمولة على أنعم. وقال جلّ ذكره: " بئسما اشتروا به أنفسهم " ، ثم قال: أن يكفروا على التفسير، كأنه قيل له ما هو؟ فقال: هو أن يكفروا.
وتقول: إني مّما أن أفعل ذاك، كأنه قال: إنّي من الأمر أو من الشأن أن أفعل ذاك، فوقعت ما هذا الموقع، كما تقول العرب: بئسما له، يريدون بئس الشيء ماله.


وتقول: ائتني بعد ما تقول ذاك القول، كأنك قلت: ائتني بعد قولك ذاك القول، كما أنك إذا قلت بعد أن تقول فإنما تريد ذاك، ولو كانت بعد مع ما بمنزلة كلمةٍ واحدة لم تقل: ائتني من بعد ما تقول ذاك القول، ولكانت الدال على حالٍ واحدة.
وإن شئت قلت: إنّي مّما أفعل، فتكون ما مع من بمنزلة كلمة واحدة نحو ربمَّا. قال أبو حيّة النميّري:
وإنّا لممَّا نضرب الكبش ضربةً ... على رأسه تلقى اللسان من الفم
وتقول إذا أضفت إلى الأسماء: إنّه أهل أن يفعل، ومخافة أن يفعل، وإن شئت قلت: إنّه أهل أن يفعل، ومخافة أن يفعل، كأنك قلت: إنّه أهل لأن يفعل، ومخافة لأن يفعل. وهذه الإضافة كإضافتهم بعض الأشياء إلى أن. قال:
تظلّ الشمس كاسفةً عليه ... كآبة أنهّا فقدت عقيلاً
وتقول: أنت أهلٌ أن تفعل، أهلٌ عاملة في أن، كأنك قلت: أنت مستحقٌ أن تفعل. وسمعنا فصحاء العرب يقولون: لحقّ أنّه ذاهبٌ، فيضيفون، كأنه قال: ليقين أنه ذاهبٌ، أي ليقين ذاك أمرك. وليست في كلام كلّ العرب.
وتقول: إنّه خليقٌ لأن يفعل، وإنّه خليقٌ أن يفعل، على الحذف.
وتقول: عسيت أن تفعل، فأن هاهنا بمنزلتها في قولك: قاربت أن تفعل، أي: قاربت ذاك، وبمنزلة: دنوت أن تفعل.
واخلو لقت السماء أن تمطر، أي: لأن تمطر. وعسيت بمنزلة اخلولقت السماء.
ولا يستعملون المصدر هنا كما لم يستعملوا الاسم الذي الفعل في موضعه كقولك: اذهب بذي تسلم، ولا يقولون: عسيت الفعل، ولا عسيت للفعل.
وتقول: عسى أن يفعل، وعسى أن يفعلوا، وعسى أن يفعلا وعسى محمولة عليها أن، كما تقول: دنا أن يفعلوا،وكما قالوا: اخلولقت السماء أن تمطر، وكلَّ ذلك تكلَّم به عامة العرب.
وكينونة عسى للواحد والجميع والمؤنثَّ تدلك على ذلك. ومن العرب من يقول: عسى وعسيا وعسوا، وعست وعستا وعسين. فمن قال ذلك كانت أن فيهن بمنزلتها في أنَّها منصوبة.
واعلم أنَّهم لم يستعملوا عسى فعلك، استغنوا بأن تفعل عن ذلك، كما استغنى أكثر العرب بعسى عن أن يقولوا: عسيا وعسوا، وبلو أنّه ذاهبٌ عن لو ذهابه. ومع هذا أنَّهم لم يستعملوا المصدر في هذا الباب، كما لم يستعملوا الاسم الذي في موضعه يفعل في عسى وكاد، فترك هذا لأنَّ من كلامهم الاستغناء بالشيء عن الشيء.
واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، يشبهها بكاد يفعل، فيفعل حينئذ في موضع الاسم المنصوب في قوله: عسى الغوير أبؤساً. فهذا مثل من أمثال العرب أجروا فيه عسى محرى كان. قال هدبة:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريب
وقال:
عسى اّلله يغنى بلاد ابن قادرٍ ... بمنهمرٍ جون الرَّباب سكوب
وقال:
فأمّا كيَّسٌ فنجا ولكن ... عسى يغترّ بي حمقٌ لئيم
وأمّا كاد فإنَّهم لا يذكرون فيها أن، وكذلك كرب يفعل، ومعناهما واحد. يقولون: كرب يفعل، وكاد يفعل ولا يذكرون الأسماء في موضع هذه الأفعال لما ذكرت لك في الكرّاسة التي تليها.
ومثله: جعل يقول، لا تذكر الاسم ههنا. ومثله أخذ يقول، فالفعل ههنا بمنزلة الفعل في كان إذا قلت: كان يقول، وهو في موضع اسم منصوب بمنزلته ثمَّ، وهو ثمَّ خبرٌ كما أنه ههنا خبر، إلاَّ أنَّك لا تستعمل الاسم، فأخلصوا هذه الحروف للأفعال كما خلصت حروف الاستفهام للأفعال نحو: هلاَّ وألاَّ.
وقد جاء في الشعر كاد أن يفعل، شبهّوه بعسى. قال رؤبة:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
والمحص مثله.
وقد يجوز في الشعر أيضاً لعلِّى أن أفعل، بمنزلة عسيت أن أفعل.
وتقول: يوشك أن تجيء،وأن محمولة على يوشك. وتقول: توشك أن تجيء، فأن في موضع نصب، كأنك قلت: قاربت أن تفعل.
وقد يجوز يوشك يجيء، بمنزلة عسى يجيء، وقال أمّية بن أبي الصَّلت:
يوشك من فرَّ من منيّته ... في بعض غرّاته يوافقها
وهذه الحروف التي هي لتقريب الأمور شبيهةٌ بعضها ببعض، ولها نحو ليس لغيرها من الأفعال.
وسألته عن معنى قوله: أريد لأن أفعل، إنَّما يريد أن يقول إرادتي لهذا، كما قال عزَّ وجلَّ: " وأمرت لأن أكون أوَّل المسلمين " إنمّا هو أمرت لهذا.
وسألت الخليل عن قول الفرزدق:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزَّتا ... جهاراً ولم تغضب لقتل ابن خازم


فقال: لأنه قبيح أن تفصل بين إن والفعل، كما قبح أن تفصل بين كي والفعل، فلمّا قبح ذلك ولم يجز حمل على إن، لأنَّه قد تقدّم فيها الأسماء قبل الأفعال.
باب ما تكون فيه أن بمنزلة أي
وذلك قوله عزّ وجل: " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا " زعم الخليل أنه بمنزلة أي، لأنّك إذا قلت: انطلق بنو فلان أن امشوا، فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي، ومثل ذلك:ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا اّلله. وهذا تفسير الخليل. ومثل هذا في القرآن كثير.
وأما قوله: كتبت إليه أن افعل، وأمرته أن قم، فيكون على وجهين: على أن تكون أن التي تنصب الأفعال ووصلتها بحرف الأمر والنهي، كما تصل الذي بتفعل إذا خاطبت حين تقول أنت الذي تفعل، فوصلت أن بقم لأنه في موضع أمر كما وصلت الذي بتقول وأشباهها إذا خاطبت.
والدليل على أنها تكون أن التي تنصب، أنَّك تدخل الباء فتقول: أوعزت إليه بأن افعل، فلو كانت أي لم تدخلها الباء كما تدخلها الباء كما تدخل في الأسماء.
والوجه الآخر: أن تكون بمنزلة أي، كما كانت بمنزلة أي في الأوّل.
وأمّا قوله عزَّ وجلَّ: " وآخر دعواهم أن الحمد للهّ ربّ العالمين " ، وآخر قولهم أن لا إله إلاّ الله، فعلى قوله أنّه الحمد لله، ولا إله إلا اّلله. ولا تكون أن التي تنصب الفعل؛ لأنّ تلك لا يبتدأ بعدها الأسماء. ولا تكون أي، لآنّ أي إنّما تجيء بعد كلام مستغنٍ ولا تكون في موضع المبنيِّ على المبتدأ.
ومثل ذلك: وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدَّقت الرّؤيا كأنه قال جلّ وعزّ: ناديناه أنَّك قد صدّقت الرؤيا يا إبراهيم.
وقال الخليل: تكون أيضاً على أي. وإذا قلت: أرسل إليه أن ما أنت وذا؟ فهي على أي، وإن أدخلت الباء على أنَّك وأنَّه، فكأنه يقول: أرسل إليه بأنَّك ما أنت وذا، جاز ويدّلك على ذلك: أنَّ العرب قد تكلّم به في ذا الموضع مثقلاً.
ومن قال: والخامسة أن غضب اّلله عليها، فكأنه قال: أنَّه غضب اّلله عليها، لا تخِّففها في الكلام أبداً وبعدها الأسماء إلاَّ وأنت تريد الثقيلة مضمراً فيها الاسم، فلو لم يريدوا ذلك لنصبوا كما ينصبون في الشعِّر إذا اضطروا بكأن إذا خففّوا، يريدون معنى كأنَّ، ولم يريدوا الإضمار، وذلك قوله:
كأن وريديه رشاء خلب
وهذه الكاف إنَّما هي مضافة إلى أنّ، فلمَّا اضطررت إلى التخفيف فلم تضمر لم يغيِّر ذلك أن تنصب بها، كما أنَّك قد تحذف من الفعل فلا يتغيّر عن عمله، ومثل ذلك قول الأعشى:
في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالكٌ كلّ من يحفى وينتعل
كأنه قال: أنَّه هالك:ٌ ومثل ذلك: أوّل ما أقول أن بسم الله، كأنه قال: أوّل ما أقول أنَّه بسم الله. وإن شئت رفعت في قول الشاعر:
كأن وريداه رشاء خلب
على مثل الإضمار الذي في قوله: إنَّه من يأتها تعطه، أو يكون هذا المضمر هو الذي ذكر، كما قال:
كأن ظبيةٌ تعطو إلى وارق السَّلم
ولو أنَّهم إذ حذفوا جعلوه بمنزلة إنما كما جعلوا إن بمنزلة لكن لكان وجهاً قويّا.
وأمّا قوله: أن بسم الله، فإنما يكون على الإضمار، لأنّك لم تذكر مبتدأ أو مبنيّاً عليه. والدليل على أنهم إنّما يخففّون على إضمار الهاء، أنك تستقبح: قد عرفت أن يقول ذاك، حتّى تقول أن لا، أو تدخل سوف أو السين أو قد. ولو كانت بمنزلة حروف الابتداء لذكرت الفعل مرفوعاً بعدها كما تذكره بعد هذه الحروف، كما تقول: إنما تقول ولكن تقول
باب آخر تكون أن فيه مخففّة
وذلك قولك: قد علمت أن لا يقول ذاك، وقد تيقّنت أن لا تفعل ذاك، كأنه قال: أنَّه لا يقول وأنَّك لا تفعل.
ونظير ذلك قوله عزَّ وجلَّ: " علم أن سيكون منكم مرضى " وقوله: " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً " ، وقال أيضاً: " لئلاَّ يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء " .
وزعموا أنَّها في مصحف أبيّ ٍ: أنَّهم لا يقدرون.
وليست أن التي تنصب الأفعال تقع في هذا الموضع، لأنّ ذا موضع يقين وإيجابٍ.
وتقول: كتبت إليه أن لا تقل ذاك، وكتبت غليه أن لا يقول ذاك وكتبت إليه أن لا تقول ذاك.
فأمّا الجزم فعلى الأمر. وأمّا النصب فعلى قولك لئلاَّ يقول ذاك.وأمّا الرفع فعلى قولك: لأنّك لا تقول ذاك أو بأنَّك لا تقول ذاك، تحبره بأنّ ذا قد وقع من أمره.


فأمّا ظننت وحسبت وخلت ورأيت، فانَّ أن تكون فيها على وجهين: على أنها تكون أن التي تنصب الفعل، وتكون أنَّ الثقيلة. فإذا رفعت قلت: قد حسبت أن لا يقول ذاك، وأرى أن سيفعل ذاك. ولا تدخل هذه السين في الفعل ههنا حتى تكون أنّه. وقال عزَّ وجلَّ: " وحسبوا أن لا تكون فتنةٌ " ، كأنك قلت: قد حسبت أنَّه لا يقول ذاك. وإنمّا حسنت أنَّه ههنا لأنك قد أثبتَّ هذا في ظِّنك كما أثبتَّه في علمك، وأنَّك أدخلته في ظنّك على أنه ثابتٌ الآن كما كان في العلم، ولولا ذلك لم يحسن أنَّك ههنا ولا أنَّه، فجرى الظنّ ههنا مجرى اليقين لأنَّه نفيه. وإن شئت نصبت فجعلتهن بمنزلة خشيت وخفت، فتقول: ظننت أن لا تفعل ذاك.
ونظير ذلك: تظنّ أن يفعل بها فاقرةٌ و: إن ظنَّا أن يقيما حدود الله. فلا إذا دخلت ههنا لم تغيرّ الكلام عن حاله وإنمّا منع خشيت أن تكون بمنزلة خلت وظننت وعلمت إذا أردت الرفع أنك لا تريد أن تخبر أنك تخشى شيئاً قد ثبت عندك ولكنه كقولك: أرجو، وأطمع، وعسى. فأنت لا توجب إذا ذكرت شيئاً من هذه الحروف، ولذلك ضعف أرجو أنَّك تفعل، وأطمع أنَّك فاعلٌ.
ولو قال رجلٌ: أخشى أن لا تفعل، يريد أن يخبر أنه يخشى أمراً قد استقرّ عنده كائن، جاز. وليس وجه الكلام.
واعلم أنَّه ضعيفٌ في الكلام أن تقول: قد علمت أن تفعل ذاك ولا قد علمت أن فعل ذاك حتَّى تقول: سيفعل أو قد فعل، أو تنفي فتدخل لا؛ وذلك لأنَّهم جعلوا ذلك عوضاً مما حذفوا من أنَّه، فكرهوا أن يدعوا السين أو قد إذ قدروا على أن تكون عوضاً، ولا تنقص ما يريدون لو لم يدخلوا قد ولا السين.
وأمّا قولهم: أما أن جزاك اللّه خيراٍ، فإنَّهم إنما أجازوه لأنه دعاءٌ، ولا يصلون إلى قد ههنا ولا إلى السين. وكذلك لو قلت: أما أن يغفر اللّه لك جاز لأنّه دعاءٌ، ولا تصل هنا إلى السين. ومع هذا أيضاً أنَّه قد كثر في كلامهم حتّى حذفوا فيه إنَّه، وإنَّه لا تحذف في غير هذا الموضع. سمعناهم يقولون: أما إن جزاك الله خيراً، شبهّوه بأنَّه، فلمَّا جازت إنَّ كانت هذه أجوز.
وتقول: ما علمت إلاَّ أن أن تقوم، وما أعلم إلا أن تأتيه، إذا لم ترد أن تخبر أنك قد علمت شيئاً كائناً البتّة، ولكنك تكلّمت به على وجه الإشارة كما تقول: أرى من الرأي أن تقوم، فأنت لا تخبر أنّ قياماً قد ثبت كائناً أو يكون فيما تستقبل البتَّة، فكأنه قال: لو قمتم. فلو أراد غير هذا المعنى لقال: ما علمت إلاَّ أن ستقومون.
وإنمَّا جاز قد علمت أن عمروٌ ذاهبٌ، لأنّك قد جئت بعده باسم وخبر كما كان يكون بعده لو ثقَّلته وأعملته، فلمَّا جئت بالفعل بعد أن جئت بشيء كان سيمتنع أن يكون بعده لو ثقّلته أو قلت: قد علمت أن يقول ذاك، كان يمتنع، فكرهوا أن يجمعوا عليه الحذف وجواز ما لم يكن يجوز بعده مثقّلا، فجعلوا هذه الحروف عوضاً.
؟ ؟؟؟؟هذا باب أم وأو
أمّا أم فلا يكون الكلام بها إلاَّ استفهاماً. ويقع الكلام بها في الاستفهام على وجهين: على معنى أيّهما وأيهّم، وعلى أن يكون الاستفهام الآخر منقطعاً من الأوّل.
وأمّا أو فإنما يثبت بها بعض الأشياء، وتكون في الخبر. والاستفهام يدخل عليها على ذلك الحّد. وسأبيّن لك وجوهه إن شاء اللّه تعالى.
؟باب أم إذا كان الكلام بها بمنزلة أيّهما
وأيّهم
وذلك قولك: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، وأزيداً لقيت أم بشراً؟ فأنت الآن مدَّع أنَّ عنده أحدهما، لأنَّك إذا قلت: أيهما عندك، وأيَّهما لقيت. فأنت مدّعٍ أنّ المسئول قد لقي أحدهما،أو أنّ عنده أحدهما، الاَّ أن علمك قد استوى فيهما لا تدري أيهّما هو.
والدليل على أن قولك: أزيدٌ عندك أم عمروٌ بمنزلة قولك: أيّهما عندك، أنَّك لو قلت: أزيدٌ عندك أم بشرٌ فقال المسئول: لا، كان محالا، كما أنَّه إذا قال: أيهّما عندك، فقال: لا فقد أحال.
واعلم أنّك إذا أردت هذا المعنى فتقديم الاسم أحسن، لأنك لا تسأله عن اللّقى، وإنَّما تسأله عن أحد الاسمين لا تدري أيّهما هو، فبدأت بالاسم لأنَّك تقصد قصد أن يبين لك أيّ الاسمين في هذا الحال، وجعلت الاسم الآخر عديلاً للأوّل، فصار الذي لا تسأل عنه بينهما.
ولو قلت: ألقيت زيداً أم عمراً كان جائزاً حسناً، أو قلت: أعندك زيدٌ أم عمرو كان كذلك.


وإنّما كان تقديم الاسم ههنا أحسن ولم يجز للآخر إلاَّ أن يكون مؤخراً، لأنه قصد قصد أحد الاسمين، فبدأ بأحدهما، لأنّ حاجته أحدهما، فبدأ به مع القصة التي لا يسأل عنها، لأنّه إنّما يسأل عن أحدهما من أجلها، فإنما يفرغ مما يقصد قصده بقصّته ثم يعدله بالثاني.
ومن هذا الباب قوله: ما أبالي أزيداً لقيت أم عمراً، وسواءٌ عليَّ أبشراً كلّمت أم زيدا، كما تقول: ما أبالي أيَّهما لقيت. وإنَّما جاز حرف الاستفهام ههنا لأنّك سوّيت الأمرين عليك كما استويا حين قلت: أزيدٌ عندك أم عمرو، فجرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النِّداء قولهم: اللهمَّ اغفر لنا أيَّتها العصابة.
وإنمّا لزمت أم ههنا لأنّك تريد معنى أيَّهما. ألا ترى أنَّك تقول: ما أبالي أيّ ذلك كان، وسواءٌ عليَّ أيّ ذلك كان، فالمعنى واحد، وأيّ ههنا تحسن وتجوز كم جازت في المسألة.
ومثل ذلك: ما أدري أزيدٌ ثمَّ أم عمروٌ، وليت شعري أزيدٌ ثمَّ أم عمروٌ، فإنَّما أوقعت أم ههنا كما أوقعته في الذي قبله؛ لأنّ ذا يجرى على حرف الاستفهام حيث استوى علمك فيهما كما جرى الأوّل. ألا ترى أنّك تقول، ليت شعري أيّهما ثمّ، وما أدري أيهّما ثمَّ، فيجوز أيهّما ويحسن، كما جاز في قولك: أيهّما ثمَّ.
وتقول: أضربت زيداً أم قتلته، فالبدء ههنا بالفعل أحسن، لأنّك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيّهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما، فالبدء بالفعل ههنا أحسن، كما كان البدء بالاسم ثمَّ فيما ذكرنا أحسن كأنّك قلت: أيّ ذاك كان بزيدٍ. وتقول: أضربت أم قتلت زيداً لأنك مدَّعٍ أحد الفعلين: ولا تدري أيهمّا هو، كأنك قلت: أيّ ذاك كان بزيد.
وتقول: ما أدري أقام أم قعد، إذا أردت: ما أدري أيّهما كان. وتقول: ما أدري أقام أو قعد، إذا أردت: أنه لم يكن بين قيامه وقعوده شيءٌ، كأنّه قال: لا أدَّعي أنه كان منه في تلك الحال قيامٌ ولا قعودٌ بعد قيامه أي: لم أعدَّ قيامه قياماً ولم يستبن لي قعودٌ بعد قيامه، وهو كقول الرجل: تكلمت ولم تكلَّم.
هذا باب أم منقطعةً
وذلك قولك: أعمروٌ عندك أم عندك زيدٌ، فهذا ليس بمنزلة: أيهَّما عندك. ألا ترى أنك لو قلت: أيّهما عندك عندك، لم يستقم إلاَّ على التكرير والتوكيد.
ويدلّك على أن هذا الآخر منقطعٌ من الأوّل قول الرجل: إنِّها لإبلٌ ثم يقول: أم شاءٌ يا قوم. فكما جاءت أم ههنا بعد الخبر منقطعةً، كذلك تجيء بعد الاستفهام، وذلك أنه حين قال: أعمروٌ عندك فقد ظنَّ أنَّه عنده، ثم أدركه مثل ذلك الظنّ في زيد بعد أن استغنى كلامه، وكذلك: إنها لإبلٌ أم شاءٌ، إنّما أدركه الشكّ حيث مضى كلامه على اليقين.
وبمنزلة أم ههنا قوله عزّ وجلَّ: " آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من ربّ العالمين. أم يقولون افتراه " ، فجاء هذا الكلام على كلام العرب قد علم تبارك وتعالى وذلك من قولهم، ولكن هذا على كلام العرب ليعرَّفوا ضلالتهم.
ومثل ذلك: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون. أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين، كأنَّ فرعون قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء. فقوله: أم أنا خيرٌ من هذا، بمنزلة: أم أنتم بصراء؛ لأنّهم لو قالوا: أنت خيرٌ منه كان بمنزلة قولهم: نحن بصراء عنده وكذلك: أم أنا خيرٌ بمنزلته لو قال: أم أنتم بصراء.
ومثل ذلك قوله تعالى: " أم اتَّخذ ممَّا يخلق بناتٍ وأصفاكم بالبنين " .فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون: أنّ الله عزّ وجلَّ لم يتخَّذ ولداً، ولكنه جاء حرف الاستفهام ليبصَّروا ضلالتهم. ألا ترى أنّ الرجل يقول للرجل: آلسعادة أحبّ إليك أم الشقّاء؟ وقد علم أنّ السعادة أحبّ إليه من الشقاء، وأنّ المسئول سيقول: السعادة، ولكنَّه أراد أن يبصّر صاحبه وأن يعلمه.
ومن ذلك أيضاً: أعندك زيدٌ أم لا، كأنه حيث قال: أعندك زيدٌ، كان يظنّ أنه عنده ثم أدركه مثل ذلك الظنّ في أنه ليس عنده فقال: أم لا.
وزعم الخليل أنّ قول الأخطل:
كذبتك عنك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلاّم من الرَّباب خيالا
كقولك: إنَّها لإبلٌ أم شاءٌ. ومثل ذلك قول الشاعر، وهو كثَّير عزّة:
أليس أبي بالَّنضر أم ليس والدي ... لكلّ نجيبً من خزاعة أزهرا


ويجوز في الشعر أن يريد بكذبتك الاستفهام ويحذف الإلف. قال التميمي، وهو الأسود بن يعفر:
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً ... شعيث بن سهمٍ أم شعيث بن منقر
وقال عمر بن أبي ربيعة:
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً ... بسبعٍ رمين الجمر أم بثمان
هذا باب أو
تقول: أيَّهم تضرب أو تقتل، تعمل أحدهما، ومن يأتيك أو يحدّثك أو يكرمك؛ لا يكون ههنا إلاَّ أو؛ من قبل أنك إنما تستفهم عن الاسم المفعول، وإنما حاجتك إلى صاحبك أن يقول: فلانٌ.
وعلى هذا الحدّ يجرى ما، ومتى، وكيف، وكم، وأين.
وتقول: هل عندك شعيرٌ أو برٌّ أو تمرٌ؟ وهل تأتينا أو تحدّثنا، لا يكون إلاَّ ذلك. وذاك أنّ هل ليست بمنزلة ألف الاستفهام، لأنك إذا قلت: هل تضرب زيداً، فلا يكون أن تدَّعي أنّ الضرب واقعٌ، وقد تقول: أتضرب زبداً وأنت تدَّعي أنَّ الضرب واقعٌ.
ومما يدلّك على أن ألف الاستفهام ليست بمنزلة هل أنك تقول للرجل: أطرباً! وأنت تعلم أنّه قد طرب، لتوبَّخه وتقِّرره. ولا تقول هذا بعد هل.
وإن شئت قلت: هل تأتيني أم تحدّثني، وهل عندك برٌّ أم شعيرٌ، على كلامين. وكذلك سائر حروف الاستفهام التي ذكرنا.
وعلى هذا قالوا: هل تأتينا أم هل تحدّثنا. قال زفر بن الحارث:
أبا مالك هل لمتنى مذ حضضتني ... على القتل، أم هل لامني لك لائم
وكذلك سمعناه من العرب. فأمَّا الذين قالوا: أم هل لامني لك لائم فإنَّما قالوه على أنه أدركه الظنّ بعد ما مضى صدر حديثه. وأمّا الذين قالوا: أو هل فإنَّهم جعلوه كلاماً واحداً.
وتقول: ما أدري هل تأتينا أو تحدّثنا، وليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا، فهل ههنا بمنزلتها في الاستفهام إذا قلت: هل تأتينا، وإنما أدخلت هل ههنا لأنك إنما تقول: أعلمني، كما أردت ذلك حين قلت: هل تأتينا أو تحدثّنا، فجرى هذا مجرى قوله عزَّ وجلَّ: " هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرّون " ، وقال زهير:
ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بداليا
وقال مالك بن الريب:
ألا ليت شعري هل تغيرَّت الرَّحا ... رحا الحزن أو أضحت بفلجٍ كما هيا
فهذا سمعناه ممن ينشده من بني عِّمه. وقال أناسٌ: أم أضحت على كلامين، كما قال علقمة بن عبدة:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبيرٌ بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم
؟هذا باب آخر من أبواب أو
تقول: ألقيت زيداً أو عمراً أو خالداً، وأعندك زيد أو خالدٌ أو عمروٌ، كأنّك قلت: أعندك أحدٌ من هؤلاء، وذلك أنّك للم تدَّع أن أحداً منهم ثمَّ. ألا ترى أنه إذا أجابك قال: لا، كما يقول إذا قلت: أعندك أحدٌ من هؤلاء.
واعلم أنَّك إذا أردت هذا المعنى فتأخير الاسم أحسن؛ لأنّك إنَّما تسأل عن الفعل بمن وقع. ولو قلت: أزيداً لقيت أو عمراً أو خالداً، وأزيدٌ عندك أو عمروٌ أو خالدٌ كان هذا في الجواز والحسن بمنزلة تأخير الاسم إذا أردت معنى أيهّما. فإذا قلت: أزيدٌ أفضل أم عمرو لم يجز ههنا إلاَّ أم، لأنّك إنَّما تسأل عن أفضلهما ولست تسأل عن صاحب الفضل.
ألا ترى أنَّك لو قلت: أزيدٌ أفضل لم يجز، كما يجوز: أضربت زيداً فذلك يدلّك أنّ معناه معنى أيهّما. إلا أنَّك إذا سألت عن الفعل استغنى بأوّل اسم.
ومثل ذلك: ما أدري أزيدٌ أفضل أم عمروٌ، وليت شعري أزيدٌ أفضل أم عمروّ. فهذا كلّه على معنى أيّهما أفضل.
وتقول: ليت شعري ألقيت زيداً أو عمراً، وما أدري أعندك زيدٌ أو عمروٌ، فهذا يجري مجرى ألقيت زيداً أو عمراً، وأعندك زيدٌ أو عمروٌ. فإن شئت قلت: ما أدري أزيدٌ عندك أو عمروٌ، فكان جائزا حسا كما جاز أزيدٌ عندك أو عمرو.
وتقديم الاسمين جميعاً مثله وهو مَّؤخر وإن كانت أضعف. فأما إذا قلت: ما أبالي أضربت زيداً أم عمراً، فلا يكون هنا إلاَّ أم، لأنه لا يجوز لك السكوت على أوّل الاسمين، فلا يجيء هذا إلاَّ على معنى أيهَّما، وتقديم الاسم ههنا أحسن.
وتقول: أتجلس أو تذهب أو تحدّثنا، وذلك إذا أردت هل يكون شيء من هذه الأفعال. فأمَّا إذا


ادَّعيت أحدهما فليس إلاَّ أتجلس أم تذهب أم تأكل، كأنَّك قلت: أيَّ هذه الأفعال يكون منك.
وتقول: أتضرب زيداً أم تشم عمراً أم تكلّم خالداً. ومثل ذلك أتضرب زيداً أو تضرب عمراً أو تضرب خالداً، إذا أردت هل يكون شيء من ضرب واحد من هؤلاء. وإن أردت أيّ ضرب هؤلاء يكون قلت: أم.
قال حسّان بن ثابت:
ما أبالي أنبَّ بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيم
كأنه قال: ما أبالي أيّ الفعلين كان.
وتقول: أزيداً أو عمراً رأيت أم بشراً، وذلك أنَّك لم ترد أن تجعل عمراً عديلاً لزيد حتى يصير بمنزلة أيّهما، ولكنَّك أردت أن يكون حشواً، فكأنك قلت: أأحد هذين رأيت أم بشراً. ومثل ذلك قول صفَّية بنت عبد المطلب:
كيف رأيت زبرا أأقطاً أو تمرا أم قرشيَّا صقرا
وذلك أنَّها لم ترد أن تجعل لتمر عديلاً للأقط؛ لأنّ المسئول عندها لم يكن عندها ممن قال: هو إما تمرٌ وإمّا أقطٌ وإمّا قرشيٌّ، ولكنها قالت: أهو طعامٌ أم قرشيٌّ، فكأنها قالت: أشيئاً من هذين الشيئين رأيته أم قرشياً.
وتقول: أعندك زيدٌ أو عندك عمروٌ أو عندك خالدٌ؟ كأنَّك قلت: هل عندك من هذه الكينونات شيءٌ؟ فصار هذا كقولك: أتضرب زيداً أو تضرب عمراً أو تضرب خالداً. ومثل ذلك: أتضرب زيداً أو عمراً أو خالداً؟ وتقول: أعاقلٌ عمروٌ أو عالمٌ؟ وتقول: أتضرب عمرا أو تشتمه؟ تجعل الفعلين والاسم بينهما بمنزلة الاسمين والفعل بينهما؛ لأنَّك قد أثبتَّ عمراً لأحد الفعلين كما أثبتَّ الفعل هناك لأحد الاسمين، وادعَّيت أحدهما كما ادَّعيت ثمَّ أحد الاسمين. وإن قدّمت الاسم فعربيٌّ حسن.
وأمّا إذا قلت: أتضرب أو تحبس زيداً؟ فهو بمنزلة أزيدا أو عمراً تضرب. قال جرير:
أثعلبة الفوارس أو رياحاً ... عدلت بهم طهية والخشابا
وإن قلت: أزيدا تضرب أو تقتل؟ كان كقولك: أتقتل زيداً أو عمراً وأم في كلّ هذا جيدّةٌ.
وإذا قال: أتجلس أم تذهب، فأم وأو فيه سواءٌ؛ لأنّك لا تستطيع أن تفصل علامة المضمر فتجعل لأو حالاً سوى حال أم. وكذلك: أتضرب زيداً أو تقتل خالداً، لأنَّك لم تثبت أحد الفعلين لسمٍ واحد.
وإن أردت معنى أيّهما في هذه المسألة قلت: أتضرب زيداً أم تقتل خالدا؟ لأنَّك لم تثبت أحد الفعلين لاسمٍ واحد.
هذا باب أو في غير الاستفهام
تقول: جالس عمراً أو خالدا أو بشراً، كأنَّك: قلت: جالس أحد هؤلاء ولم ترد إنساناً بعينه، ففي هذا دليلٌ أنّ كلهم أهلٌ أن يجالس، كأمَّك قلت: جالس هذا الضرب من الناس.
وتقول: كل لحماً أو خبزا أو تمراً، كأنك: قلت: كل أحد هذه الأشياء. فهذا بمنزلة الذي قبله.
وإن نفيت هذا قلت: لا تأكل خبزا أو لحما أو تمرا. كأنك قلت: لا تأكل شيئاً من هذه الأشياء.
ونظير ذلك قوله عزَّ وجلَّ: " ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً " أي: لا تطع أحداً من هؤلاء.
وتقول: كل خبزا أو تمراً، أي: لا تجمعهما.
ومثل ذلك أن تقول: ادخل على زيد أو عمرو أو خالدٍ، أي: لا تدخل على أكثر من واحدٍ من هؤلاء. وإن شئت جئت به على معنى ادخل على هذا الضرب.
وتقول: خذه بما عزَّ أو هان، كأنه قال: خذه بهذا أو بهذا، أي لا يفوتَّنك على كل حال ومن العرب من يقول: خذه بما عن وهان، أي خذه بالعزيز والهّين، وكلّ واحدة منهما تجزئ عن أختّها.
وتقول: لأضربنَّه ذهب أو مكث، كأنه قال: لأضربنَّه ذاهباً أو ماكثاً، ولأضربنَّه إن ذهب أو مكث. وقال زيادة بن زيد العذريّ:
إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أو تناهى فأقصرا
وقال:
فلست أبالي بعد يوم مطرّفٍ ... حتوف المنايا أكثرت أو أقلَّت
وزعم الخليل أنَّه يجوز: لأضربنَّه أذهب أم مكث، وقال: الدليل على ذلك أنَّك تقول: لأضربنَّك أيّ ذلك كان.


وإنما فارق هذا سواء وما أبالي، لأنَّك إذا قلت: سواءٌ عليَّ أذهبت أم مكثت فهذا الكلام في موضع سواءٌ عليَّ هذان. وإذا قلت: ما أبالي أذهبت أم مكثت هو في موضع: ما أبالي واحداً من هذين. وأنت لا تريد أن تقول في الأوّل: لأضربنَّ هذين، ولا تريد أن تقول: تناهيت هذين، ولكنك إنَّما تريد أن تقول: إن الأمر يقع على إحدى الحالين. ولو قلت: لأضربنَّه أذهب أو مكث لم يجز، لأنَّك لو أردت معنى أيهّما قلت: أم مكث، ولا يجوز لأضربنَّه مكث فلهذا لا يجوز: لأضربنَّه أذهب أو مكث، كما يجوز: ما أدري أقام زيدٌ أو قعد. ألا ترى أنَّك تقول: ما أدري أقام كما تقول: أذهب، وكما تقول: أعلم أقام زيدٌ، ولا يجوز أن تقول: لأضربنَّه أذهب.
وتقول: وكلّ حقٍ له سميّناه في كتابنا أو لم نسمِّه، كأنه قال: وكلّ حقّ له علمناه أو جهلناه، وكذلك كلّ حقٍّ هو لها داخلٍ فيها أو خارجٍ منها، كأنّه قال: إن كان داخلاً أو خارجاً. وإن شاء أدخل الواو كما قال: بما عزَّ وهان.
وقد تدخل أم في: علمناه أو جهلناه وسمّيناه أو لم نسّمه، كما دخلت في: أذهب أم مكث وتدخل أو على وجهين: على أنه يكون صفة للحقّ، وعلى أن يكون حالاً، كما قلت: لأضربنَّه ذهب أو مكث، أي: لأضربنَّه كائناً ما كان. فبعدت أم ههنا حيث كان خبراً في موضع ما ينتصب حالاً، وفي موضع الصفة.
باب الواو التي تدخل عليها ألف الاستفهام
وذلك قولك: هل وجدت فلاناً عند فلانٌ؟ فيقول: أو هو ممن يكون ثمَّ؟ أدخلت ألف الاستفهام.
وهذه الواو لا تدخل على ألف الاستفهام، وتدخل عليها الألف، فإنما هذا استفهامٌ مستقبلٌ بالألف، ولا تدخل الواو على الألف، كما أنّ هل لا تدخل على الواو. فإنمّا أرادوا أن لا يجروا هذه الألف مجرى هل، إذ لم تكن مثلها، والواو تدخل على هل.
وتقول: ألست صاحبنا أو لست أخانا، ومثل ذلك: أما أنت أخانا أو ما أنت صاحبنا، وقوله: ألا تأتينا أو لا تحدّثنا، إذا أردت التقرير أو غيره ثم أعدت حرفاً من هذه الحروف لم يحسن الكلام، إلا أن تستقبل الاستفهام.
وإذا قلت: ألست أخانا أو صاحبنا أو جليسنا، فإنك إنما أردت أن تقول: ألست في بعض هذه الأحوال، وإنمّا أردت في الأوّل أن تقول: ألست في هذه الأحوال كلِّها. ولا يجوز أن تريد معنى ألست صاحبنا أو جليسنا أو أخانا، وتكرِّر لست مع أو، إذا أردت أن تجعله في بعض هذه الأحوال ألا ترى أنّك إذا أخبرت فقلت: لست بشراً أو لست عمراً، أو قلت: ما أنت ببشر، أو ما أنت بعمرو، لم يجيء إلاّ على معنى لا بل ما أنت بعمرو، ولا بل لست بشراً. وإذا أرادوا معنى أنّك لست واحداً منهما قالوا: لست عمرا ولا بشرا، أو قالوا: أو بشرا، كما قال عزَّ وجل: " ولا تطع منهم آثما أو كفوراً:. ولو قلت: أو لا تطع كفورا انقلب المعنى. فينبغي لهذا أن يجيء في الاستفهام بأم منقطعاً من الأوّل، لأن أو هذه نظيرتها في الاستفهام أم، وذلك قولك: أما أنت بعمرو أم ما أنت ببشر، كأنّه قال: لا بل ما أنت ببشر. وذلك: أنّه أدركه الظنّ في أنه بشرٌ بعدما مضى كلامه الأوّل، فاستفهم عنه.
وهذه الواو التي دخلت عليها ألف الاستفهام كثيرةٌ في القرآن. قال الله تعالى جدّه: " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون. أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحّى وهم يلعبون " . فهذه الواو بمنزلة الفاء في قوله تعالى: " أفأمنوا مكر لله " وقال عزَّ وجلَّ: " أئنَّا لمبعوثون. أو آباؤنا الأوَّلون " ، وقال: " أو كلّما عاهدوا عهداً " .
باب تبيان أم لم دخلت على حروف الاستفهام
ولم تدخل على الألف تقول: أم من تقول، أم من تقول، ولا تقول: أم أتقول؟ وذاك لأنّ أم بمنزلة الألف، وليست: أيّ ومن وما ومتى بمنزلة الألف، وإنّما هي أسماء بمنزلة: هذا وذاك، إلاَّ أنهم تركوا ألف الاستفهام ههنا إذ كان هذا النحو من الكلام لا يقع إلا في المسألة، فلمّا علموا أنه لا يكون إلا كذلك استغنوا عن الألف.
وكذلك هل إنمَّا تكون بمنزلة قد، ولكنّهم تركوا الألف إذ كانت هل لا تقع إلاَّ في الاستفهام.


فلت: فما بال أم تدخل عليهن وهي بمنزلة الألف؟ قال: إنّ أم تجيء ههنا بمنزلة لا بل، للتحوَّل من الشيء إلى الشيء، والألف لا تجيء أبداً إلاَّ مستقبلةً، فهم قد استغنوا في الاستقبال عنها واحتاجوا إلى أم؛ إذ كانت لترك شيءً إلى شيء؛ لأنهم لو تركوها فلم يذكروها لم يتبيّن المعنى.
باب ما ينصرف وما لا ينصرف
هذا باب أفعل
اعلم أنّ أفعل إذا كان صفةً لم ينصرف في معرفة ولا نكرة، وذلك لأنَّها أشبهت الأفعال نحو: أذهب وأعلم.
قلت: فما باله لا ينصرف إذا كان صفةً وهو نكرةٌ؟ فقال: لأنَّ الصفات أقرب إلى الأفعال، فاستثقلوا التنوين فيه كما استثقلوه في الأفعال، وأرادوا أن يكون في الاستثقال كالفعل، إذ كان مثله في البناء والزيادة وضارعه، وذلك نحو: أخضر، وأحمر، وأسود، وأبيض، وآدر. فإذا حقّرت قلت: أخيضر وأحيمر وأسيود، فهو على حاله قبل أن تحقّره، من قبل أنّ الزيادة التي أشبه بها الفعل مع البناء ثابتةٌ، وأشبه هذا من الفعل ما أميلح زيداً، كما أشبه أحمر أذهب.
هذا باب أفعل إذا كان اسماً وما أشبه الأفعال من الأسماء التي في أوائلها الزوائد فما كان من الأسماء أفعل، فنحو: أفكلٍ، وأزملٍ، وأيدعٍ، وأربع، لا تنصرف في المعرفة، لأنَّ المعارف أثقل، وانصرفت في النكرة لبعدها من الأفعال، وتركوا صرفها في المعرفة حيث أشبهت الفعل، لثقل المعرفة عندهم.
وأمّا ما أشبه الأفعال سوى أفعل فمثل اليرمع واليعمل، وهو جماع اليعملة، ومثل أكلبٍ. وذلك أنّ يرمعاً مثل: يذهب، واكلبٌ مثل: أدخل. ألا ترى أنَّ العرب لم تصرف أعصر، ولغةٌ لبعض العرب يعصر، لا يصرفونه أيضاً، وتصرف ذلك في النكرة، لأنَّه ليس بصفة.
واعلم أنّ هذه الياء والألف لا تقع واحدةٌ منهما في أوّل اسمٍ على أربعة أحرف إلا وهما زائدتان. ألا ترى أنَّه ليس اسمٌ مثل أفكل يصرف وإن لم يكن له فعلٌ يتصرّف.
ومما يدلّك أنها زائدة كثرة دخولها في بنات الثلاثة، وكذلك الياء أيضاً. وإن لم تقل هذا دخل عليك أن تصرف أفكل وأن تجعل الشيء إذا جاء بمنزلة الّرجازة والّربابة لأنه ليس له فعلٌ، بمنزلة القمطرة والهدملة.
فهذه الياء الألف تكثر زيادتهما في بنات الثلاثة، فهما زائدتان حتى يجيء أمرٌ بيّن نحو: أولقٍ، فانَّ أولقاً إنمَّا الزيادة فيه الواو، يدلّك على ذلك قد ألق الرجل فهو مألوقٌ. ولو لم يتبيّن أمر أولقٍ لكان عندنا أفعل؛ لأنّ أفعل من هذا الضرب أكثر من فوعلٍ. ولو جاء في الكلام شيءٌ نحو أكللٍ وأيققٍ فسميت به رجلاً صرفته، لأنه لو كان أفعل لم يكن الحرف الأوّل إلاّ ساكناً مدغما.
وأمّا أوَّل فهو أفعل. يدلَّك على ذلك قولهم: هو أوّل منه، ومررت بأوّل منك، والأولى وإذا سميّت الرجل بألبب فهو غير مصروف، والمعنى عليه، لأنه من اللّبّ، وهو أفعل. وهو أفعل. ولو لم يكن المعنى هذا لكان فعلل. والعرب تقول: قد علمت ذاك بنات ألبيه يعنون لبّه.
ومما يترك صرفه لأنه يشبه الفعل ولا يجعل الحرف الأول منه زائداً إلاّ بثببتٍ، نحو تنضبٍ، فإنما التاء زائدة لأنه ليس في الكلام شيء على أربعة أحرف ليس أوله زائدة يكون على هذا البناء؛ لأنه ليس في الكلام فعلل.
ومن ذلك أيضاً: ترتب وترتب - وقد يقال أيضاً: ترتب - فلا يصرف. ومن قال ترتبٌ صرف؛ لأنّه وإن كان أوله زائداً فقد خرج من شبه الأفعال.
وكذلك التّدرأ، إنما هو من درأت. وكذلك التتفّل. ويدلك على ذلك قول بعض العرب: التتَّفل، وأنه ليس في الكلام كجعفر.
وكذلك رجلٌ يسَّمى: تألب، لأنَّه تفعل. ويدلك على ذلك أنَّه يقال للحمار ألب يألب، بفعل، وهو طرده طريدته. وإنما قيل له تألبٌ من ذلك.
وأمّا ما جاء نحو: نهشل وتولب فهو عندنا من نفس الحرف، مصروفٌ حتىَّ يجيء أمرٌ يبينَّه. وكذلك فعلت به العرب؟ لأنَّ حال التاء والنون في الزيادة ليست كحال الألف والياء، لأنَّهما لم تكثرا في الكلام زائدتين ككثرتهما. فان لم تقل ذلك دخل عليك أن لا تصرف نهشلا ونهسراً. وهو قول العرب، والخليل، ويونس.
وإذا سمّيت رجلا بإثمد لم تصرفه، لأنَّه يشبه إضرب، وإذا سميّت رجلا بإصبع لم تصرفه، لأنه يشبه إصنع. وإن سمّيته بأبلمٍ لم تصرفه، لأنه يشبه أقتل. ولا تحتاج في هذا إلى ما احتجت إليه في ترتبٍ وأشباهها لأنَّها ألفٌ. وهذا قول الخليل ويونس.


وإنما صارت هذه الأسماء بهذه المنزلة لأنهم كأنهم ليس أصل الأسماء عندهم على أن تكون في أوّلها الزوائد وتكون على هذا البناء. ألا ترى أن تفعل ويفعل في الأسماء قليل. وكان هذا البناء إنّما هو في الأصل للفعل، فلما صار في موضع قد يستثقل فيه التنوين استثقلوا فيه ما استثقلوا فيما هو أولى بهذا البناء منه. والموضع الذي يستثقل فيه التنوين المعرفة. ألا ترى أكثر ما لا ينصرف في المعرفة قد ينصرف في النكرة وإنما صارت أفعل في الصفات أكثر لمضارعة الصِّفة الفعل.
وإذا سمَّيت رجلاً بفعل في أوله زائدة لم تصرفه، نحو يزيد ويشكر وتغلب ويعمر. وهذا النحو أحرى أن لا تصرفه، وإنَّما أقصى أمره أن يكون كتنضبٍ ويرمعٍ.
وجميع ما ذكرنا في هذا الباب ينصرف في النكرة فان قلت: فما بالك تصرف يزيد في النكرة، وإنما منعك من صرف أحمر في النكرة وهو اسم أنه ضارع الفعل؟ فأحمر إذا كان صفةً بمنزلة الفعل قبل أن يكون اسماً فإذا كان اسماً ثم جعلته نكرة فإنما صيرَّته إلى حاله إذ كان صفة.
وأمّا يزيد فإنك لمَّا جعلته اسماً في حال يستثقل فيها التنوين استثقل فيه ما كان استثقل فيه قبل أن يكون اسماً، فلَّما صيرَّته نكرةً لم يرجع إلى حاله قبل أن بكون اسماً. وأحمر لم يزل اسماً.
وإذا سمَّيت رجلاً بإضرب أو أقتل أو إذهب لم تصرفه وقطعت الألفات حتَّى يصير بمنزلة الأسماء، لأنك قد غيِّرتها عن تلك الحال. ألا ترى أنك ترفعها وتنصبها. وتقطع الألف؛ لآن الأسماء لا تكون بألف الوصل، ولا يحتجّ باسمٍ ولا ابن، لقلّة هذا مع كثرة الأسماء. وليس لك أن تغيِّر البناء في مثل ضرب وضورب وتقول: إن مثل هذا ليس في الأسماء؛ لأنك قد تسمِّى بما ليس في الأسماء، إلاَّ أنك استثقلت فيها التنوين كما استثقلته في الأسماء التي شبهَّتها بها نحو: إثمد وإصبعٍ وأبلمٍ، فإنّما أضعف أمرها أن تصير إلى هذا.
وليس شيء من هذه الحروف بمنزلة امرىءٍ، لأن ألف امرىءٍ كأنك أدخلتها حين أسكنت الميم على مرءٌ ومرأً ومرءٍ، فلمَّا أدخلت الألف على هذا الاسم حين أسكنت الميم تركت الألف وصلا، كما تركت ألف إبنٍ، وكما تركت ألف إضرب في الأمر، فإذا سمَّيت بامرىءٍ رجلاً تركته على حاله، لأنَّك نقلته من اسم إلى اسم، وصرفته لأنَّه لا يشبه لفظه لفظ الفعل.
ألا ترى أنك تقول: امرؤٌ وامرىءٍ وامرأً، وليس شيء من الفعل هكذا. وإذا جعلت إضرب أو أقتل اسماً لم يكن له بدٌّ من أن تجعله كالأسماء، لأنَّك نقلت فعلاً إلى اسم. ولو سمَّيته انطلاقاً لم تقطع الألف، لأنَّك نقلت اسماً إلى اسم.
واعلم أن كلَّ اسم كانت في أوله زائدة ولم يكن على مثال الفعل فإنّه مصروف؛ وذلك نحو: إصليتٍ وأسلوبٍ وينبوبٍ وتعضوض، وكذلك هذا المثال إذا اشتققته من الفعل، نحو يضروبٍ وإضريب وتضريب، لأن ذا ليس بفعل وليس باسم على مثال الفعل، وليس بمنزلة عمر. ألا ترى أنك تصرف يربوعاً، فلو كان يضروبٌ بمنزلة يضرب لم تصرفه.
وإنّ سمَّيت رجلاً هراق لم تصرفه، لأن هذه الهاء بمنزلة الألف زائدة، وكذلك هرق بمنزلة أقم.
وإذا سمَّيت رجلاً بتفاعلٍ نحو تضاربٍ، ثم حقَّرته فقلت تضيرب لم تصرفه، لأنه يصير بمنزلة تغلب، ويخرج إلى ما لا ينصرف، كما تخرج هند في التحقير إذا قلت: هنيدة إلى ما لا ينصرف البتَّة في جميع اللغات.
وكذلك أجادل اسم رجل إذا حقَّرته، لأنَّه يصير أجيدل مثل أميلح. وإن سمَّيت رجلاً بهرق قلت: هذا هريق قد جاء، لا تصرف.
هذا باب ما كان من أفعل صفة
في بعض اللغات واسماً في أكثر الكلام
وذلك: أجدلٌ وأخيلٌ وأفعىً. فأجود ذلك أن يكون هذا النحَّو اسماً، وقد جعله بعضهم صفة؛ وذلك لأن الجدل شدَّة الخلق، فصار أجدلّ عندهم بمنزلة شديدٍ.
وأمّا أخيلٌ فجعلوه أفعل من الخيلان للونه، وهو طائر أخضر، وعلى جناحه لمعة سوداء مخالفة للونه.
وعلى هذا المثال جاء أفعىً، كأنَّه صار عندهم صفة وإن لم يكن له فعلٌ ولا مصدر.
وأما أدهم إذا عنيت القيد، والأسود إذا عنيت به الحَّية، والأرقم إذا عنيت الحّية، فإنك لا تصرفه في معرفة ولا نكرة؛ لم تختلف في ذلك العرب.


فإن قال قائل: أصرف هذا لأني أقول: أداهم وأراقم. فأنت تقول: الأبطح والأباطح، وأجارع وأبارق وإنّما الأبرق صفة. وإنما قيل: أبرق لأنّ فيه حمرةً وبياضاً وسواداً كما قالوا: تيسٌ أبرق، حين كان فيه سواد وبياض. وكذلك الأبطح إنّما هو المكان المنبطح من الوادي، وكذلك الأجرع إنما هو المكان المستوى من الرمل المتمكِّن. ويقال: مكانٌ جرعٌ. ولكّن الصفة ربَّما كثرت في كلامهم واستعملت وأوقعت مواقع الأسماء حتَّى يستغنوا بها عن الأسماء، كما يقولون: الأبغث فهو صفة جعل اسماً، وإنما هو لون. ومما يقّوى أنه صفة قولهم: بطحاء وجرعاء، وبرق، فجاء مؤنثّه كمؤنث أحمر.
هذا باب أفعل منك اعلم أنك إنّما تركت صرف أفعل منك لأنّه صفة.
فإن سميّت رجلاً بأفعل هذا، بغير منك، صرفته في النكرة، وذلك نحو أحمدٍ وأصغرٍ وأكبر، لأنك لا تقول: هذا رجلٌ أصغر ولا هذا رجل أفضل، وإنَّما يكون هذا صفة بمنك. ولو سميّته أفضل منك لم تصرفه على حال.
وأمّا أجمع وأكتع فإذا سميّت رجلاً بواحدٍ منهما لم تصرفه في المعرفة وصرفته في النكرة، وليس واحد منهما في قولك: مررت به أجمع أكتع، بمنزلة أحمر لأن أحمر صفة للنكرة، وأجمع وأكتع إنّما وصف بهما معرفة فلم ينصرفا لأنهما معرفة. فأجمع ههنا بمنزلة كلَّهم.
؟؟باب ما ينصرف من الأمثلة وما لا ينصرف تقول: كلّ أفعل يكون وصفا لا تصرفه في معرفة ولا نكرة، وكلّ أفعل يكون اسماً تصرفه في النكرة. قلت: فكيف تصرفه وقد قلت: لا تصرفه. قال لأنّ هذا مثالٌ يمثلَّ به، فزعمت أنَّ هذا المثال ما كان عليه من الوصف لم يجر، فإن كان اسماً وليس بوصف جرى.
ونظير ذلك قولك: كلّ أفعلٍ أردت به الفعل نصبٌ أبدا، فإنمَّا زعمت أنَّ هذا البناء يكون في الكلام على وجوه، وكان أفعل اسماً، فكذلك منزلة أفعل في المسألة الأولى، ولو لم تصرفه ثمَّ لتركت أفعل ههنا نصباً، فإنَّما أفعل ههنا اسمٌ بمنزلة أفكل. ألا ترى أنَّك تقول: إذا كان هذا البناء وصفاً لم أصرفه. وتقول: أفعل إذا كان وصفاً لم أصرفه. فإنَّما تركت صرفه ههنا كما تركت صرف أفكلٍ إذا كان معرفةً.
وتقول: إذا قلت هذا رجلٌ أفعل لم أصرفه على حال، وذلك لأنَّك مثلّت به الوصف خاصّة، فصار كقولك كلّ أفعل زيد نصبٌ أبداً؛ لأنَّك مثَّلت به الفعل خاصَّة.
قلت: فلم لا يجوز أن تقول: كلّ أفعل في الكلام لا أصرفه إذا أردت الذي مثَّلت به الوصف كما أقول: كلّ آدم في الكلام لا أصرفه؟ فقال: لا يجوز هذا، لأنَّه لم يستقرِّ أفعل في الكلام صفةً بمنزلة آدم، وإنَّما هو مثال. ألا ترى أنَّك لوسميَّت رجلاً بأفعلٍ صرفته في النكرة؛ لأنَّ قولك أفعلٌ لا يوصف به شيء، وإنَّما يمَّثل به. وإنَّما تركت التنوين فيه حين مثلَّت به الوصف، كما نصبت أفعلاً حين مثلَّت به الفعل. وأفعلٌ لا يعرف في الكلام فعلاً مستعملاً. فقولك: هذا رجلٌ أفعلٌ بمنزلة قولك: أفعل زيدٌ، فإذا لم تذكر الموصوف صار بمنزلة أفعل إذا لم يعمل في اسم مظهر ولا مضمر.
قلت: فما منعه أن يقول: كلّ أفعل يكون صفةً لا أصرفه، يريد الذي مثلَّت به الوصف. فقال: هذا بمنزلة الذي ذكرنا قبل، لو جاز هذا لكان أفعل وصفاً بائناً في الكلام غير مثال، ولم نكن نحتاج إلى أن أقول: يكون صفة ولكني أقول: لأنَّه صفة؛ كما أنَّك إذا قلت: لا تصرف كلّ آدم في الكلام قلت: لأنه صفة، ولا تقول: أردت به الصفة، فيرى السائل أن آدم يكون غير صفة لأن آدم الصفة بعنيها.
وكذلك إذا قلت: هذا رجلٌ فعلان يكون على وجهين؛ لأنك تقول: هذا إن كان عليه وصفٌ له فعلى لم ينصرف، وإن لم يكن له فعلى انصرف. وليس فعلان هنا بوصفٍ مستعمل في الكلام له فعلى، ولكنه هاهنا بمنزلة أفعل في قولك: كلّ أفعلٍ كان صفةً فأمره كذا وكذا. ومثله كلّ فعلانٍ كان صفة وكانت له فعلى لم ينصرف. وقولك: كانت له فعلى وكان صفةً، يدلّك على أنه مثال.
وتقول: كلّ فعلى أو فعلى كانت ألفها لغير التأنيث انصرف، وإن كانت الألف جاءت للتأنيث لم ينصرف، قلت: كل فعلى أو فعلى، فلم ينَّون؛ لأنّ هذا الحرف مثال. فإن شئت أنثته وجعلت الألف للتأنيث، وإن شئت صرفت وجعلت الألف لغير التأنيث.


وتقول: إذا قلت: هذا رجلٌ فعنلى نّونت لأنك مثلّت به وصف المذكَّر خاّصةً،وفعنلى مثل حبنطًى، ولا يكون إلاّ منوَّناً ألا ترى أنك تقول: هذا رجلٌ حبنطًى يا هذا. فعلى هذا جرى هذا الباب.
وتقول: كلّ فعلى في الكلام لا ينصرف وكلّ فعلاء في الكلام لا ينصرف لأن هذا المثال لا ينصرف في الكلام البتة كما أنك لو قلت: هذا رجل أفعل لم ينصرف، لأنك مثلَّته بما لا ينصرف وهي صفة، فأفعل صفة كفعلاء.
هذا باب ما ينصرف من الأفعال إذا سميت به رجلاً زعم يونس: أنّك إذا سمّيت رجلاً بضارب من قولك: ضارب، وأنت تأمر، فهو مصروف.
وكذلك إن سمّيته ضارب، وكذلك ضرب. وهو قول أبي عمرو والخليل، وذلك لأنَّها حيث صارت اسماً في موضع الاسم المجرور والمنصوب والمرفوع، ولم تجيء في أوائلها الزوائد التي ليس في الأصل عندهم أن تكون في أوائل الأسماء إذا كانت على بناء الفعل غلبت الأسماء عليها إذا أشبهتها في البناء وصارت أوائلها الأوائل التي هي في الأصل للأسماء، فصارت بمنزلة ضارب الذي هو اسم، وبمنزلة حجرٍ وتابلٍ، كما أنَّ يزيد وتغلب يصيران بمنزلة تنضبٍ ويعمل إذا صارت اسماً.
وأمّا عيسى فكان لا يصرف ذلك. وهو خلاف قول العرب، سمعناهم يصرفون الرجل يسَّمى: كعبساً؛ وإنَّما هو فعل من الكعسبة، وهو العدو الشديد مع تداني الخطأ. والعرب تنشد هذا البيت لسحيم بن وثيل اليربوعيّ:
أنا ابن جلا وطلاّع الثنّايا ... مثى أضع العمامة تعرفوني
ولا نراه على قول عيسى ولكنَّه على الحكاية، كما قال:
بنى شاب قرناها تصرّ وتحلب
كأنه قال: أنا ابن الذي يقال له: جلا.
فإن سمّيت رجلاً ضَّرب أو ضرِّب أو ضورب لم تصرف. فأما فعَّل فهو مصروف، ودحرج ودحرج لا تصرفه لأنَّه لا يشبه الأسماء.
ولا يصرفون خضَّم، وهو اسم للعنبر بن عمرو بن تميم.
فإن حقرّت هذه الأسماء صرفتها، لأنَّها تشبه الأسماء، فيصير ضاربٌ وضاربٌ ونحوهما بمنزلة ساعد وخاتم.
فكّل اسم يسمى بشيء من الفعل ليست في أوّله زيادة وله مثال في الأسماء انصرف؛ فإن سمّيته باسمٍ في أوله زيادة وأشبه الأفعال لم ينصرف.
فهذه جملة هذا كلّه.
وإن سميِّت رجلا ببقِّم أو شلَّم وهو بيت المقدس لم تصرفه البتّة؛ لأنه ليس في العربيّة اسمٌ على هذا البناء، ولأنه أشبه فعِّلا، فهو لا ينصرف إذا صار اسماً؛ لأنه ليس له نظيرٌ في الأسماء، لأنَّه جاء على بناء الفعل الذي إنّما هو في الأصل للفعل لا للأسماء، فاستثقل فيه ما يستثقل في الأفعال. فإن حقّرته صرفته.
وإن سميّت رجلاً ضربوا فيمن قال: أكلوني البراغيث قلت: هذا ضربون قد أقبل، تلحق النون كما تلحقها في أولي لو سمّيت بها رجلاً من قوله عزّ وجلّ: " أولى أجنحةٍ " . ومن قال: هذا مسلمون في اسم رجل قال: هذا ضربون، ورأيت ضربين. وكذلك يضربون في هذا القول.
فإن جعلت النون حرف الإعراب فيمن قال هذا مسلمينٌ قلت: هذا ضربينٌ قد جاء. ولو سميّت رجلاً: مسلمينٌ على هذه اللغة لقلت: هذا مسلمينٌ، صرفت وأبدلت مكان الواو ياءً، لأنَّها قد صارت بمنزلة الأسماء، وصرت كأنَّك سميّته بمثل: يبرين. وإنَّما فعلت هذا بهذا حين لم يكن علامةً للإضمار، وكان علامةً للجمع، كما فعلت ذلك بضربت حين كانت علامةً للتأنيث، فقلت هذا ضربة قد جاء. وتجعل التاء هاءً لأنهَّا قد دخلت في الأسماء حين قلت هذه ضربة، فوقفت إذا كانت بعد حرف متحّرك قلبت التاء هاءً حين كانت علامة للتأنيث.
وإن سميَّته ضرباً في هذا القول ألحقته النون، وجعلته بمنزلة رجل سمّى برجلين. وإنمّا كففت النون في الفعل، لأنّك حين ثنيت وكانت الفتحة لازمةً للواحد حذفت أيضاً في الاثنين النون، ووافق الفتح في ذاك النصب في اللفظ، فكان حذف النون نظير الفتح، كما كان الكسر في هيهات نظير الفتح في: هيهات.
وإن سمّيت رجلاً بضربن أو يضربن، لم تصرفه في هذا، لأنه ليس له نظيرٌ في الأسماء؛ لأنَّك إن جعلت النون علامةً للجمع فليس في الكلام مثل: جعفرٍ، فلا تصرفه. وإن جعلته علامةً للفاعلات حكيته. فهو في كلا القولين لا ينصرف.
باب ما لحقته الألف في آخره فمنعه ذلك من الانصراف في المعرفة والنكرة، وما لحقته الألف فانصرف في النكرة ولم ينصرف في المعرفة


أمّا لا ينصرف فيهما فنحو: حبلى وحبارى، وجمزى ودفلى، وشروى وغضبى. وذاك أنَّهم أرادوا أن يفرقوا بين الألف التي تكون بدلاً من الحرف الذي هو من نفس الكلمة، والألف التي تلحق ما كان من بنات الثلاثة ببنات الأربعة، وبين هذه الألف التي تجيء للتأنيث.
فأمّا ذفرى فقد اختلفت فيها العرب، فيقولون: هذه ذفرىً أسيلةٌ، ويقول بعضهم: هذه ذفرى أسيلةٌ، وهي أفلّهما، جعلوها تلحق بنات الثلاثة ببنات الأربعة، كما أن واو جدولٍ بتلك المنزلة.
وكذلك: تترى فيها لغتان.
وأما معزّى فليس فيها إلاّ لغة واحدة، تنوَّن في النكرة.
وكذلك: الأرطى كلهم يصرف. وتذكيره مما يقوّى على هذا التفسير.
وكذلك: العلقى. ألا ترى أنَّهم إذا أنّثوا قالوا: علقاةٌ وأرطاةٌ، لأنهما ليستا ألفى تأنيث.
وقالوا: بهمى واحدة، لأنَّها ألف تأنيث، وبهمى جميع.
وحبنطًى بهذه المنزلة، إنّما جاءت ملحقة بجعفلٍ. وكينونته وصفاً للمذكَّر يدلّك على ذلك، ولحاق الهاء في المؤنث.
وكذلك قبعثرّى؛ لأنك لم تلحق هذه الألف للتأنيث. ألا ترى أنك تقول: قبعثراةٌ، وإنمّا هي زيادة لحقت بنات الخمسة، كما لحقتها الياء في قولك: دردبسٍ.
وبعض العرب يؤّنث العلقى، فينزِّلها منزلة: البهمى، يجعل الألف للتأنيث. وقال العجاج.
يستنّ في علقى وفي مكور
فلم ينونّه.
وإنما منعهم من صرف: دفلى وشروى ونحوهما في النكرة أنّ ألفهما حرف يكسَّر عليه الاسم إذا قلت: حبالى، وتدخل تاء التأنيث لمعنًى يخرج منه، ولا تلحق به أبداً بناءً ببناء، كما فعلوا ذلك بنون رعشنٍ وبتاء سنبته وعفريت. ألا تراهم قالوا: جمزىً فبنوا عليها الحرف، فتوالت فيه ثلاث حركات، وليس شيء يبنى على الألف التي لغير التأنيث نحو نون رعشنٍ، توالى فيه ثلاث حركات فيما عدتّه أربعة أحرف، لأنَّها ليست من الحروف التي تلحق بناءً ببناءً، وإنّما تدخل لمعنى، فلمّا بعدت من حروف الأصل تركوا صرفها، كما تركوا صرف مساجد حيث كسّروا هذا البناء على ما لا يكون عليه الواحد.
وأما موسى وعيسى فإنهما أعجميان لا ينصرفان في المعرفة، وينصرفان في النكرة، أخبرني بذلك من أثق به.
وموسى مفعل، وعيسى فعلى؛ والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة بمنزلة ياء معزى. وموسى الحديد مفعل، ولو سميت بها رجلاً لم تصرفها لأنها مؤنثة بمنزلة معزى إلا أن الياء في موسى من نفس الكلمة.
هذا باب
ما لحقته ألف التأنيث بعد ألف فمنعه ذلك من الانصراف في النكرة والمعرفة وذلك نحو حمراء، وصفراء، وخضراء، وصحراء، وطرفاء، ونفساء، وعشراء، وقوباء، وفقهاء، وسابياء، وحاوياء، وكبرياء. ومثله أيضاً: عاشوراء ومنه أيضاً: أصدقاء وأصفياء. ومنه زمكاَّء وبروكاء وبراكاء، ودبوقاء، وخنفساء، وعنظباء، وعقرباء، وزكرياَء.
فقد جاءت في هذه الأبنية كلَّها للتأنيث. والألف إذا كانت بعد ألف، مثلها إذا كانت وحدها، إلاّ أنَّك همزت الآخرة للتحريك، لأنّه لا ينجزم حرفان، فصارت الهمزة التي هي بدلٌ من الألف بمنزلة الألف لو لم تبدل، وجرى عليها ما كان يجري عليها إذا كانت ثابتة، كما صارت الهاء في هراق بمنزلة الألف.
واعلم أن الألفين لا تزادان أبداً إلا للتأنيث، ولا تزادان أبداً لتلحقا بنات الثلاثة بسرداحٍ ونحوها.ألا ترى أنك لم ترقطّ فعلاء مصروفةً ولم نر شيئاً من بنات الثلاثة فيه ألفان زائدتان مصروفاً.


فإن قلت: فما بال علباءٍ وحرباء؟ فإ،َّ هذه الهمزة التي بعد الألف إنمّا هي بدل من ياءٍ، كالياء التي في درحايةٍ وأشباهها، وإنَّما جاءت هاتان الزائدتان هنا لتلحقا علباء وحرباء، بسرداحٍ وسربالٍ. ألا ترى أن هذه الألف والياء لا تلحقان اسماً فيكون أوّله مفتوحاً، لأنه ليس في الكلام مثل سرداحٍ ولا سربالٍ، وإنما تلحقان لتجعلا بنات الثلاثة على هذا المثال والبناء، فصارت هذه الياء بمنزلة ما هو من نفس الحرف، ولا تلحق ألفان للتأنيث شيئاً فتلحقا هذا البناء به، ولا تلحق ألفان للتأنيث شيئاً على ثلاثة أحرف وأول الاسم مضموم أو مكسور، وذلك لأنَّ هذه الياء والألف إنّما تلحقان لتبلغا بنات الثلاثة بسرداحٍ وفسطاط لا تزادان ههنا إلاّ لهذا، فلم تشركهما الألفان اللتان للتأنيث، كما لم تشركا الألفين في مواضعهما، وصار هذا الموضع ليس من المواضع التي تلحق فيها الألفان اللّتان للتأنيث، وصار لهما إذا جاءتا للتأنيث أبنية لا تلحق فيها الياء بعد الألف، يعني الهمزة. فكذلك لم تلحقا في المواضع التي تلحق فيها الياء بعد الألف.
واعلم أنَّ من العرب من يقول: هذا قوباءٌ كما ترى، وذلك لأنهم أرادوا أن يلحقوه ببناء فسطاط والتذكير يدلّك على ذلك والصرف.
وأما غوغاء، فمن العرب من يجعلها بمنزلة عوراء، فيؤنث ولا يصرف، ومنهم من يجعلها بمنزلة قضقاضٍ، فيذكّر ويصرف، ويجعل الغين والواو مضاعفتين، بمنزلة القاف والضاد. ولا يجيء على هذا البناء إلاّ ما كان مردَّداً. والواحدة غوغاء.
هذا باب ما لحقته نونٌ بعد ألف فلم ينصرف في معرفة ولا نكرة وذلك نحو: عطشان، وسكران، وعجلان، وأشباهها. وذلك أنهم جعلوا النون حيث جاءت بعد ألف كألف حمراء، لأنها على مثالها في عدَّة الحروف والتحرك والسكون، وهاتان الزائدتان قد اختصّ بهما المذكّر. ولا تلحقه علامة التأنيث، كما أن حمراء لم تؤنَّث على بناء المذكَّر. ولمؤنث سكران بناءٌ على حدةٍ كما كان لمذكَّر حمراء بناءٌ على حدة.
فلمّا ضارع فعلاء هذه المضارعة وأشبهها فيما ذكرت لك أجرى مجراها.
باب ما لا ينصرف في المعرفة مما ليست نونه بمنزلة الألف التي في نحو: بشرى، وما أشبهها وذلك كلّ نون لا يكون في مؤنثها فعلى وهي زائدةٌ؛ وذلك نحو: عريانٍ وسرحانٍ وإنسانٍ. يدلك على زيادته سراحٍ فإنما أرادوا حيث قالوا: سرحانٌ أن يبلغوا به باب سرداحٍ، كما أرادوا أن يبلغوا بمعزى باب هجرعٍ.
ومن ذلك: ضبعانٌ. يدلَّك على زيادته قولك: الضَّبع والضبِّاع أشباه هذا كثير.
وإنما تعتبر أزيادة هي أم غير زيادة بالفعل، أو الجمع، أو بمصدر، أو مؤنث نحو: الضَّبع وأشباه ذلك.
وإنما دعاهم إلى أن لا يصرفوا هذا في المعرفة أنّ آخره كآخر ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فجعلوه بمنزلته في المعرفة، كما جعلوا أفكلاً بمنزلة ما لا يدخله التنوين في معرفة ولا نكرة. وذلك أفعل صفةً؛ لأنه بمنزلة الفعل، وكان هذه النون بعد الألف في الأصل لباب فعلان الذي له فعلى، كما كان بناء أفعل في الأصل للأفعال فلما صار هذا الذي ينصرف في النكرة في موضع يستثقل فيه التنوين جعلوه بمنزلة ما هذه الزيادة له في الأصل.
فإذا حقّرت سرحان اسم رجل فقلت: سريحينٌ صرفته، لأن آخره الآن لا يشبه آخر غضبان، لأنّك تقول في تصغير غضبان: غضيبان؛ ويصير بمنزلة غسليٍن وسنينٍ فيمن قال: هذه سنينٌ كما ترى. ولو كنت تدع صرف كل نون زائدة لتركت صرف رعشنٍ، ولكنك إنَّما تدع صرف ما آخره كآخر غضبان، كما تدع صرف ما كان على مثال الفعل إذا كانت الزيادة في أوله. فإذا قلت: إصليت صرفته لأنه لا يشبه الأفعال، فكذلك صرفت هذا لأن آخره لا يشبه آخر غضبان إذا صغّرته. وهذا قول أبي عمروٍ والخليل ويونس.
وإذا سميّت رجلاً: طّحان، أو سمّان من السمن، أو تبّان من الّتبن، صرفته في المعرفة والنكرة، لأنها نونٌ من نفس الحرف، وهي بمنزلة دال حمّاد.
وسألته: عن رجل يسَّمى: دهقان، فقال: إن سميَّته من التَّدهقن فهو مصروف. وكذلك: شيطان إن أخذته من التشيَّطن. فالنون عندنا في مثل هذا من نفس الحرف إذا كان له فعل يثبت فيه النون. وإن جعلت دهقان من الدَّهق، وشيطان من شيَّط لم تصرفه.


وسألت الخليل: عن رجل يسّمى مرّاناً، فقال: أصرفه، لأنَّ المرّان إنما سمِّى للينه، فهو فعّالٌ، كما يسمَّى الحمّاض لحموضته. وإنَّما المرانة اللّين.
وسألته: عن رجل يسَّمى فيناناً فقال: مصروف، لأنَّه فيعالٌ، وإنّما يريد أن يقول لشعره فنونٌ كأفنان الشجر.
وسألته: عن ديوانٍ، فقال: بمنزلة قيراطٍ، لأنَّه من دوّنت. ومن قال ديوانٌ فهو بمنزلة بيطار.
وسألته: عن رمّان فقال: لا أصرفه، وأحمله على الأكثر إذا لم يكن له معنى يعرف.
وسألته: عن سعدان والمرجان، فقال: لا أشكّ في أن هذه النون زائدة، لأنه ليس في الكلام مثل: سرداحٍ ولا فعلالٌ إلاّ مضعَّفاً. وتفسيره كتفسير عريان، وقصّته كقصتّه.
فلو جاء شيء في مثال: جنجانٍ، لكانت النون عندنا بمنزلة نون مرّان، إلاّ أن يجيء أمر بيِّن، أو يكثر في كلامهم فيدعوا صرفه، فيعلم أنَّهم جعلوها زائدة، كما قالوا: غوغاء فجعلوها بمنزلة: عوراء. فلَّما لم يريدوا ذلك وأرادوا أن لا يجعلوا النون زائدة صرفوا، كما أنَّه لو كان خضخاضٌ لصرفته وقلت: ضاعفوا هذه النون.
فإن سمعناهم لم يصرفوا قلنا: لم يريدوا ذلك، يعنى التضعيف، وأرادوا نوناً زائدة، يعنى في: جنحان.
وإذا سميّت رجلاً: حبنطى، أو علقى لم تصرفه في المعرفة، وترك الصرف فيه كترك الصرف في: عريان، وقصتَّه كقصتّه.
وأمّا علباءٌ وحرباء اسم رجل فمصروف في المعرفة والنكرة، من قبل أنَّه ليست بعد هذه الألف نون فيشَّبه آخره بآخر غضبان، كما شبّه آخر علقى بآخر شروى. ولا يشبه آخر حمراء، لأنه بدلٌ من حرفٍ لا يؤنَّث به كالألف، وينصرف على كلّ حال، فجرى عليه ما جرى على ذلك الحرف، وذلك الحرف بمنزلة الياء والواو اللّتين من نفس الحرف.
وسألته عن تحقير علقى، اسم رجل، فقال: أصرفه، كما صرفت سرحان حين حقّرته، لأنَّ آخره حينئذ لا يشبه آخر ذفرى. وأمّا معزى فلا يصرف إذا حقرّتها اسم رجل، من أجل التأنيث. ومن العرب من يؤنّث علقى فلا ينوِّن. وزعموا أنَّ ناساً يذكِّرون معزًى، زعم أبو الخطّاب أنهى سمعهم يقولون:
ومعزىّ هدباً يعلو ... قران الأرض سودانا
ونظير ذلك قول اّلله عّز وجلَّ: " واللهّ يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون " وقال عّز وجلَّ: " فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ باّلله إنَّه لمن الصَّادقين " ؛ لأنّ هذا توكيدُ كأنّه قال: يحلف باللّه إنه لمن الصادقين.
.وقال الخليل: أشهد بأنّك لذاهبُ غير جائز، من قبل أنَّ حروف الجرّ لا تعَّلق. وقال: أقول أشهد إنه لذاهبٌ وإنهّ لمنطلق ، أتبع آخره أولّه. وإن قلت: أشهد أنّه ذاهبُ، وإنه لمنطلقُ،.لم يجز إلاَّ الكسر في الثاني، لأن اللام لا تدخل أبدا على أنَّ، وأن محمولةُ على ما قبلها ولا تكون إّلا مبتدأةً باللام.
ومن ذلك أيضاً قولك: قد علمت إنّه لخير منك. فإنَّ ههنا مبتدأةُ وعلمت ههنا بمنزلتها في قولك: لقد علمت أيّهم أفضل،معلقةَّ في الموضعين جميعاً.
وهذه اللام تصرف إنَّ إلى لابتداء، كما تصرف عبد اللّه إلى الابتداء إذا قلت قد علمت لعبد اللّه خيرُ منك، فعبد اّلله هنا بمنزلة إنَّ في أنه يصرف إلى الابتداء.
ولو قلت: قد علمت أنّه لخيرُ منك، لقلت: قد علمت لزيداً خيراً منك، ورأيت لعبد اّلله هو الكريم، فهذه اللام لا تكون مع أنَّ ولا عبد اّلله إلاَّ وهما مبتدءان.
ونظير ذلك قوله عزّ وجل: " ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاقٍ " ،فهو ههنا مبتدأ.
ونظير إنَّ مكسورةً إذا لحقتها اللام قوله تعالى: " ولقد علمت الجنةَّ إنَّهم لمحضرون " وقال أيضاً: " هل ندلكم على رجلٍ ينبئِّكم إذا مزّقتم كلَّ ممزَّقٍ إنَّكم لفي خلق جديد " ، فإنكم ههنا بمنزلة أيّهم إذا قلت: ينبئهم أيّهم أفضل.
وقال الخليل مثله: إنَّ اللّه يعلم ما تدعون من دونه من شيء فما ههنا بمنزلة أيّهم، ويعلم معلقة. قال الشاعر:
ألم تر إنّي وابن أسود ليلةً ... لنسري إلى نارين يعلو سناهما
هذا باب هاءات التأنيث اعلم أن كلّ هاء كانت في اسم للتأنيث فإنّ ذلك الاسم لا ينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة.
قلت: فما باله انصرف في النكرة وإنما هذه للتأنيث، هلاّ ترك صرفه في النكرة، كما ترك صرف ما فيه ألف التأنيث؟


قال: من قبل أن الهاء ليست عندهم في الاسم،وإنّما هي بمنزلة اسم ضمَّ إلى اسم فجعلا اسما واحداً نحو: حضرموت. ألا ترى أنًّ العرب تقول في حبارى: حبيرًّ، وفي جحجبى: جحيجب ولا يقولون في دجاجةٍ إلا دجيجة، ولا في قرقرة إًّلا قريقرة، كما يقولون في حضرموت،وفي خمسة عشر:خميسة عشر،فجعلت هذه الهاء بمنزلة هذه الأشياء.
ويدلّك على أنًّ الهاء بهذه المنزلة أنّها لم تلحق بنات الثلاثة ببنات الأربعة قّط، ولا الأربعة بالخمسة،لأنًّها بمنزلة: عشر وموت، وكرب في معد يكرب. وإنما تلحق بناء المذكرّ، ولا يبنى عليها الاسم كالألف، ولم يصرفوها في المعرفة، كما يصرفوا معد يكرب ونحوه. وسأبيّن ذلك إن شاء الله.
هذا باب ما ينصرف في المذكر البّتة مما ليس في آخره حرف التأنيث كلَّ مذكّر سّمى بثلاثة أحرف ليس فيه حرف التأنيث فهو مصروف كائناً ما كان،أعجميّا أو عربيّا، أو مؤنّثا، إَّلا فعل مشتقاًّ من الفعل، أو يكون في أوّله زيادة فيكون كيجد ويضع، أو يكون كضرب لا يشبه الأسماء. وذلك أن المذكّر أشدّ تمكّنا، فلذلك كان أحمل للتنوين، فاحتمل ذلك فيما كان على ثلاثة أحرف، لأنَّه ليس شيء من الأبنية أقلُّ حروفا منه، فاحتمل التنوين لخفته ولتمكّنه في الكلام.
ولو سمّيت رجلا قدماً أو حشاً صرفته.فإن حّقرته قلت: قد بمٌ فهو مصروف، وذلك لاستخفافهم هذا التحقير كما استخفّوا الثلاثة، لأنَّ هذا لا يكون إَّلا تحقير أقلَّ العدد، وليس محقَّر أقلُّ حروفا منه، فصار كغير المحَّقر الذي هو أقُّل ما كان غير محَّقر حروفا. وهذا قول العرب والخليل ويونس.
واعلم أن كلّ اسم لا ينصرف فإن الجرّ يدخله إذا أضفته أو أدخلت فيه الألف واللام، وذلك أنَّهم أمنوا التنوين، وأجروه مجرى الأسماء.وقد أوضحته في أوّل الكتاب بأكثر من هذا وإن سمّيت رجلا ببنت أو أخت صرفته، لأنك بنيت الاسم على هذه التاء وألحقها ببناء الثلاثة، كما ألحقوا: سنبتةً بالأربعة. ولو كانت كالهاء لما أسكنوا الحرف الذي قبلها، إنما هذه التاء فيها كتاء عفريتٍ، ولو كانت كألف التأنيث لم ينصرف في النكرة. وليست كالهاء لما ذكرت لك، وإنَّما هذه زيادة في الاسم بني عليها وانصرف في المعرفة. ولو أنَّ الهاء التي في دجاجة كهذه التاء انصرف في المعرفة.
وأن سمَّيت رجلاً بهنه، وقد كانت في الوصل هنتٌ، قلت هنة يا فتى، تحرّك النون وتثبت الهاء؛ لأنّك لم تر مختصًّا متمكنِّا على هذه الحال التي تكون عليها هنة قبل أن تكون اسماً تسكن النون في الوصل، وذا قليل. فإن حوّلته إلى الاسم لزمه القياس.
وإن سّميت رجلاً ضربت قلت: هذا ضربه، لأنه لا يحرَّك ما قبل هذه التاء فتوالى أربع حركات؛ وليس هذا في الأسماء، فتجعلها هاء، وتحملها على ما فيه هاء التأنيث.
هذا باب فعل اعلم أنَّ كل فعلٍ كان اسما معروفا في الكلام أو صفةً فهو مصروف. فالأسماء نحو:صردٍ وجعلٍ، وثقبٍ وحفرٍ، إذا أردت جماع الحفرة والثقُّبة.
وأمّا الصفات فنحو قولك: هذا رجل حطم.
قال الحطم القيسىّ: قد لفَّها الليل بسواقٍ حطمٌ فإنما صرفت ما ذكرت لك، لأنه ليس باسمٍ يشبه الفعل الذي في أوّله زيادة، وليست في آخره زيادة تأنيث، وليس بفعل لا نظير له في الأسماء،فصار ما كان منه اسماً ولم يكن جمعاً بمنزلة حجر ونحوه وصار ما كان منه جمعاً بمنزلة كسرٍ وإبرٍ.
وأما ما كان صفة فصار بمنزلة قولك: هذا رجلٌ عملٌ، إذا أردت معنى كثير العمل.
وأمّا عمر وزفر، فإنما منعهم من صرفهما وأشباههما أنَّهما ليسا كشيء مما ذكرنا، وإنما هما محدودان عن البناء الذي هو أولى بهما، وهو بناؤهما في الأصل، فلمّا خالفا بناءهما في الأصل تركوا صرفهما، وذلك نحو: عامرٍ وزافرٍ.
ولا يجيء عمر وأشباهه محدوداً عن البناء الذي هو أولى به إلا وذلك البناء معرفة. كذلك جرى في الكلام.
فإن قلت: عمرٌ آخر صرفته، لأنه نكرة فتحول عن موضع عامرٍ معرفةً.


وإن حقَّرته صرفته؛ لأنّ فعيلاً لا يقع في كلامهم محدوداً عن فويعلٍ وأشباهه، كما لم يقع فعلٌ نكرة محدوداً عن عامرٍ، فصار تحقيره كتحقير عمرٍو، كما صارت نكرته كصردٍ وأشباهه. وهذا قول الخليل.وزحل معدول في حالةٍ،إذا أردت اسم الكوكب فلا ينصرف.وسالته عن جمع وكتع فقال: هما معرفة بمنزله كلُّهم، وهما معدولتان عن جمع جمعاء، وجمع كتعاء، وهما منصرفان في النكرة.
وسألته عن صغر من قوله: الصغرى وصغر فقال: اصرف هذا في المعرفة لأنه بمنزلة: ثقبةٍ وثقبٍ، ولم يشبهَّ بشيء محدود عن وجهه.
قلت: فما بال أخر لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؟ فقال: لأن أخر خالفت أخواتها وأصلها، وإنما هي بمنزلة: الطوّل والوسط والكبر، لا يكنَّ صفةً إلا وفيهن ألف ولام، فتوصف بهنَّ المعرفة. ألا أنك لا تقول:نسوةٌ صغرٌ، ولا هؤلاء نسوةٌ وسطٌ، ولا تقول: هؤلاء قوم أصاغر. فلما خالفت الأصل وجاءت صفة بغير الألف واللام تركوا صرفها، كما تركوا صرف لكع حين أرادوا يا ألكع، وفسق حين أرادوا يا فاسق. وترك الصرف في فسق هنا لأنه لا يمكن بمنزلة يا رجل للعدل.فإن حقرت أخر اسم رجل صرفته، لأن فعيلاً لا يكون بناءً لمحدد عن وجهه، فلمّا حقَّرت غيّرت البناء الذي جاء محدوداً عن وجهه.
وسألته عن أحاد وثناء ومثنى وثلاث ورباع، فقال: هو بمنزلة أخر، إنما حدُّه واحداً واحداً، واثنين اثنين، فجاء محدوداً عن وجهه فترك صرفه.
قلت أفتصرفه في النكرة؟ قال: لا، لأنه نكرة يوصف به نكرة، وقال لي: قال أبو عمرو: " أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع " صفة، كأنك قلت: أولي أجنحة اثنين اثنين، وثلاثةٍ ثلاثةٍ. وتصديق قول أبي عمروٍ وقول ساعدة بن جؤية:
وعاودني ديني فبتُّ كأنَّما ... خلال ضلوع الصَّدر شرعٌ ممدَّد.
ثم قال:
ولكنَّما أهلي بوادٍ أنيسه ... ذئابٌ تبغَّى الناس مثنى وموحد.
فإذا حَّقرت ثناء وأحاد صرفته، كما صرفت أخيراً وعميراً، تصغير عمر وأخر إذا كان اسم رجل؛ لأنَّ هذا ليس هنا من البناء الذي يخالف به الأصل.
فإن قلت: ما بال قال صرف اسم رجل، وقيل التي هي فعل، وهما محدودان عن البناء الذي هو الأصل؟ فليس يدخل هذا على أحد في هذا القول، من قبل أنك خّففت فعل وفعل نفسه، كما خفّفت الحركة من علم، وذلك من لغة بني تميم، فتقول: علم كما حذفت الهمزة من يرى ونحوها، فلَّما خفَّت وجاءت على مثال ما هو في الأسماء صرفت. وأمَّا عمر فليس محذوفا من عامرٍ كما أنّ ميتاً محذوف من مّيتٍ، ولكنه اسمٌ بني من هذا اللفظ وخولف به بناء الأصل. يدّلك على ذلك: أن مثنى ليس محذوفاً من اثنين.
وإن سّميت رجلا ضرب ثم خّففته فأسكنت الراء صرفته؛ لأنك قد أخرجته إلى مثال ما ينصرف كما صرفت قيل، وصار تخفيك لضرب كتحقيرك إيَّاه،لأنَّك تخرجه إلى مثال الأسماء. ولو تركت صرف هذه الأشياء في التخفيف للعدل لما صرفت اسم هارٍ، لأنه محذوف من هائرٍ.
باب ما كان على مثال مفاعل ومفاعيل اعلم أنه ليس شيءٌ يكون على هذا المثال إلاَّّ لم ينصرف في معرفة ولا نكرة. وذلك لأنه ليس شيء يكون واحداً يكون على هذا من البناء والواحد الذي هو أشدُّ تمكنا وهو الأول فلما لم يكن هذا من بناء الواحد هو أشد تمكناً وهو الأول تركوا صرفه؛ إذ خرج من بناء الذي هو أشدّ تمكنا. وإنّما صرفت مقاتلاً وعذافراً، لان هذا المثال يكون للواحد.
قلت: فما بال ثمان لم يشبه: صحارى وعذارى؟ قال: الياء في ثماني ياء الإضافة أدخلتها على فعال، كما أدخلتها على يمانٍ وشآمٍ، فصرفت الاسم إذ خفَّفت كما إذ ثقلت يمانيٌّ وشآميٌّ. وكذلك: رباٍع، فإنَّما ألحقت هذه الأسماء ياءات الإضافة.


قلت: أرأيت صياقلةً وأشباهها؛ لم صرفت ؟ قال: من قبل أن هذه الهاء إنَّما ضُّمت إلى صياقل، كما ضمت موت إلى حضر، وكرب إلى معدي في قول من قال: معد يكرب. وليست الهاء من الحروف التي تكون زيادةً في هذا البناء، كالياء والألف في صياقلةٍ، وكالياء ةالألف اللتين يبنى بهما الجميع إذا كّسرت الواحد، ولكنَّها إنَّما تجيء مضمومة إلى هذا البناء كما تضم ّياء الإضافة إلى مدائن ومساجد بعد ما يفرغ من البناء، فتلحق ما فبه الهاء من نحو: صياقلةٍ باب طلحةٍ وتمرةٍ، كما تلحق هذا بباب تميمىٍّ، وقيسىٍّ، يعني قولك مدائنيٌّ ومساجديٌّ فقد أخرجت هذه الياء مفاعيل ومفاعل إلى باب تميمي، كما أخرجته الهاء إلى باب طلحةٍ. ألا ترى أنَّ الواحد تقول له: مدائنىٌّ، فقد صار يقع للواحد ويكون من أسمائه.
وقد يكون هذا المثال للواحد نحو: رجلٍ عباقيةٍ، فلما لحقت هذه الهاء لم يكن عند العرب مثل البناء الذي ليس في الأصل للواحد، ولكنه صار عندهم بمنزلة اسم ضمّ إليه فجعل اسماً واحداً، فقد تغير بهذا عن حاله، كما تغيَّر بياء الإضافة.
ويقول بعضهم: جندلٌ وذلذلٌ، يحذف ألف جنادل وذلاذل وينونون، يجعلونه عوضاً من هذا المحذوف.
واعلم أنَّك إذا سميت رجلا مساجد، ثم حقَّرته صرفته؛ لأَّنك قد حوّلت هذا البناء. وإن سمّيته حضاجر ثم حقَّرته صرفته، لأنها إنّما سِّميت بجمع الحضجر؛ سمعنا العرب يقولون: أوطبٌ حضاجر. وإنَّماجعل هذا اسما لضَّبع لسعة بطنها.
وأمّا سراويل فشيءٌ واحد، وهو أعجميّ أعرب كما أعرب الآجرُّ، إَّلا أنَّ سراويل أشبه من كلامهم مالا ينصرف في نكرة ولا معرفة كما أشبه بقَّم الفعل ولم يكن له نظير في الأسماء. فإن حقّرتها اسم رجل لم تصرفها كما لا تصرف عناق اسم رجل.
وأمّا شراحيل فتحقيره ينصرف؛ لأنَّه عربيٌّ ولا يكون إَّلا جماعا. وأمّا أجمالٌ وفلوس ق فإنها تنصرف وما اشبهها، ضارعت الواحد. ألا ترى أنك تقول: أقوالٌ وأقاويل، وأعرابٌ وأعاريب، وأيدٍ وأيادٍ. فهذه الأحرف تخرج إلى مثال مفاعل ومفاعيل إذا كسّر للجميع كما يخرج إليه الواحد إذا كسّر للجمع.
وأمّا مفاعل ومفاعيل فلا يكسّر؛ فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا، لأن هذا البناء هو الغاية، فلمّا ضارعت الواحد صرفت؛ كما أدخلوا الرفع والنصب في يفعل حين ضارع فاعلاً، وكما ترك صدف افعل حين ضارع الفعل.
وكذلك الفعول لو كسّرت، مثل الفلوس، لان تجمع جمعا لأخرج إلى فعائل، كما تقول: جدودٌ وجدائد، وركوب وركائب. ولو فعلت ذلك بمفاعل ومفاعيل لم تجاوز هذا ويقوَّي ذلك أنَّ بعض العرب يقول: أتيٌ للواحد، فيضمُّ الألف.
وأما أفعالٌ فقد يقع للواحد، من العرب من يقول: هو الأنعام.
وقال الله عز وجل " نسقيكم مما في بطونه " .
وقال أبو الخطاب: سمعت العرب يقولون: هذا ثوبٌ أكياشٌ، ويقال: سدوسٌ لضرب من الثياب، كما تقول: جدورٌ. ولم يكسَّر عليه شيء كالجلوس والقعود.
وأمّا بخاتيُّ فليس بمنزلة مدائنيٍّ لأنك لم تلحق هذه الياء بخاتٍ للإضافة، ولكنها التي كانت في الواحد إذا كّسرته للجمع، فصارت بمنزلة الياء في حذريةٍ، إذا قلت حذارٍ، وصارت هذه الياء كدال مساجد،لأنهَّا جرت في الجمع مجرى هذه الدال، لأنَّك بنيت الجمع بها، ولم تلحقها بعد فراغ من بنائها.
وقد جعل بعض الشعراء ثماني بمنزلة حذارٍ. حدّثني أبو الخطَّاب أنَّه سمع العرب ينشدون هذا البيت غير منوَّن، قال:
يحدو ثماني مولعاً بلقاحها ... حتَّى هممن بزيغة الإرتاج
وإذا حقَّرت بخاتيَّ اسم رجل صرفته، كما صرفت تحقير مساجد.
وكذلك صحارٍ فيمن قال: صحيرٌ، لأنه ليس ببناء جمع.
وأمّا ثمانٍ إذا سمّيت به رجلا فلا تصرف؛ لانها واحدة كعناقٍ.
وصحارٍ جماعٌ كعنوقٍ، فإذا ذهب ذلك البناء صرفته.وياء ثمانٍ كياء قمريٍّ وبختىٍّ، لحقت كلحاق ياء يمانٍ وشآمٍ وإن لم يكن فيهما معنى إضافة إلى بلد ولا إلى أب، كما لم يك ذلك في بختيٍّ.
ورباعٍ بمنزلته وأجري مجري سداسيٍ. وكذلك حواريٌ. وأما عواريُّ وعواديَّ وحواليٌّ فإنه كسر عليه حولي وعادي وعاريّةٌ، وليست ياءً لحقت حوالٍ.
باب تسمية المذكّر بلفظ الاثنين والجميع الذي تلحق له الواحد واوا ونونا


فإذا سميَّت رجلا برجلين فإن أقيسه وأجوده أن تقول: هذا رجلان ورأيت رجلين، ومررت برجلين، كما تقول: هذا مسلمون ورأيت مسلمين. ومررت بمسلمين. فهذه الياء والواو بمنزلة الياء والألف. ومثل ذلك قول العرب: هذه قنَّسرون وهذه فلسطون. ومن النحويين من يقول: هذا رجلان كما ترى، يجعله بمنزلة عثمان.
وقال الخليل: من قال هذا قال: مسلمينٌ كما ترى، جعله بمنزلة قولهم: سنينٌ كما ترى، وبمنزلة قول بعض العرب: فلسطينٌ وقنَّسرينٌ كما ترى. فإن قلت: هل تقول: هذا رجلينٌ، تدع الياء كما تركتها في مسلمين؟ فإنهّ إنّما منعهم من ذلك أنّ هذه لا تشبه شيئاً من الأسماء في كلامهم، ومسلمينٌ مصروف كما كنت صارفاً سنياً.
وقال في رجل اسمه مسلماتٌ أو ضرباتٌ: هذا ضرباتٌ كما ترى ومسلماتٌ كما ترى. وكذلك المرأة لو سمّيتها بهذا انصرفت. وذلك أن هذه التاء لما صارت في النصب والجرّ جرّاً أشبهت عندهم الياء التي في مسلمين، والياء التي في رجلين، وصار التنوين بمنزلة النون. ألا ترى إلى عرفاتٍ مصروفةً في كتاب الله عز وجلَّ وهي معرفةٌ. الدَّليل على ذلك قول العرب: هذه عرفاتٌ مباركاً فيها. ويدلك أيضا على معرفتها أنك لا تدخل فيها ألفا ولاما، وإنّما عرفاتٌ بمنزلة أبانين، وبمنزلة جمع. ومثل ذلك أذرعاتٌ، سمعنا أكثر العرب يقولون في بيت امرئ القيس:
تنورَّتها من أذرعاتٍ، وأهلها ... بيثرب، ادنى دارها نظرٌ عال
ولو كانت عرفات نكرة لكانت إذاً عرفات في غير موضع.
ومن العرب من لا ينوّن أذرعات ويقول: هذه قريشيّات كما ترى، شبهوها بهاء التأنيث، لأن الهاء تجئ للتأنبث ولا تلحق بنات الثلاثة بالأربعة، ولا الأربعة بالخمسة.
فإن قلت: كيف تشبهها بالهاء وبين التاء وبين الحرف المتحرك ألف؟ فإنّ الحرف الساكن ليس عندهم بحاجز حصين، فصارت التاء كأنِّها ليس بينها وبين الحرف المتحرك شيء.ألا ترى أنِّك تقول: اقتل فتتبع الألف التاء، كأنها ليس بينها شيء وسترى أشباه ذلك إن شاء الله مما يشبَّه بالشيء وليس مثله في كل شيء. ومنه ما قد مضى هذا باب الأسماء الأعجمية اعلم أن كلَّ اسم أعجمي أعرب وتمكّن في الكلام فدخلته الألف واللام وصار نكرة، فإنك إذا سمّيت به رجلا صرفته، إَّلا أن يمنعه من الصرف ما يمنع العربيّ. وذلك نحو: اللجّام، والدّيباج، واليرندج، والنَّيروز، والفرند، والزَّنجبيل، والأرندج، والياسمين فيمن قال: ياسمينٌ كما ترى، والسّهريز، والآجرّ فإن قلت: أدع صرف الآجرّ، لأنه لا يشبه شيئاً من كلام العرب، فإنه قد أعرب وتمكّن في الكلام، وليس بمنزلة شيء ترك صرفه من كلام العرب؛ لأنَّه لا يشبه الفعل وليس في آخره زيادة، وليس من نحو عمر، وليس بمؤنث، وإنمَّا هو بمنزلة عربيٍّ ليس له ثلنٍ في كلام العرب، نحو إبل، وكدت تكاد، وأشباه ذلك وأمّا إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب، وهرمز، وفيروز، وقارون، وفرعون، وأشباه هذه الأسماء فإنَّها لم تقع في كلامهم الا معرفة على حد ما كانت في كلام العجم ولم تمكن في كلامهم كما تمكنّ الأوّل،ولكنها وقعت معرفة، ولم تكن من أسمائهم العربيَّة فاستنكروها ولم يجعلوها بمنزلة أسمائهم العربية: كنهشلٍ وشعثمٍ، ولم يكن شيء منها قبل ذلك اسماً يكون لكل شيء من أمةٍ. فلمّا لم يكن فيها شيء من ذلك استنكروها في كلامهم.
وإذا حقّرت اسماً من هذه الأسماء فهو على عجمته كما ان العناق إذا حقّرتها اسم رجل كانت على تأنيثها.
وأما صالحٌ، فعربيّ، وكذلك شعيبٌ.
وأمّا نوحٌ، وهودٌ، ولوطٌ فتنصرف على كل حال، لخفتها.
هذا باب تسمية المذكر بالمؤنث اعلم أن كل مذكّر سّميته مؤنّث على أربعة أحرف فصاعداً لم ينصرف.
وذلك أن أصل المذكّر، عندهم أن يسمى بالمذكر، وهو شكله والذي يلائمه،فلما عدلوا عنه ما هو له في الأصل، وجاءوا بما لا يلائمه ولم يكن منه فعلوا ذلك به، كما فعلوا ذلك بتسميتهم إيَّاه بالمذكر وتركوا صرفه كما تركوا صرف الأعجمي.
فمن ذلك : عناق، وعقرب، وعقاب، وعنكبوت، وأشباه ذلك.
وسالته: عن ذراع فقال: ذراعٌ كثر تسميتهم به المذكّر، وتمكّن في المذكّر وصار من أسمائه خاصَّة عندهم، ومع هذا أنهَّم يصفون به المذكر فيقولن: هذا ثوبٌ ذراعٌ. فقد تمكن هذا الاسم في المذكر.


وأمّا كراع فإنّ الوجه ترك الصرف، ومن العرب من يصرفه يشبهّه بذراع؛ لأنه من أسماء المذكر. وذلك أخبث الوجهين.
وإن سمَّيت رجلاً ثماني لم تصرفه لأن ثماني اسم لمؤنث، كما أنك لا تصرف رجلا اسمه ثلاث؛ لأنَّه ثلاثا كعناق.
ولو سّميت رجلا حباري، ثم حقرّته فقلت: حبيرّ لم تصرفه، لأنَّك لو حقرت الحباري نفسها فقلت:حبيرٌ كنت إنمَّا تعني المؤنَّث،فالياء إذا ذهبت فإنما هي مؤنثة؛ كعنيّقٍ.
واعلم انك إذا سّميت المذكر بصفة المؤنَّث صرفته، وذلك أن تسِّمى رجلا بحائضٍ أو طامثٍ أو متئمٍ. فزعم أنّه إنّما يصرف هذه الصفات لأنَّها مذكرةٌ وصف بها المؤنّث، كما يوصف المذكر بمؤنث لا يكون إلا لمذكَّر،وذلك نحو قولهم: رجلٌ نكحةٌ، ورجل ربعةٌ، ورجل خجأةٌ فكأنَّ هذا المؤنَّث وصفٌ لسلعة أو لعين أو لنفس، وما أشبه هذا. وكأنَّ المذكر وصف لشيء، كأنّك قلت: هذا شيءٌ حائضٌ ثم وصفت به المؤنَّث، كما تقول هذا بكرٌ ضامرٌ، ثم تقول: ناقةٌ ضامرٌ.
وزعم الخليل أن فعولاً ومفعالاً إنَّما امتعتنا من الهاء لأنَّهما إنّما وقعتا في الكلام على التذكير، ولكنَّه يوصف به المؤنث، كما يوصف بعدلٍ وبرضاً. فلو لم تصرف حائضا لم تصرف رجلا يسَّمى قاعداً إذا أردت صفة القاعد من الزوج ولم تكن لتصرف رجلاً يسمى ضارباً إذا أردت الناقة الضارب، ولم تصرف أيضاً رجلاً يسمى عاقراً؛ فإنَّ ما ذكرت لك مذكَّر وصف به مؤنَّث، كما أن ثلاثةٌ مؤنثٌ لا يقع إَّلا لمذكرين.
ومما جاء مؤنَّثاً صفةً تقع للمذكّر والمؤنَّث: هذا غلامٌ يفعةٌ، وجاريةٌ يفعةٌ، وهذا رجل ربعةٌ، وامرأة ربعةٌ.
فأمّا ما جاء من المؤنَّث لا يقع إَّلا لمذكر وصفاً، فكأنه في الأصل صفة لسلعة أو نفسٍ، كما قال: " لا يدخل الجّنة إلا نفسٌ مسلمةٌ " والعين عين القوم وهو ربيثتهم، كما كان الحائض في الأصل صفةً لشيء وإن لم يستعملوه؛كما أنَّ أبرق في الأصل عندهم وصفٌ، وأبطح، وأجرع، وأجدل، فبمن ترك الَّصرف، وإن لم يستعملوه وأجروه مجرى الأسماء. وكذلك جنوبٌ وشمالٌ،وحرورٌ وسمومٌ وقبولٌ ودبورٌ، إذا سمّيت رجلاً بشيء منها صرفته لأنَّها صفاتٌ في أكثر كلام العرب: سمعناهم يقولون: هذه ريح حرورٌ، وهذه ريحٌ شمالٌ، وهذه الريح الجنوب، وهذه ريح سمومٌ، وهذه ريحٌ جنوبٌ. سمعنا ذلك من فصحاء العرب، لا يعرفون غيره. قال الأعشى:
لها زجلٌ كحفيف الحصا ... د صادف باللَّيل ريحاً دبورا
ويجعل اسما، وذلك قليل، قال الشاعر.
حالت وحيل بها وغيّر آيها ... صرف البلى تجري به الرّيحان
ريح الجنوب مع الَّشمال وتارةً ... رهم الرَّبيع وصائب التَّهتان
فمن جعلها أسماءً لم يصرف شيئاً منها اسم رجل، وصارت بمنزلة: الصعَّود والهبوط، والحرور، والعروض.
وإذا سمّيت رجلا بسعاد أو زينب أو جيأل، وتقديرها جيعل، لم تصرفه؛ من قبل انَّ هذه أسماء تمكنت في المؤنّث واختص بها وهي مشتقةّ، وليس شيء منها يقع على شيء مذكر: كالرَّباب، والثوَّاب، والدَّلال. فهذه الأشياء مذكرة، وليست سعاد وأخواتها كذلك، ليست بأسماء للمذكر، ولكنهَّا اشتقَّت فجعلت مختصّا بها المؤنّث في التسمية، فصارت عندهم كعناق.وكذلك تسميتك رجلا بمثل: عمان؛ لأنَّها ليست بشيء مذكر معروف، ولكنَّها مشتقّة لم تقع إلاّ علما لمؤنث وكان الغالب عليها المؤنَّث، فصارت عندهم حيث لم تقع إلاَّ لمؤنّثٍ كعناق لا تعرف إلا َّعلما لمؤنَّث، كما أن هذه مؤنّثة في الكلام. فإن سمَّيت رجلا بربابٍ، أودلالٍ صرفته؛ لأنه مذكر معروف.
واعلم أنَّك إذا سميّت رجلا خروقاً، أو كلابا، أو جمالاً، صرفته في النكرة والمعرفة، وكذلك الجماع كلُّه. ألا تراهم صرفوا: أنماراً، وكلابا؛ وذلك لأنَّ هذه تقع على المذكر، وليس يختصّ به واحد المؤنَّث فيكون مثله. ألا ترى أنَّك تقول: هم رجالٌ فتذكِّر كما ذكّرت في الواحد، فلمَّا لم تكن فيه علامة التأنيث وكان يخرج إليه المذكر ضارع المذكر الذي يوصف به المؤنّث، وكان هذا مستوجبا لصرف إذا صرف ذراعٌ وكراعٌ لما ذكرت لك.


فإن قلت: ما تقول في رجل يسمَّى: بعنوق فإن عنوقا بمنزلة خروق؛ لأن هذا التأنيث هو التانيث الذي يجمع به المذكَّر، وليس كتأنيث عناق، ولكن تأنيثه تأنيث الذي يجمع المذكَّرين، وهذا التأنيث الذي في عنوقٍ تأنيث حادث، فعنوقٌ البناء الذي يقع للمذكرين، والمؤنّث الذي يجمع المذكرين. وكذلك رجل يسمَّى: نساءً، لأنها جمع نسوةٍ.
فأمَّا الطًّاغون فهو اسمٌ واحدٌ مؤنث، يقع على الجميع كهيئة للواحد. وقال عزَّ وجلَّ: " والذين اجتنبوا الطَّاغوت أن يعبدوها " .
وأمَّا ما كان اسّماً لجمع مؤنّث لم يكن له واحدٌ فتأنيثه كتأنيث الواحد، لا تصرفه اسم رجل، نحو: إبل، وغنم؛ لأنَّه ليس له واحد، يعني أنهّ إذا جاء اسماً لجمع ليس له واحد كسّر عليه، فكان ذلك الاسم على أربعة أحرف، لم تصرفه اسماً لمذكّر.
هذا باب تسمية المؤنث اعلم أن كل مؤنث سميّته بثلاثة أحرف متوالٍ منها حرفان بالتحرك لا ينصرف، فإن سميّته بثلاثة أحرف فكان الأوسط منها ساكنا وكانت شيئاً مؤنثاً أو اسماً الغالب عليه المؤنّث كسعاد، فأنت بالخيار: إن شئت صرفته وإن شئت لم تصرفه. وترك الصرف أجواد.
وتلك الأسماء نحو: قدر، وعنز، ودعد، وجمل، ونعم، وهند.
وقال الشاعر فصرفت ذلك ولم يصرفه:
لم تتلفَّع بفضل مئزرها ... دعدٌ ولم تغذ دعد في العلب
فصرفت ولم يصرف. وإنمَّا كان المؤنث بهذه المنزلة ولم يكن كالمذكر لأنّ الأشياء كلَّها اصلها التذكير ثم تختصَّ بعد، فكل مؤنث شيء، والشيء يذكَّر، فالتذكير أوّل، وهو أشدّ تمكنّا، كما أنَّ النكرة هي اشدّ تمكنّا من المعرفة، لأنَّ الأشياء إنمَّا تكون نكرةً ثم تعرف فالتذكير قبل، وهو أشد تمكّنا عندهم. فالأول هو أشد تمكنا عندهم.
فالنكرة تعرف بالألف واللام والإضافة، وبأن يكون علماً. والشيء يختصّ بالتأنيث فيخرج من التذكير، كما يخرج المنكور إلى المعرفة.
فإن سميّت المؤنث بعمرو أو زيد، لم يجز الصرف.
هذا قول ابن أبي إسحاق وأبي عمرو، فيما حدثنا يونس، وهو القياس؛ لأنَّ المؤنث اشد ملاءمةً للمؤنث. والأصل عندهم أن يسمىَّ المؤنث بالمؤنث، كما أنَّ اصل تسمية المذكَّر بالمذكر.
وكان عيسى يصرف امرأةً اسمها عمرو، لأنَّه على أخفّ الأبنية.
هذا باب أسماء الأرضين إذا كان اسم الأرض على ثلاثة أحرف خفيفةٍ وكان مؤنثا،أو كان الغالب عليه المؤنث كعمان، فهو بمنزلة: قدر، وشمس، ودعد.
وبلغنا عن بعض المفسَّرين أن قوله عزَّ وجلَّ: " اهبطوا مصر " ، إنما أراد مصر بعينها.
فإن كان الاسم الذي على ثلاثة أحرف أعجميَّا، لم ينصرف وإن كان خفيفا، لأن المؤنث في ثلاثة الأحرف الخفيفة إذا كان أعجمياً،بمنزلة المذكَّر في الأربعة فما فوقها إذا كان اسما مؤنثاً. ألا ترى أنَّك لو سَّميت مؤنثَّا بمذكر خفيف لم تصرفه، كما لم تصرف المذكَّر إذا سّميته بعناق ونحوها.
فمن الأعجمَّية: حمص، وجور، وماه. فلو سميّت امرأة بشيء من هذه الأسماء لم تصرفها، كما لا تصرف الرَّجل لو سميَّته بفارس ودمشق.
وأمَّا واسطٌ فالتذكير والصرف أكثر، وإنمَّا سمي واسطاً، لأنه مكانٌ وسط البصرة والكوفة. فلو أرادوا التأنيث قالوا: واسطةٌ. ومن العرب من يجعلها اسم أرض فلا يصرف.
ودابق الصرف والتذكير فيه أجود. قال الراجز، وهو غيلان:
ودابق وأين مِّني دابق
وقد يؤنث فلا يصرف.
وكذلك منيً، الصرف والتذكير أجود، وإن شئت أنّثت ولم تصرفه.
وكذلك هجر، يؤنث ويذكَّر.قال الفرزدق:
منهنّ ايَّام صدق قد عرفت بها ... أيَّام فارس والأيام من هجرا
فهذا أنت.
وسمعنا من يقول: " كجالب التَّمر إلى هجر " يا فتى.
وأمَّا حجر اليمامة فيذكَّر ويصرف. ومنهم من يؤنث فيجريه مجرى امرأةٍ سميِّت بعمروٍ،لأن حجرا شيء مذكر سِّمي به المذكَّر.
فمن الأرضين: ما يكون مؤنَّثا ويكون مذكَّرا، ومنها مالا يكون إلا على التأنيث، نحو: عمان، والزّاب، وإراب، ومنها ما لا يكون إَّلا على التذكير نحو فلجٍ، وما وقع صفة كواسط ثم صار بمنزلة زيد وعمرو،وإنمَّا وقع لمعنىً، نحو قول الشاعر:
ونابغة الجعديُّ بالرَّمل بيته ... عليه ترابٌ من صفيح موضَّع
أخرج الألف واللام وجعله كواسط.


وأمَّا قولهم: قباء وحراء، فد اختلفت العرب فيهما، فمنهم من يذكّر ويصرف، وذلك أنهَّم جعلوهما اسمين لمكانين، كما جعلوا واسطاً بلداً أو مكانا. ومنهم من أنَّث ولم يصرف، وجعلهما اسمين لبقعتين من الأرض.
قال الشاعر، جرير:
ستعلم أينّا خير قديما ... وأعظمنا ببطن حراء نارا
وكذلك أضاخ؛ فهذا أنَّث، وقال غيره فذكر. وقال العجاج:
وربِّ وجهٍ من حراءٍ منحن
وسألت الخليل فقلت: أرأيت من قال: قباء يا هذا،كيف ينبغي له أن يقول إذا سمَّى به رجلاً؟ قال: يصرفه، وغير الصرف خطأ، لأنَّه ليس بمؤنَّث معروف في الكلام، ولكنَّه مشتق كجلاس، وليس شيئاً قد غلب عليه عندهم التأنيث كسعاد وزينب. ولكه مشتقٌّ يحتمله المذكَّر ولا ينصرف في المؤنث، كهجر وواسط. ألا ترى أنَّ العرب قد كفتك ذلك لمَّا جعلوا واسطا للمذكَّر صرفوه، فلو علموا أنَّه شيء للمؤَّنث كعناق لم يصرفوه، أو كان اسماً غلب التأنيث لم يصرفوه، ولكنَّه اسم كغراب ينصرف في المذكَّر ولا في المؤنث؛ فإذا سمّيت به الرجل فهو بمنزلة المكان.
قلت: فإن سمَّيته بلسان، في لغة من قال: هي اللسان؟ قال: لا أصرفه، من قبل أنَّ اللَّسان قد استقرّ عندهم حينئذ أنَّه بمنزلة: عناق قبل أن يكون اسماً لمعروف، وقباء وحراء ليسا هكذا، إنَّما وقعا علماً علماً على المؤنَّث والمذكّر مشتقين وغير مشتقّين في الكلام لمؤنَّث من شيء، والغالب عليهما التأنيث، فإنَّما هما كمذكر إذا وقع على المؤنَّث لم ينصرف. وأمَّا اللِّسان فبمنزلة اللذاذ واللذَّاذة، يؤنِّث قوم ويذكّر آخرون.
هذا باب أسماء القبائل والأحياء وما يضاف إلى الأب والأم أمَّا ما يضاف إلى الآباء والأمهات فنحو قولك: هذه بنو تميم، وهذه بنو سلول، ونحو ذلك.
فإذا قلت: هذه تميم،وهذه أسد، وهذه سلول، فإنَّما تريد ذلك المعنى، غير أنَّك إذا حذفت المضاف تخفيفاً، كما قال عزَّ وجلَّ: " واسأل القرية " ، ويطؤهم الطريق،وأنَّما يريدون: أهل القرية وأهل الطريق. وهذا في كلام العرب كثير، فلمَّا حذفت المضاف وقع عل المضاف إليه ما يقع على المضاف، لأنه صار في مكانه فجرى مجراه. وصرفت تميماً وأسداً؛ لأنّك لم تجعل واحداً منهما اسماً للقبيلة؛ فصارا في الانصراف على حالهما قبل أن تحذف المضاف. ألا ترى أنَّك لو قلت: أسأل واسطاً كان في الانصراف على حاله إذا قلت: أهل واسط فأنت لم تغيّر ذلك المعنى وذلك التأليف، إلاّ أنَّك حذفت. وإن شئت قلت: هؤلاء تميم وأسد؛ لأنَّك تقول: هؤلاء بنو أسد وبنو تميم، فكما أثبتَّ اسم الجميع ههنا أثبت هنالك اسم المؤنث، يعني في: هذه تميم وأسد.
فإن قلت: لم لم يقولوا: هذا تميم، فيكون الفظ كلفظه إذا لم ترد معنى الإضافة حين تقول: جاءت القرية، تريد: أهلها؟ فلأنَّهم أرادوا أن يفصلوا بين الإضافة وبين إفرادهم الرجل، فكرهوا الالتباس.
ومثل هذا القوم، هو واحد في اللفظ، وصفته تجري على المعنى، لا تقول القوم ذاهب.
وقد أدخلوا التأنيث فيما هو أبعد من هذا، أدخلوه فيما لا يتغيّر منه المعنى لو ذكرَّت، قالوا: ذهبت بعض أصابعه وقالوا: ذهبت بعض أصابعه، وقالوا: ما جاءت حاجتك. وقد بين أشباه هذا في موضعه.
وإن شئت جعلت تميماً وأسدا اسم قبيلة في الموضعين جميعا فلم تصرفه. والدليل على ذلك قول الشاعر
نبا الخزُّ عن روحٍ وأنكر جلده ... وعجّت عجيجاً من جذام المطارف
وسمعنا من العرب من يقول، للأخطل:
فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإنَّ الريح طيَّبة قبول
فإذا قالوا: ولد سدوسٌ كذا وكذا، أو ولد جذامٌ كذا وكذا، صرفوه: ومما يقويِّ ذلك أن يونس زعم: أنَّ بعض العرب يقول: هذه تميم بنت مرٍّ. وسمعناهم يقولون: قيس بنت عيلان، وتميم صاحبة ذلك. فإنَّما قال:بنت حين جعله اسماً لقبيلة.
ومثل ذلك قوله: باهلة بن أعصر، فباهلة امرأةٌ ولكنَّه جعله اسماً للحيّ، فجاز له أن يقول: ابن.
ومثل ذلك تغلب ابنة وائلٍ.
غير أنه قد يجيء الشيء يكون الأكثر في كلامهم أن يكون أباً، وقد يجيء الشيء يكون الأكثر في كلامهم أن يكون اسماً للقبيلة. وكلٌّ جائز حسن.


فإذا قلت: هذه سدوس، فأكثرهم يجعله اسماً للقبيلة. وإذا قلت: هذه تميمٌ فأكثرهم يجعله اسماً للأب. وإذا قلت: هذه جذام فهي كسدوس. فّإذا قلت: من بني سدوسٍ فالصرف، لأنَّك قصدت قصد الأب.
وأمّا أسماء الأحياء فنحو: معدٍّ، وقريشٍ، وثقيفٍ. وكلُّ شيء لا يجوز لك أن تقول فيه: من بني فلان، ولا هؤلاء بنو فلان، فإنمَّا جعله اسم حيّ فإن قلت: لم تقول هذه ثقيفٍ، فإنهم إنما أرادوا:هذه جماعة ثقيف أو هذه جماعة فإنهم إنما أرادوا: هذه جماعة ثقيف أو هذه جماعة من ثقيف ثم حذفوها ههنا كما حذفوا في تميمٍ. ومن قال: هؤلاء جماعة ثقيف قال: هؤلاء ثقيف. فإن أرادت الحيَّ ولم ترد الحرف قلت: هؤلاء ثقيف، كما تقول: هؤلاء قومك، والحيّ جينئذٍ بمنزلة القوم، فكينونة هذه الأشياء للأحياء أكثر.
وقد تكون تميمٌ اسماً للحيّ. وإن جعلتها اسماً للقبائل فجائز حسن، ويعني قريش وأخواتها. قال الشاعر:
غلب المساميح الوليد سماحةً ... وكفى قريش المعضلات وسادها
وقال:
علم القبائل من معدَّ وغيرها ... أنّ الجواد محمَّد بن عطارد
وقال:
ولسنا إذا عدَّ الحصي بأقلةٍ ... وإنّ معدَّ اليوم مودٍ ذليلها
وقال:
وأنت أمرؤٌ من خير قومك فيهم ... وأنت سواهم في معدَّ مخيَّر
وقال زهير:
تمدُّ عليهم من يمينٍ واشملٍ ... بحورٌ له من عهد عاد وتبعَّا
وقال:
لو شهد عاد في زمان عاد ... لا بتزَّها مبارك الجلاد
وتقول: هؤلاء ثقيف بن قسيّ، فتجعله اسم الحيّ وتجعل ابن وصفاً، كما تقول: كلٌّ ذاهبٌ وبعض ذاهب، فهذه الأشياء إنمَّا هي آباء، والحدُّ فيها أن تجري ذلك المجرى، وقد جاز فيها ما جاز في قريشٍ إذا كانت جمعاً لقوم. قال الشاعر فيما وصف به الحيُّ ولم يكن جمعا:
بحيٍّ نميريٍّ عليه مهابةٌ ... جميعٍ إذا كان اللئّام جنادعا
وقال
سادوا البلاد وأصبحوا في آدمٍ ... بلغوا بها بيض الوجوه فحولا
فجعله كالحي والقبيلة.
وقال بعضهم: بنو عبد القيس؛ لأنهّ أب.
فأما ثمود وسبأ، فهما مرّةً للقبيلتين، ومرّةً للحيين، وكثرتهما سواءٌ. وقال تعالى: " وعاداً وثموداً " وقال تعالى: " ألا إنَّ ثموداً كفروا ربَّهم " وقال: " وآتينا ثمود النَّاقة مبصرةً " ، وقال: " وأمَّا ثمود فهديناهم " ، وقال: " لقد كان لسبأٍ في مساكنهم " وقال " من سبأٍ بنبأٍ يقين " وكلن أبو عمرٍ ولا يصرف سبأ، يجعله اسماً للقبيلة. وقال الشاعر:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
وقال في الصرف، للنابغة الجعدي:
أضحت ينفرها الوالدان من سبأٍ ... كأنّهم تحت دفيًّها دحاريج
هذا باب ما لم يقع إلا اسما للقبيلة كما أنّ عمان لم يقع إَّلا اسما لمؤنث، وكان التأنيث هو الغالب عليها وذلك: مجوس، ويهود. قال امرؤ القيس:
أحار أريك برقاً هب وهنا ... كنار مجوس تستعر استعارا
وقال:
أولئك أولي من يهود بمدحه ... إذا أنت يوماً قلتها لم تؤنَّب
فلو سميّت رجلاً بمجوس لم تصرفه، كما لا تصرفه إذا سميّته بعمان.
وأما قولهم: اليهود والمجوس، فانما أدخلوا الألف واللام ههنا كما أدخلوها في المجوسّ واليهوديّ، لأنهم أرادوا اليهوديِّين والمجوسِّيين، ولكنهم حذفوا ياءي الإضافة، وشبهوا ذلك بقولهم: زنجيٌّ وزنجٌ، إذا أدخلوا الألف واللام على هذا، فكأنك أدخلتها على: يهودِّيين ومجوسييِّن، وحذفوا ياءي الإضافة وأشباه ذلك. فإن أخرجت الألف واللام من المجوس صار نكرة، كما أنك لو أخرجتها من المجوسييِّن صار نكرة.
وأما نصاري فنكرة، وإنمَّا نصاري جمع نصران ونصرانةٍ، ولكنهَّ لا يستعمل في الكلام إلاّ بباءي الإضافة إلا في الشعر، ولكنهم بنو الجميع على حذف الياء، كما أن ندامى جمع ندمان، والنَّصاري ههنا بمنزلة: النصرانييِّن. ومما يدلّك على ذلك قول الشاعر.
صدَّت، كما صدَّ عمَّا لا يحلُّ له ... ساقي نصاري قبيل الفصح صوّام
فوصفه بالنكرة، وإنمَّا النَّصاري جماع نصران ونصرانةٍ. والدليل على ذلك قول الشاعر:
فكلتاهما خرَّت وأسجد راسها ... كما سجدت نصرانةٌ لم تحنَّف


فجاء على هذا كما جاء بعض الجميع على غير ما يستعمل واحداً في الكلام، نحو:مذاكير وملامح.
هذا باب أسماء السُّور تقول: هذه هود كما ترى، إذا أردت أن تحذف سورة من قولك: هذه سورة هود، فيصير هكذا كقولك هذه تميم كما ترى.
وإن جعلت هوداً اسم السورة لم تصرفها، لأنَّها تصير بمنزلة امرأة سمّيتها بعمرو. والسُّور بمنزلة النسِّاء، والأرضين.
وإذا أردت أن تجعل اقتربت اسماً قطعت الألف، كما قطعت ألف إضرب حين سمَّيت به الرجل، حتَّى يصير بمنزلة نظائره من الأسماء: نحو إصبع.
وأمّا نوح بمنزلة هودٍ، تقول: هذه نوح، إذا أردت أن تحذف سورة من قولك: هذه سورة نوح. ومما يدلُّك على أن ّك حذفت سورةً قولهم: هذه الرَّحمن. ولا يكون هذا أبداً إلاّ وأنت تريد: سورة الرَّحمن. وقد يجوز أن تجعل نوح اسماً ويصير بمنزلة امرأة سمّيتها بعمرو، إن جعلت نوح اسماً لها لم تصفره.
وأمَّا حم فلا ينصرف، جعلته اسماً لسورة أو أضفته إليه، لأنَّهم أنزلوه بمنزلة اسم أعجمي، نحو: هابيل وقابيل. وقال الشاعر: وهو الكميت:
وجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأوَّلها منّا تقيٌّ ومعرب
وقال الحمَّاني:
أو كتباً بينَّ من حاميما ... قد علمت أبناء إبراهيما
وكذلك: طاسين، وياسين.
واعلم أنه لا يجيء في كلامهم على بناء: حاميم وياسين، وإن أردت في هذا الحكاية تركته وقفاً على حاله. وقد قرأ بعضهم: " ياسين والقرآن " ، و " قاف والقرآن " . فمن قال هذا فكأنّه جعله اسما أعجميّا، ثم قال: أذكر ياسين.
وأمّا صاد فلا تحتاج إلى أن تجعله اسما أعجميّا، لأنَّ هذا البناء والوزن من كلامهم، ولكنَّه يجوز أن يكون اسما للسُّورة فلا تصرفه.
ويجوز أيضاً أن يكون ياسين وصاد اسمين غير متمكنين، فيلزمان الفتح، كما ألزمت الأسماء غير المتمكّنة الحركات، نحو: كيف، وأين، وحيث، وأمس.
وأمّا طسم فإن جعلته اسما لم يكن بدٌّ من أن تحرَّك النون، وتصيَّر ميما كأنك وصلتها إلى طاسين، فجعلتها اسما واحداً بمنزلة دراب جرد وبعل بكَّ. وإن شئت حكيت وتركت السواكن على حالها.
وأما كهيعص والمر فلا يكنَّ إلاَّ حكاية. وإن جعلتها بمنزلة طاسين لم يجز لأنهم لم يجعلوا طاسين كحضرموت ولكنهم جعلوها بمنزلة: هابيل، وقابيل، وهاروت.
وإن قلت: أجعلها بمنزلة: طاسين ميم لم يجز، لأنَّك وصلت ميماً إلى طاسين، ولا يجوز أن تصل خمسة أحرف فتجعلهنّ اسماً واحدا.
وإن قلت: أجعل الكاف والهاء اسماً، ثم أجعل الياء والعين اسماً، فإذا صارا اسمين ضممت أحدهما إلأى الآخر فجعلتها كاسم واحدا، لم يجز ذلك لأنَّه لم يجيء مثل حضرموت في كلام العرب موصولا بمثله. وهذا أبعد، لأنك تريد أن تصله بالصاد.
فإن قلت: أدعه على حاله وأجعله بمنزلة إسماعيل لم يجز؛ لأنَّ إسماعيل قد جاء عدة حروف على عدّة حروف أكثر العربية، نحو: اشهيباب. وكهيعص ليس على عدّة خروفه شيء، ولا يجوز فيه إلاَّ الحكاية.
وأما نون فيجوز صرفها في قول من صرف هنداً، لأن النون تكون أنثى فترفع وتنصب.
ومما يدلُّ على أن حاميم ليس من كلام العرب أنّ العرب لا تدري ما معنى حاميم. وإن قلت: إنَّ لفظ حروفه لا يشبه لفظ حروف الأعجمي فإنّه قد يجيء الاسم هكذا وهو أعجمي، قالوا: قابوس ونحوه من الأسماء.
باب تسمية الحروف والكلم التي تستعمل وليست ظروفاً ولا أسماءً غير ظروف؛ ولا أفعالا فالعرب تختلف فيها، يؤنثها بعض ويذكِّرها بعض، كما أن اللَّسان يذكَّر ويؤنَّث، زعم ذلك يونس، وأنشدنا قول الراجز:
كافاً وميمين وسيناً طاسما
فذكَّر ولم يقل: طاسمةً. وقال الراعي:
كما بيِّنت كاف تلوح وميمها
فقال: بيِّنت فأنّث


وأما إنَّ وليت، فحرّكت أواخرهما بالفتح، لأنَّهما بمنزلة الأفعال نحو كان فصار الفتح أولى، فإذا صيّرت واحداً من الحرفين اسماً للحرف فهو ينصرف على كلّ حال. وإن جعلته اسماً للكلمة وأنت تريد بلغة من ذكر لم تصرفها، كما لم تصرف امرأة اسمها عمرو، وإن سمّيتها بلغة من أنّث كنت بالخيار. ولا بدَّ لكلِّ واحدٍ من الحرفين إذا جعلته اسماً أن يتغيّر عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون اسما، كما أنَّك إذا جعلت فعل اسما تغيّر عن حاله وصار بمنزلة الأسماء، وكما أنَّك إذا سمَّيته بافعل غيرته عن حاله في الأمر. قال الشاعر: وهو أبو طالب:
ليت شعري مسافر بن أبي عم ... رو وليت يقولها المحزون
وسألت الخليل عن رجل سمَّيته أنَّ فقال: هذا أنَّ لا أكسره، وأنَّ غير إنَّ: إنَّ كالفعل وأنَّ كالاسم. ألا ترى أنَّك تقول: علمت أنك منطلق فمعناه: علمت انطلاقك، ولو قلت هذا لقلت لرجل يسمَّى بضارب: يضرب، ولرجل يسمّى يضرب: ضارب. ألا ترى أنَّك لو سميته بإن الجزاء كان مكسورا، وإن سميته بأن التي تنصب الفعل كان مفتوحاً.
وأما لو، وأو، فهما ساكنتا الأواخر، لأن قبل آخر كل واحدٍ منهما حرفا متحركا، فإذا صارت كلُّ واحدة منهما اسماً، فقصتّها في التأنيث والتذكير والانصراف، كقصة ليت وإنَّ، إلاَّ أنَّك تلحق واواً أخرى فتثقل؛ وذلك لأنَّه ليس في كلام العرب اسم آخره واو قبلها حرف مفتوح.
قال الشاعر، أبو زبيد:
ليت شعري وأين منِّي ليت ... إن ليتاً وإنَّ لوا عناء
وقال:
ألام على لوٍّ ولو كنت عالماً ... بأذناب لوٍّ لم تفتني أوائله
وكان بعض العرب يهمز، كما يهمز النؤور، فيقول: لوء. وإنَّما دعاهم إلى تثقيل لوٍّ الذي يدخل الواو من الإجحاف لو نوَّنت وما قبلها متحرّك مفتوح، فكرهوا أن لا يثقِّلوا حرفاً لو انكسر ما قبله أو انضمَّ ذهب في التنوين، ورأوا ذلك إخلالاً لو لم يفعلوا.
فممَّا جاء فيه الواو وقبله مضموم: هو، فلو سمَّيت به ثقَّلت، فقلت: هذا هوٌّ وتدع الهاء مضمومة، لأنَّ أصلها الضمُّ تقول: هما وهم وهنَّ.
ومما جاء وقبله مكسور: هي، فإن سمّيت به رجلاً ثقلّته، كما ثقلّت هو. وإن سمّيت مؤنثاً بهو لم تصرفه لأنه مذكّر.
ولو سمّيت رجلاً ذو لقلت: هذا ذواً، لأن اصله فعلٌ. إلا ترى أنك تقول: هاتان ذواتا مالٍ. فهذا دليلٌ على أن ذو فعلٌ، كما أنَّ أبوان دليل على أن أباً فعلٌ.
وكان الخليل يقول: هذا ذوٌّ بفتح الذال، لأنَّ أصلها الفتح، تقول: ذوا، وتقول: ذوو.
وأمَّا كي فتثقَّل ياؤها لأنهّ ليس في الكلام حرف آخره ياء ما قبله مفتوح. وقصَّتها كقصَّة لوّ.
وأمَّا في فتثقَّل ياؤها، لأنهَّا لو نوّنت أجحف بها اسماً. وهي كياء هي وكواو هو، وليس في الكلام اسم هكذا، ولم يبلغوا بالأسماء هذه الغاية أن تكون في الوصل لا يبقى منها إَّلا حرف واحد، فإذا كانت اسماً لمؤنّث لا ينصرف ثقّلت أيضاً؛ لأنه إذا اثر أن يجعلها اسماً فقد لزمها أن تكون نكرة وان تكون اسماً لمذكَّر، فكأنَّهم كرهوا أن يكون الاسم في التذكير والنكَّرة على حرف، كما كرهوا أن يكون كذلك في الوصل. وليس من كلامهم أن يكون في الانصراف والوصل على بناء وفي غير الانصراف والوصل على آخره، فصار الاسم لغير منصرف يجيء على بنائه إذا كان اسماً لمنصرف، ومن ثمَّ مدَّوا لا وفي في الانصراف وغير الانصراف، والتأنيث والتذكير، ككي ولو، وقصتها كقصتَّهما في كل شيء.
وإذا صارت ذا اسماً أو ما مدَّت، ولم تصرف واحداً منهما إذا كان اسم مؤنث، لأنهما مذكران. فأمَّا لا فتمدهُّا، وقصتها قصَّة في ، في التذكير والتأنيث، والانصراف وتركه.
وسألته عن رجل اسمه: فو، فقال: العرب قد كفتنا أمر هذا، لما أفردوه قالوا: فمٌ، فأبدلوا الميم مكان الواو، حتَّى يصير على مثال تكون الأسماء عليه، فهذا البدل بمنزلة تثقيل لوًّ ليشبه الأسماء فإذا سميتَّه بهذا فشبهه بالأسماء كما شبهت العرب ولو لم يكونوا قالوا: فم لقلت : فوه لأنَّه من الهاء قالوا: أفواه كما قالوا سوط و أسواط .


وأما البا والتا والثا واليا والحا والخا والرا والطا والظا والفا فإذا صرن أسماء فهنّ مددن كما مدت لا مدت إلا أنهن إذا كن أسماء يجرين مجرى رجل ونحوه، و يكنَّ نكرةً بغير ألف ولام. ودخول الالف واللام فيهنَّ يدلك على أنهن نكرة إذا لم يكن فيهن ألف ولام، فأحريت هذه الحروف مجرى ابن مخاضٍ وابن لبونٍ، وأجريت الحروف الاول مجرى سامّ ابرص وأمّ حبين ونحوهما. ألا ترى أن الألف واللام لا تدخلان فيهن.
واعلم أن هذه الحروف إذا تهجّيت مقصورةٌ، لأنها ليست بأسماء وإنمَّا جاءت في الَّتهجيَّ على الوقف. ويدلك على ذلك: أن القاف والصاد والدال موقوفة الأواخر، فلولا أنهَّا على الوقف حرّكت أواخرهن. ونظير الوقف ههنا الحذف في الباء وأخواتها. وإذا أردت أن تلفظ بحروف المعجم قصرت وأسكنت، لأنك لست تريد أن تجعلها أسماء، ولكنك أردت أن تقطع حروف الاسم، فجاءت كأنها أصواتٌ يصوت بها، إّلا أَّنك تقف عندها لأنها بمنزلة عه.
فإن قلت ما بالي أقول: واحد اثنان، فأشمُّ الواحد، ولا يكون ذلك في هذه الحروف؟ فلأنًّ الواحد اسم متمكّن، وليس كالصوت، وليست هذه الحروف مما يدرج، وليس أصلها الإدراج، وهي ههنا بمنزلة لا في الكلام، إَّلا أنهَّا ليست تدرج عندهم؛ وذلك لأنّ لا في الكلام على غير ما هي عليه إذا كانت اسما.
وزعم من يوثق به: أنهَّ سمع من العرب من يقول: ثلاثة أربعة، طرح همزة أربعة على الهاء ففتحها، ولم يحوّلها تاءً، لأنهَّ جعلها ساكنة، والساكن لا يتغير في الإدراج، تقول: اضرب، ثم تقول: اضرب زيدا.
واعلم أنَّ الخليل كان يقول: إذا تهجَّيت فالحروف حالها كحالها في المعجم والمقَّطع،تقول:لام ألف، وقاف لام. قال: تكتبّان في الطريق لام ألف وأمَّا زاي ففيها لغتان: فمنهم من يجعلها في التهجي ككي، ومنهم من يقول:زاي،فيجعلها بزنة واو، وهي أكثر.
وأمَّا أم ومن وإن، ومذ في لغة من جرّ،وأن، وعن إذا لم تكن ظرفا، ولم ونحوهن إذا كنَّ أسماءً لم تغيرَّ، لأنَّها تشبه الأسماء نحو: يدٍ، ودمٍ، تجريهنَّ إن شئت إذا كن أسماءً للتأنيث.
وأمّا نعم وبئس ونحوهما فليس فيهما كلامٌ، لأنهما لا تغيران لأنَّ عامّة الأسماء على ثلاثة أحرف. ولا تجريهن إذا كن أسماءً للكلمة، لأنَّهن أفعال، والأفعال على التذكير، لأنهَّا تضارع فاعلاً.
واعلم أنك إذا جعلت حرفاً من حروف المعجم نحو: البا والتا وأخواتهما اسماً للحرف أو للكلمة أو لغير ذلك جرى مجرى لا إذا سمّيت بها، تقول: هذا باءٌ كما تقول: هذا لاءٌ فاعلم.
باب تسميتك الحروف بالظروف وغيرها من الأسماء اعلم أنَّك إذا سميّت كلمة بخلف أو فوق أو تحت لم تصرفها، لأنهَّا مذكَّرات. ألا ترى انّك تقول: تحيت ذاك،وخليف ذاك، ودوين ذاك. ولو كنّ مؤنّثاتٍ لدخلت فبهن الهاء، كما دخلت في قد يديمةٍ ووريئّةٍ.
وكذلك قبل وبعد، تقول: قبيل وبعيد. وكذلك أين وكيف ومتى عندنا، لأنَّها ظروف، وهي فيعندنا على التذكير، وهي الظروف بمنزلة ما ومن في الأسماء، فنظيرهنَّ من الأسماء غير الظروف مذكّر. والظروف قد تبيَّن لنا أن أكثرها مذكّر حيّث حقّرت، فهي على الأكثر وعلى نظائرها.
وكذلك إذ،هي كالحين وبمنزلة ما هو جوابه، وذلك متى.
وكذلك ثمَّ وهنا، هما بمنزلة أين، وكذلك حيث، وجواب أين كخلف ونحوها.
وأمّا أمام فكلُّ العرب تذكَّره. أخبرنا بذلك يونس.
وأمّا إذا ولدن فكعند، ومثلهن عن فيمن فال: من عن يمينه. وكذلك منذ في لغة من رفع، لأنهَّا كحيث.ولو لم تجد في هذا الباب ما يؤكّد التذكير لكان أن تحمله على التذكير أولى حتىَّ يتبينّ لك أنه مؤنّث.
وأمّا الأسماء غير الظروف فنحو بعض، وكلّ، وأيّ، وحسب. ألا ترى أنَّك تقول: أصبت حسبي من الداء.
وقط كحسب، وإن لم تقع في جميع مواقعها.ولو لم يكن اسماً لم تقل: قطك درهمان، فيكون مبنيّا عليه، كما أنَّ علي بمنزلة فوق وإن خالفتها في أكثر الواضع. سمعنا من العرب من يقول: نهضت من عليه، كما تقول: نهضت من فوقه.
واعلم أنهَّم إنمَّا قالوا: حسبك درهمٌ، وقطك درهمٌ، فأعربوا حسبك لانهَّا أشد تمكنّا. ألا ترى أنهَّا تدخل عليها حروف الجرّ، تقول: بحسبك، وتقول: مررت برجلٍ حسبك، فتصف به. وقط لا تمكَّن هذا التمكَّن.


واعلم أنَّ جميع ما ذكرنا لا ينصرف منه شيءٌ إذا كان اسماً للكلمة، وينصرف جميع ما ذكرنا في المذكّر، إلاّ أن وراء وقدّام لا ينصرفان، لأنهَّما مؤنثّان.
وأمّا ثمَّ وأين وحيث ونحوهنّ إذا صيرن اسماً لرجل أو امرأة أو حرفٍ أو كلمة، فلا بد لهنَّ من أن يتغيرّن عن حالهنَّ ويصرن بمنزلة زيد وعمرو، لأنَّك وضعتهن بذلك الموضع، كما تغيرّت ليت وإنَّ.فإن أردت حكاية هذه الحروف تركتها على حالها قال: " إنّ الله ينهاكم عن قيل وقال " ، ومنهم من يقول: عن قبل وقالٍ، لماّ جعله اسماً. قال ابن مقبل:
أصبح الدهر وقد ألوي بهم ... غير تقوالك من قيلٍ وقال
و القوافي مجرورة. قال:
ولم أسمع به قيلاً وقالا
وفي الحكاية قالوا: مذشبَّ إلى دبَّ، وإن شئتٍّ: مذشبٍّ إلى دب: وتقول إذا نظرت في الكتاب: هذا عمروٌ، وإنمَّا المعنى هذا اسم عمرو وهذا ذكر عمروٍ، ونحو هذا، إّلا أنَّ هذا يجوز على سعة الكلام، كما تقول: جاءت القرية. وإن شئت قلت: هذه عمروٌ،أي هذه الكلمة اسم عمرو، كما تقول: هذه ألفٌ وأنت تريد هذه الدراهم الفٌ. وإن جعلته اسماً للكلمة لم تصرفه، وإن جعلته للحرف صرفته.
وأبو جادٍ وهوّازٌ وحطّيٌّ، كعمروٍ وفي جميع ما ذكرنا، وحال هذه الأسماء حال عمروٍ. وهي أسماءٌ عربيّة، وأمَّا كلمن وسعفص وقريشيات فإنهنَّ أعجمية لا ينصرفن، ولكنهَّن يقعن مواقع عمروٍ وفيما ذكرنا، إّلا أنَّ قريشيات بمنزلة عرفاتٍ وأذرعاتٍ. فإمَّا الألف وما دخلته الألف واللام فإنمَّا يكنَّ معارف بالألف واللام، كما أنَّ الرجل لا يكون معرفة بغير ألف ولام.
باب ما جاء معدولا عن حده من المؤنّث كما جاء المذكّر معدولاً عن حدّه نحو: فسق، ولكع، وعمر، وزفر وهذا المذكّر نظير ذلك المؤنّث.
فقد يجيء هذا المعدول اسماً للفعل، واسماً للوصف المنادّى المؤنّث، كما كان فسق ونحوه المذكّر، وقد يكون اسماً للوصف غير المنادى وللمصدر ولا يكون إلاَّ مؤنّثاً لمؤنّث. وقد يجيء معدولاً كعمر، ليس اسماً لصفة ولا فعلٍ ولا مصدرٍ.
أمّا ما جاء اسماً للفعل وصار بمنزلته فقول الشاعر:
مناعها من إبل مناعها ... ألا ترى الموت لدى ارباعها
تراكها من إبل تراكها ... ألا ترى الموت لدى أوراكها
وقال أبو النجم:
حذار من أرماحنا حذار
وقال رؤبة:
نظار كي أركبها نظار
ويقال: نزال، أي انزل. وقال زهير:
ولنعم حشو الدّرع أنت إذا ... دعيت نزال ولجَّ في الذَّعر
ويقال للضَّبع: دباب، أي دبّي. قال الشاعر:
نعاء ابن ليلى للسمَّاحة والنَّدى ... وأيدي شمالٍ باردات الأنامل
وقال جرير:
نعاء أبا ليلى لكلّ طمرةٍ ... وجرداء مثل القوس سمحٍ حجولها
فالحدّ في جميع هذا أفعل ولكنه معدول عن حده وحرك آخره لأنه لا يكون بعد الألف ساكن. وحرّك بالكسر، إنَّ الكسر مما يؤنّث به. تقول: إنّك ذاهبة وأنت ذاهبة، وتقول: هاتي هذا للجارية، وتقول: هذي أمة الله، واضر. إذا أردت المؤنّث، وإنَّما الكسرة من الياء.
ومما جاء من الوصف منادّى وغير منادّى: يا خباث وبالكاع. فهذا اسم للخبيثة وللَّكعاء ومثل ذلك قول الشاعر، النابغة الجعدي:
فقلت لها عيثي جعار وجرِّري ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره.
وإنَّما هو اسم للجاعرة، وإنَّما يريد بذلك الضَّبع. ويقال لها: فثام، لأنَّها تقثم أي تقطع. وقال الشاعر:
لحقت حلاق بهم على أكسائهم ... ضرب الرِّقاب ولا يهمُّ المغنم
فحلاق معدول عن الحالقة، وإنَّما يريد بذلك المنيّة لأنها تحلق. وقال الشاعر، مهلهل:
ما أرجّى بالعيش بعد ندامى ... قد أراهم سقوا بكأس حلاق
فهذا كلّه معدول عن وجهه وأصله، فجعلوا آخره كآخر ما كان للفعل، لأنَّه معدول عن اصله، كما عدل: نظار وحذار وأشباههما عن حدّهن، وكلهن مؤنّث، فجعلوا بابهنَّ واحدا.
فإن قلت: ما بال فسق ونحوه لا يكون جزما كما كان هذا مكسورا؟ فإنَّما ذلك لم يقع في موضع الفعل فيصير بمنزلة: صه، ومه ونحوهما، فيشبَّه ها هنا به في ذلك الموضع. وإنَّما كسروا فعال ها هنا، لأنَّهم شبّهوها بها في الفعل.
ومما جاء اسماً للمصدر قول الشاعر النابغة:


إنّا اقتسمنا خطَّتينا بيننا ... فحملت برّة واحتملت فجار
ففجار معدول عن الفجرة. وقال الشاعر:
فقال أمكثي حتَّى يسار لعلنا ... نحجُّ معاُ قالت: أعاماً وقابله
فهي معدولة عن الميسرة. وأجرى هذا الباب مجرى الذي قبله أنه عدل كما عدل، ولأنَّه مؤنّث بمنزلته. وقال الشاعر الجعديّ:
وذكرت من لبن المحلَّق شربةً ... والخيل تعدو بالصعَّيد بداد
فهذا بمنزلة قوله: تعدو بدداً، إَّلا أنَّ هذا معدولٌ عن حدّه مؤنثّا.
وكذلك عدلت عليه مساس. والعرب تقول: أنت لا مساس، ومعناه لا تمسنُّي ولا أمسُّك. ودعني كفاف، فهذا معدول عن مؤنّث وإن كانوا لم يستعملوا في كلامهم ذلك المؤنّث الذي عدل عنه بداد وأخواتها.
ونحو ذا في كلامهم. ألا تراهم قالوا:ملامح ومشابه وليالٍ، فجاء جمعه على حدِّ ما لم يستعمل في الكلام، لا يقولون: ملمحة ولا ليلاة. ونحو ذا كثير. قال الشاعر، الملتمس:
جماد لها جماد ولا تقولي ... طوال الدهر ما ذكرت حماد
فهذا بمنزلة جموداً؛ ولا تقولي: حماد عدل عن قوله: حمداً لها، ولكنه عدل عن مؤنّث كبداد.
وأمّا ما جاء معدولاً عن حدّه من بنات الأربعة فقوله:
قالت:له ريح الصَّبا قرقار
فإنَّما يريد بذلك قال له: قرقر بالرَّعد للسَّحاب ،وكذلك عرعار، وهو بمنزلة قرقار، وهي لعبة وإنمَّا هي من عرعرت. ونظيرها من الثلاثة خراج، أي اخرجوا، وهب لعبة أيضاً.
واعلم أنَّ جميع ماذكرنا إذا سميّت به امرأةً فإنَّ بني تميم ترفعه وتنصبه وتجريه مجرى اسمٍ لا ينصرف؛ وهو القياس، لأنَّ هذا لم يكن اسماً علما، فهو عندهم بمنزلة الفعل الذي يكون فعال محدوداً عنه، وذلك الفعل افعل؛ لأن فعال لا يتغّير عن الكسر، كما أنَّ افعل لا يتغير عن حال واحدة. فإذا جعلت افعل اسماً لرجل أو امرأة تغَّير وصار بمنزلة الأسماء، فينبغي لفعال التي هي معدولة عن افعل أن تكون بمنزلة بل هي أقوى. وذلك أنَّ فعال اسمٌ للفعل، فإذا نقلته إلى الإسم إلى شيء هو مثله والفعل إذا نقلته إلى الاسم إلى الاسم نقلته إلى الاسم نقلته إلى شيء هو منه أبعد.
وكذلك كلّ فعال إذا كانت معدولة عن غير افعل إذا جعلتها اسماً، لأنَّك إذا جعلتها علماً فأنت لا تريد ذلك المعنى. وذلك نحو حلاق التي هي معدولة عن الحالقة، وفجار التي هي معدولة عن الفجرة، وما أشبه هذا. ألا ترى أنَّ بني تميم يولون: هذه قطام وهذه حذام؛ لأنَّ هذه معدولة عن حاذمة، وقطام معدولة عن قاطمة أو قطمة وإنمَّا كل واحدةٍ منهما معدولةٌ عن الاسم هو علم ليس عن صفة، كما أن عمر معدول عن عامرٍ علماً لا صفةً. لولا ذلك لقلت: هذا العمر، تريد: العامر.
وأمّا أهل الحجاز فلمّا رأوه اسماً لمؤنّث ورأوا ذلك البناء على حاله لم يغيِّروه؛ لانَّ البناء واحد، وهو ههنا اسم للمؤنّث كما كان ثمَّ اسماً للمؤنث، وهو ههنا معرفة كما كان ثمَّ، ومن كلامهم أن يشبهٍّوا الشيء بالشيء، وإن لم يكن مثله في جميع الأشياء. وسترى ذلك إن شاء الله، ومنه ما قد مضى.
فأمّا ما كان آخره راءً فإنَّ أهل الحجاز وبني تميم فيه متفّقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما اتفقوا في يرى، والحجازيّة هي اللغة الأولى القدمى.
فزعم الخليل: إن إجناح الألف أخفُّ عليهم، يعني: الإمالة، ليكون العمل من وجهٍ واحد، فكرهوا ترك الخفّة وعلموا أنهَّم إن كسروا الراء وصلوا إلى ذلك، وأنهَّم إن رفعوا لم يصلوا.
وقد يجوز أن ترفع وتنصب ما كان في آخره الراء. قال الأعشى:
ومرَّ دهرٌ على وبار ... فهلكت جهرةً وبار
والقوافي مرفوعة.
فممّا جاء وآخره راءٌ: سفار وهو اسم ماء، وحضار وهو اسم كوكب،ولكنَّهما مؤنثان كماويّة والشِّعري، كأنَّ تلك اسم الماءة وهذه اسم الكوكبة.
وممّا يدلَّك على أن فعال مؤنّثة قوله: دعيت نزال، ولم يقل دعي نزال وأنهم لا يصرفون رجلا سموه رقاش وحذام ويجعلونه بمنزلة رجل سموه يضق وأعلم أن جميع ما ذكر في هذا الباب من فقال ما كان منه بالراء وغير ذلك إذا كان شيء منه اسماً لمذكر لم ينجزّ أبدا، وكان المذكر في هذا بمنزلته إذا سمّي بعناقٍ، لأنَّ هذا البناء لا يجيء معدولاً عن مذكّر فيشبَّه به.


تقول: هذا حذام ورأيت حذام قبل، ومررت بحذام قبل سمعت ذلك ممن يوثق بعلمه.
وإذا كان جميع هذا نكرةً انصرف كما ينصرف عمر في النكرة، لأنَّ ذا لا يجيء معدولاً عن نكرة.
ومن العرب من يصرف رقاش وغلاب إذا سمّي به مذكَّرا، لا يضعه على التأنيث، بل يجعله اسماً مذكرّا كأنه سمّي رجلاً بصباح.
وإذا كان الاسم على بناء فعال نحو: حذامٍ ورقاش،لا تدري ما اصله أمعدولٌ أم غير معدول، أم مؤنّث أم مذكّر، فالقياس فيه أن تصرفه؛ لأنَّ الأكثر من هذا البناء مصروف غير معدولٍ، مثل: الذَّهاب، والصَّلاح والفساد، والربَّاب.
واعلم أنّ فعال جائزة من كل ما كان على بناء فعل أو فعل أو فعل، ولا يجوز من أفعلت، لأنا لم نسمعه من بنات الأربعة، إلاَّ أن تسمع شيئاً فتجيزه فيما سمعت ولا تجاوزه. فمن ذلك: قرقار وعرعار.
واعلم أنَّك إذا قلت: فعال وأنت تأمر امرأةً أو رجلاً أو أكثر من ذلك، أنَّه على لفظك إذا كنت تأمر رجلاً واحداً. ولا يكون ما بعده إلاّ نصباً؛ لان معناه افعل كما أنَّ ما بعد افعل لا يكون إلاّ نصباً. وإنما منعهم أن يضمروا في فعال الاثنين والجميع والمرأة، لأنهَّ ليس بفعل، وإنما هو اسمٌ في معنى الفعل.
واعلم أن فعال ليس بمطّرد في الصفات نحو: حلاق، ولا في مصدر نحو: فجار، وإنَّما يطّرد هذا الباب في النداء وفي الأمر.
باب تغيير الأسماء المبهمة إذا صارت علامات خاصّة وذلك: ذا، وذي، وتا، وألا، وألاء وتقديرها أولاع. فهذه الأسماء لما كانت مبهمة تقع على كلّ شكل شيء، وكثرت في كلامهم، خالفوا بها ما سواها من الأسماء في تحقيرها وغير تحقيرها، وصارت عندهم بمنزلة لا وفي نحوها، وبمنزلة الأصوات نحو: غاق وحاء. ومنهم من يقول: غاقٍ وأشباهها؛ فإذا صار اسماً عمل فيه ما عمل بلا؛ لأنَّك قد حوّلته إلى تلك الحال كما حولت لا.
وهذا قول يونس والخليل ومن رأينا من العلماء، إلاّ أنكّ لا تجري ذا اسم مؤنّث لأنه مذكّر إلاّ في قول عيسى، فإنهّ كان يصرف امرأة سميتّها:بعمرو.
وأم ذي فبمنزلة: في، وتا بمنزلة: لا.
وأمّا آلاء فتصرفه اسم رجل وترفعه وتجّره وتنصبه، وتغيّره كما غيرّت هيهات لو سميّت رجلاً به، وتصرفه لأنّه ليس فيه شيء مما لا ينصرف به.
وأمّا ألا فبمنزلة: هدًي منوَّنا، وليس بمنزلة: حجا ورمي لأنَّ هذين مشتقّان، وألا ليس بمشتقّ ولا معدولا، وإنَّما ألا وآلاء بمنزلة: البكا والبكاء، إنمَّا هما لغتان.
وأمَّا الذي فإذا سميّت به رجلا أو بالتّي أخرجت الألف واللام لأنك تجعله علماً له، ولست تجعله ذلك الشيء بعينه كالحارث، ولو أردت ذلك لأثبتّ الصلة. وتصرفه وتجربه مجري عمٍ.
وأمّا اللائي واللاتي فبمنزلة: شآتي وضاري، وتحرج منه الألف واللام. ومن حذف الياء رفع وجرَّ ونصب أيضاً، لأنه بمنزلة الباب. فمن أثبت الياء جعلها بمنزلة قاضي، وقال فيمن قال: اللاء ولاء، لأنه يصيرها بمنزلة بابٍ حرف الأعراب العين، وتخرج الألف واللام هاهنا كما أخرجتهما في الذي وكذلك: ألا في معنى الذين بمنزلة: هديٍ.
وسألت الخليل: عن ذين اسم رجل فقال: هو بمنزلة رجلين ولا أغيِّره لأنه لا يختلُّ الاسم لأن يكون هكذا.
وسألته: عن رجل سمَّي بأولي من قوله:نحن أولو قوَّةٍ وأولو بأسٍ شديد،أو بذوي، فقال:أقول هذا ذوون، وهذا ألون، لأني لم أضف، وإنما ذهبت النون في الإضافة. وقال الكميت:
فلا اعني بذلك أسفليكم ... ولكني أريد به الذوينا
قلت: فإذا سميّت رجلا بذي مالٍ هل تغيره؟ قال لا، ألا تراهم قالوا: ذو يزنٍ منصرف، فلم يغيّروه كأبي فلانٍ، فذا من كلامهم مضاف؛ لأنهَّ صار المجرور منتهى الاسم، وأمنوا التنوين وخرج من حال التنوين حيث أضفت، ولم يكن منتّهى الاسم، واحتملت الإضافة ذا كما احتملت أبازيدٍ، وليس مفردٌ آخره هكذا فاحتملته كما احتملت الهاء عرقوةٌ.
وسألته عن أمسٍ اسم رجل؟ فقال: مصروفٌ؛ لأن أمس ليس هاهنا على الحد ولكنَّه لما كثر في كلامهم وكلن من الظروف تركوه على حالٍ واحدة، كما فعلوا ذلك باين؛ وكسروه كما كسروا غاق، إذ كانت الحركة تدخله لغير إعراب، كما أنَّ حركة غاق لغير إعراب. فإذا صار اسماً لرجل انصرف؛ لأنكَّ قد نقلته إلى غير ذلك الموضع، كما أنكَّ إذا سميّت بغلق صرفته. فهذا يجري مجرى هذا، كما جرى ذا مجرى لا.


واعلم أنَّ بني تميم يقولون في موضع الرفع: ذهب أمس بما فيه، وما رأيته مذ أمس، فلا يصرفون في الرَّفع، لأنهم عدلوه عن الأصل الذي هو عليه في الكلام لا عن ما ينبغي له أن يكون عليه في القياس. ألا ترى أنَّ أهل الحجاز يكسرونه في كلّ المواضع، وبنو تميم يكسرونه في أكثر المواضع في النصب والجر، فلمّا عدلوه عن أصله في الكلام ومجراه تركوا صرفه كما تركوا صرف آخر حين فارقت أخواتها في حذف الألف واللام منها، وكما تركوا صرف سحر ظرفاً؛ لأنه إذا كان مجروراً أو مرفوعاً أو منصوبا غير ظرف لم يكن معرفةً إلا وفيه الألف واللام، أو يكون نكرةً إذا أخرجتا منه، فلمّا صار معرفةً في الظرف بغير ألف ولام خالف في هذه المواضع، وصار معدولاً عندهم كما عدلت أخر عندهم.فتركوا صرفه في هذا الموضع كما ترك صرف أمس في الرفع.
وإن سميّت رجلاً بأمس في هذا القول صرفته، لأنهَّ لا بد لك من أن تصرفه في الجرّ والنصب، لأنهّ في الجّر والنصب مكسورٌ في لغتهم، فإذا انصرف في هذين الموضعين انصرف في الرَّفع، لأنك تدخله في الرفع وقد جرى له الصَّرف في القياس في الجرّ والنصب؛ لأنكَّ لم تعدله عن أصله في الكلام مخالفاً للقياس. ولا يكون أبداً في الكلام اسمٌ منصرف في الجرّ والنصب ولا ينصرف في الرفع. وكذلك سحر اسم رجل تصرفه، وهو في الرجل أقوى؛ لانه لا يقع ظرفاً ولو وقع اسم شيء وكان ظرفاً.صرفته وكان كأمس لو كان أمس منصوبا غير ظرف مكسورٍ كما كان.
وقد فتح قوم أمس في مذ لمّا رفعوا وكانت في الجرّ هي التي ترفع، شَّبهوها بها. قال:
لقد رأيت عجباً مذ أمسا ... عجائزاً مثل السَّعالي خمسا
وهذا قليل.
وأمّا ذه اسم رجل فأنَّك تقول: هذا ذهٌ قد جاء، والهاء بدل من الياء في قولك ذي أمة الله كما أنّ ميم فمٍ بدلٌ من الواو. والياء التي في قولك: ذهي أمة الله، إنمّا هي ياءٌ ليست من الحرف، وإنما هي لبيان الهاء. فإذا صارت اسماً لم تحتج إلى ذلك لمّا لزمتها الحركة والتنوين، والدَّليل على ذلك أنَّك إذا سكت: ذه.
وسمعنا العرب الفصحاء يقولون: ذه أمة الله، فيسكنون الهاء في الوصل كم يقولون: بهم في الوصل.
هذا باب الظروف المبهمة غير المتمكنة وذلك لأنهَّا لا تضاف ولا تصرَّف تصرَّف غيرها، ولا تكون نكرة. وذاك: أين، ومتى، وكيف، وحيث، وإذ، وإذا، وقبل، وبعد. فهذه الحروف وأشباهها لمّا كانت مبهمة غير متمكّنة شبِّهت بالأصوات وبما ليس باسمٍ ولا ظرف. فإذا التقى في شيء منها حرفان ساكنان حركوا الآخر منهما. وإن كان الحرف الذي قبل الآخر متحرَّكا أسكنوه كما قالوا: هل، وبل، وأجل، ونعم، وقالوا: جير فحرّكوه لئّلا يسكن حرفان.
فأمّا ما كان غايةً نحو: قبل، وحيث فإنَّهم يحرّكونه بالضمّة. وقد قال بعضهم: حيث، شبهَّوه بأين. ويدلَّك على أن قبل وبعد غير متمكنّين انه لا يكون فيهما مفردينٍ ما يكون فيهما مضافين؛ لا تقول: قبل وأنت تريد أن تبني عليها كلاما، ولا تقول: هذا قبل ، كما تقول: هذا قبل العتمة، فلمّا كانت لا تمكَّن، وكانت تقع على كلّ، شبهّت حين بالأصوات وهل وبل؛ لأنهَّا ليست متمكنة.
وجزمت لدن ولم تجعل كعند لأنَّها لا تمكن في الكلام تمكّن عند ولا تقع في جميع مواقعه، فجعل بمنزلة قط لأنها غير متمكنّة.
وكذلك قط وحسب، إذا أردت ليس إلاَّ وليس إَّلا وليس إَّلا ذا.وذا بمنزلة قطُّ إذا أردت الزمان، لماّ كنّ غير متمكنّات فعل بهنَّ ذا. وحركوا قطُّ وحسب بالضمّة لأنهمَّا غايتان. فحسب للانتهاء، وقط كقولك: منذ كنت.
وأمّا لد فهي محذوفةً، كما حذفوا يكن. ألا ترى أنَّك إذا أضفت إلى مضمر رددته إلى الأصل، تقول: من لدنه ومن لدنّي؛ فإنمَّا لدن كعن.
وسألت الخليل عن معكم ومع، لأيِّ شيء نصبتها؟ فقال: لأنَّها استعملت غير مضافة أسماً كجميع، ووقعت نكرة، وذلك قولك: جاءا معاً وذهبا معاً وقد ذهب معه، ومن معه، صارت ظرفاً، فجعلوها بمنزلة: أمام وقداَّم. قال الشاعر فجعلها كهل حين اضطرّ، وهو الراعي:
وريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما
وأمّا منذ فضمّت لأنهَّا للغاية، ومع ذا أنّ من كلامهم أن يتبعوا الضمَّ الضمَّ، كما قالوا:ردُّ يافتى.


وسألت الخليل عن من عل،هلاّ جزمت اللام؟ فقال: لأنهَّم قالوا: من علٍ، فجعلوها بمنزلة المتمكّن، فأسبه عندهم من معالٍ، فلمّا أرادوا أن يجعل بمنزلة قبل وبعد حرَّكوه كما حرّكوا أوَّل فقالوا: ابدأ بهذا أوَّل، كما قالوا: يا حكم أقبل في النداء؛ لأنهَّما لمّا كانت أسماءً متمكنةً كرهوا أن يجعلوها بمنزلة غير المتمكنة، فلهذه الأسماء من التمكن ماليس من التمكن ما ليس لغيرها، فلم يجعلوها في الإسكان بمنزلة غيرها وكرهوا أن يخلوا بها. وليس حكم و أوَّل ونحوهما كالذَّي ومن؛ لأنهَّا لا تضاف ولا تتم اسماً، ولا تكون نكرةً، ومن أيضاً لا تتم اسماً في الخبر، ولا تضاف كما تضاف أيٌ، ولا تنوَّن كما تنوَّن أيٌّ.
وجميع ما ذكرنا من الظروف التي شبهّت بالأصوات ونحوها من الأسماء غير الظروف إذا جعل شيء منها اسماً لرجل أو امرأة تغيَّر، كما تغيَّر لو وهل وبل وليت، كما فعلت ذلك بذا وأشباهها؛ لأنّ ذا قبل أن تكون اسما خاصّاً كمن، في أنهَّ لا يضاف ولا يكون نكرةً، فلم يتمكّن تمكُّن غيره من الأسماء.
وسالت الخليل عن قولهم: مذ عامٌ أوَّل، ومذ عامٍ أوَّل فقال: أوَّل ههنا صفة، وهو أفعل من عامك، ولكنَّهم ألزموه هنا الحذف استخفافاً، فجعلوا هذا الحرف بمنزلة أفضل منك.وقد جعلوه اسماً بمنزلة أفكّلٍ، وذلك قول العرب: ما تركت له أولاً ولا آخراً، وأنا أوَّل منه، ولم يقل رجلٌ أوَّل منه، فلمَّا جاز فيه هذان الوجهان أجازوا أم يكون صفةً وأن يكون اسماً. وعلى أيّ الوجهين جعلته اسماً لرجل صرفته اسماً في النكرة. وإذا قلت عامٌ أوَّل فإنما جاز هذا الكلام لأنك تعلم به أنك تعني العام الذي يليه عامك، كما أنَّك إذا قلت أوَّل من أمس أو بعد غدٍ فإنمَّا تعني الذي يليه أمس والذي يليه غدٌ. وأمّا قولهم: ابدأ به أوَّل وابدأ بها أوَّل فإنمَّا تريد أيضاّ أوَّل من كذا، ولكن الحذف جائز جيدِّ، كما تقول: أنت أفضل، وأنت تريد من غيرك. إلاَّ أن الحذف لزم صفة عامٍ لكثرة استعمالهم إيّاه حتى استغنوا عنه. ومثل هذا في الكلام كثير. والحذف يستعمل في قولهم: ابدأ به أوَّل اكثر. وقد يجوز أن يظهروه، إلا أنهَّم إذا أظهروه لم يكن إلا الفتح.
وسألته عن قول بعض العرب، وهو قليل: مذ عامٌ أوّل؟ فقال: جعلوه ظرفاً في ها الموضع، فكأنه قال: مذ عامٌ قبل عامك.
وسألته عن قوله: زيد أسفل منك؟ فقال: هذا ظرف، كقوله عزّ وجلّ: " والرَّكب أسفل منكم " كأنه قال: زيدٌ في مكان أسفل من مكانك. ومثل الحذف في أوَّل لكثرة استعمالهم إيّاه قولهم: لا عليك. فالحذف في هذا الموضع كهذا.
ومثله: هل لك في ذلك؟ ومن له في ذلك؟ ولا تذكر له حاجة، ولا لك حاجة ونحو هذا أكثر من أن يحصى قال يا ليتها كانت لإهلي إبلاً أو هزلت في جدب عام أولاً يكون على الوصف والظرف.
وسألته عن قوله: من دونٍ، ومن فوقٍ، ومن تحتٍ، ومن قبلٍ، ومن بعدٍ، ومن دبرٍ؟ ومن خالف؟ فقال: أجروا هذا مجرى الأسماء المتمكنّة، لأنهَّا تضاف وتستعمل غير ظرف. ومن العرب من يقول: من فوق ومن تحت، يشبهّه بقبل وبعد. وقال أبو النجم:
أقبٌّ من تحت عريضٌ من عل
وقال آخر:
لا يحمل الفارس إلاَّ الملبون ... المحض من أمامه ومن دون
وكذلك من أمام ومن قدّامٍ، ومن وراءٍ، ومن قبلٍ، ومن دبرٍ.
وزعم الخليل أنّهنّ نكراتٌ كقول أبي النجم:
يأتي لها من أيمنٍ وأشمل
وزعم أنهّن نكراتٌ إذا لم يضفن إلا معرفة، كما يكون أيمن وأشمل نكرة.
وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه، ويجعلونه كقولك: من يمنةٍ وشأمةٍ، وكما جعلت ضحوةٌ نكرة وبكرة معرفة.
وأمّا يونس فكان يقول: من قدّام، ويجعلها معرفة، وزعم أنهَّ منعه من الصرف أنهَّا مؤنثّة. ولو كانت شأمةٌ كذا لما صرفها وكانت تكون معرفةً. وهذا مذهبٌ، إلاّ أنهَّ ليس يقوله أحدٌ من العرب.
وسألنا العلويّين والتمَّيميّين، فرأيناهم يقولون: من قد يديمةٍ ومن ورئيِّةٍ لا يجعلون ذلك إلاَّ نكرة، كقولك: صباحاً ومساءً، وعشيّةً وضحوةً. فهذا سمعناه من العرب.
وتقول في النصب على حدّ قولك: من دون ومن أمامٍ: جلست أماماً وخلفاً، كما تقول يمنةً وشأمةً. قال الجعدي.
لها فرطٌ يكون ولا تراه ... أماماً من معرسَّنا وودنا


وسألته عن قوله : جاء من أسفل يا فتى؟ فقال: هذا افعل من كذا وكذا، كما قال عزّ وجلّ: " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم " .
وسألته عن هيهات اسم رجل وهيهاة؟ فقال: أمّا من قال: هيهاة فهي عنده بمنزلة علقاة. والدليل على ذلك أنَّهم يقولون في السكوت: هيهاه. ومن قال: هيهات فهي عنده كبيضاتٍ. ونظير الفتحة في الهاء الكسرة في التاء، فإذا لم يكن هيهات ولا هيهاة علماً لشيء. فهما على حالهما لا يغيرَّان عن الفتح والكسر؛ لأنهَّما بمنزلة ما ذكرنا مماَّ لم يتمكّن.
ومثل هيهاة ذيَّة، إذا لم يكن اسماً، وذلك قولك: كان من الأمر ذيَّة وذيَّة، فهذه فتحةٌ كفتحة الهاء ثمَّ؛ وذلك أنهَّا ليست أسماءً متمكنِّاتٍ، فصارت بمنزلة الصَّوت.
فإن قلت: لم تسكن الهاء في ذيةَّ وقبلها حرف متحرّك؟ فإنَّ الهاء ليست ههنا كسائر. الحروف ألا ترى أنهَّا تبدل في الصلة تاءً وليست زائدة في الاسم، فكرهوا أن يجعلوها بمنزلة ما هو في الاسم ومن الاسم، وصارت الفتحة أولى بها لأنّ ما قبل هاء التأنيث مفتوح أبداً، فجعلوا حركتها كحركة ما قبلها لقربها منه، ولزوم الفتح، وامتنعت أن تكون ساكنة كما امتنعت عشر في خمسة عشر، لأنهَّا مثلها في أنهَّا منقطعة من الأوَّل، ولم تحتمل أن يسكن حرفان وأن يجعلوهما كحرف.
ونظير هيهات وهيهاة في اختلاف اللغتين، قول العرب:استأصل الله عرقاتهم، واستأصل الله عرقاتهم، بعضهم يجعله بمنزلة عرسٍ وعرساتٍ، كأنك قلت: عرقٌ وعرقان وعرقاتٌ. وكلاًّ سمعنا من العرب.
ومنهم من يقول: ذيت فيخفِّف، ففيها إذا خففّت ثلاث لغات: منهم من يفتح كما فتح بعضهم حيث وحوث، ويضمّ يعضهم حيث وحوث، ويضمّ بعضهم كما ضمّتها العرب، ويكسرون أيضاً كما أولاء؛ لأنَّ التاء الآن إنمَّا هي بمنزلة ما هو من نفس الحرف.
وسالت الخليل عن شتّان فقال: فتحها كفتحة هيهاة، وقصتها في غير المتمكن كقصّتها ونحوها، ونونها كنون سبحان زائدةٌ. فإن جعلته اسم رجل فهو كسبحان.
باب الأحيان في الانصراف وغير الانصراف اعلم أنّ غدوة وبكرة جعلت كلَّ واحدة منهما اسماً للحين، كما جعلوا أمَّ حبينٍ اسماً للدّابةّ معرفة.
فمثل ذلك قول العرب: هذا يوم اثنين مباركاً فيه، وأتيتك يوم اثنين مباركاً فيه. جعل اثنين اسماً له معرفة، كما تجعله اسماً لرجل.
وزعم يونس عن أبي عمرو، وهو قوله أيضاً وهو القياس، انكَّ إذا قلت: لقيته العام الأوّل، أو يوماً من الأيام، ثم قلت: غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون وكذلك إذا لم تذكر العام الأول ولم تذكر، إلاَّ المعرفة ولم تقل يوماً من الأيّام، كأنك قلت: هذا الحين في جميع هذه الأشياء. فإذا جعلتها اسماً لهذا المعنى لم تنوّن. وكلك تقول العرب.
فإمّا ضحوة وعشية فلا يكونان إلاَّ نكرة على كلّ حال، وهما كقولك: آتيك غذاً وصباحاً ومساءً. وقد تقول: أتيتك ضحوةً وعشيةً، فيعلم أنكَّ تريد عشيّة يومك وصحوته، كما تقول: عاماً أوّل فيعلم أنك تريد العام الذي يليه عامك.
وزعم الخليل أنّه يجوز أن تقول: آتيتك اليوم غدوةً وبكرةً، تجعلها بمنزلة ضحوةٍ.
وزعم أبو الخطَّاب أنهَّ سمع من يوثق به من العرب يقول:آتيك بكرةً وهو يريد الإتيان في يومه أو في غده. ومثل ذلك قول الله عزّ وجلّ: " ولهم رزقهم فيها بكرةً وعشياَّ " .هذا قول الخليل.
وأمَّا سحر إذا كان ظرفا فإنَّ ترك الصرف فيه قد بيّنته لك فيما مضى.
وإذا قلت:مذ السَّحر أو عند السَّحر الأعلى، لم يكن إلاّ بالألف واللام.فهذه حاله، لا يكون معرفةً إلاّ بهما. ويكون نكرةً إّلا في الموضع الذي عدل فيه.
وأمّا عشيّةٌ فإنَّ بعض العرب يدع فيه التنوين ،كما ترك في غدوة.
هذا باب الألقاب إذا لقَّبت مفرداً بمفرد أضفته إلى الألقاب،وهو قول أبي عمرو ،ويونس والخليل ،وذلك قولك :هذا سعيد كرزٍ ،وهذا قيس قفَّة قد جاء، وهذا زيد بطَّةً ،فإنّما جعلت قفَّة معرفةً لأنَّك أردت المعرفة التي أردتها إذا قلت: هذا قيسٌ.فلو نوّنت قفًّة .صار الاسم نكرةً،لأن المضاف إنَّما يكون نكرة ومعرفة بالمضاف إليه، فيصير قفةّ هاهنا كأنها كانت معرفة قبل ذلك ثم أضفت إليها.


ونظير ذلك انه ليس عربيٌّ يقول: هذه شمس فيجعلها معرفة، إلاّ أن يدخل فيها ألفاً ولاماً. فإذا قال: عبد شمس صارت معرفة، لأنه أراد شيئاً بعينه، ولا يستقيم أن يكون ما أضفت إليه نكرةً.
فإذا لقَّبت المفرّد بمضاف والمضاف بمفرد، جرى أحدهما على الآخر كالوصف، وهو قول أبي عمرو ويونس والخليل. وذلك قولك: هذا زيدٌ وزن سبعةٍ، وهذا عبد الله بطَّة يا فتى، وكذلك إن لقبّت المضاف بالمضاف.
وإنمَّا جاء هذا مفترقاً هو والأوّل لأنَّ أصل التسمية والذي وقع عليه الأسماء، أن يكون للرجل اسمان: أحدهما مضاف، والآخر مفرد أو مضاف، ويكون أحدهما وصفاً للآخر؛ وذلك الاسم والكنية، وهو قولك: زيدٌ أبو عمروٍ، وأبو عمرٍو زيدٌ، فهذا أصل التسمية وحدُّها. وليس من أصل التسمية عندهم أن يكون للرجل اسمان مفردان، فإنما أجروا الألقاب على أصل التسمية، فأرادوا أن يجعلوا اللفَّظ بالألقاب إذا كانت أسماءًٍ على أصل تسميتهم، ولا يجاوزوا ذلك الحَّد.
باب الشيئين الَّلذين ضمّ أحدهما إلى الآخر فجعلا بمنزلة اسم واحد كعيضموزٍ وعنتريس وذلك نحو: حضرموت وبعلبك.ومن العرب من يضيف بعل إلى بكٍّ، كما اختلفوا في رام هرمز، فجعله بعضهم اسماً واحداً، وأضاف بعضهم رام إلى هرمز. وكذلك مار سرجس، وقال بعضهم:
مار سرجس لا قتالا
وبعضهم يقول في بيت جرير:
لقيّم بالجزيرة خيل قيسٍ ... فقلتمّ مار سرجس لا قتالا
وأمّا معد يكرب ففيه لغات: منهم من يقول: معد يكربٍ فيضيف، ومنهم من يقول: معد يكرب فيضيف ولا يصرف، يجعل كرب اسماً مؤنثّا ومنهم من يقول: معد يكرب فيجعله اسماً واحداً فقلت ليونس: هلاّ صرفوه إذ جعلوه اسماً واحداً وهو عربيّ؟ فقال: ليس شيءٌ يجتمع من شيئين فيجعل اسماً سميِّ به واحدٌ إلاّ لم يصرف.وإنمّا استثقلوا صرف هذا لأنَّه ليس أصل بناء الأسماء.يدلّك على هذا قلّته في كلامهم في الشيء الذي يلزم كلَّ من كان من أمتّه ما لزمه، فلمّا لم يكن هذا البناء أصلاً ولا متمكنِّا كرهوا أن يجعلوه بمنزلة المتمكّن الجاري على الأصل، فتركوا صرفه كما تركوا صرف الأعجميّ. وهو مصروف في النكرة، كما تركوا صرف إبراهيم وإسماعيل لأنهما لم يجيئا على مثال ما لا يصرف في النكرة كأحمر، وليس بمثال يخرج إليه الواحد للجميع نحو: مساجد ومفاتيح، وليس بزيارة لحقت لمعنًى كألف حبلي، وإنمَّا هي كلمة كهاء التأنيث، فثقلت في المعرفة إذ لم يكن اصل بناء الواحد؛ لأنَّ المعرفة أثقل من النكرة. كما تركوا صرف الهاء في المعرفة وصرفوها في النكرة لما ذكرت بك، فإنما معد يكرب واحدٌ كطلحة، وإنما بني ليلحق بالواحد الأوّل المتمكن، فثقل في المعرفة لما ذكرت بك، ولم يحتمل ترك الصرف في النكرة.وأمّا خمسة عشر وأخواتها وحادى عشر وأخواتها، فهما شيئان جعلا شيئاً واحداً. وإنمَّا أصل خمسة عشر: خمسةٌ، وعشرةٌ، ولكنهم جعلوه بمنزلة حرف واحد. وأصل حادى عشر أن يكون مضافاً كثالث ثلاثة، فلمَّا خولف به عن حال أخواته مما يكون للعدد خولف به وجعل كأولاء، إذ كان موافقاً له في أنهَّ مبهم يقع على كل شيء. فلمَّا اجتمع فيه هذان أجرى مجراه، وجعل كغير المتمكّن. والنون لا تدخله كما تدخل غاقٍ، لأنَّها محالفة لها ولضربها في البناء؛ فلم يكونوا لينوّنوا لأنهَّا زائدة ضمّت إلى الأوّل، فلم يجمعوا، عليه هذا والتنوين.
ونحو هذا في كلامهم: حيص بيص مفتوحة، لأنهَّا ليست متمكِّنة.
قال أميّة بن أبي عائذ
قد كنت خرّاجا ولوجاً صيرفاً ... لم تلتحصني حيص بيص لحاص
واعلم أنَّ العرب تدع خمسة عشر في الإضافة والألف واللام على حال واحدة، كما تقول: اضرب أيهُّم أفضل، وكالآن، وذلك لكثرتها في الكلام وأنهَّا نكرة فلا تغيَّر.
ومن العرب من يقول: خمسة عشرك، وهي لغة رديئة.


ومثل ذلك: الخازباز، وهو عند بعض العرب: ذبابٌ يكون في الرَّوض، وهو عند بعضهم: الداء، جعلوا لفظه كلفظ نظائره في البناء، وجعلوا آخره كسراً كجير وغاق؛ لأنَّ نظائره في الكلام التي لم تقع علامات إنما جاءت متحرّكة بغير جرٍ ولا نصب ولا رفع، فألحقوه بما بناؤه كبنائه، كما جعلوا حيث في بعض اللغات كأين، وكذلك حينئذ في بعض اللغات، لأنَّه مضاف إلى غير متمكّن، وليس كأين في كلّ شيء. كما جعلوا الآن كأين وليس مثله في كلّ شيء، ولكنه يضارعه في أنه ظرف، ولكثرته في الكلام كما يضارع حينئذ أين في أنه أضيف إلى اسم غير متمكّن. فكذلك صار هذا: ضارع خمسة عشر في البناء، وأنهَّ غير علم.
ومن العرب من يقول: الخربار، ويجعله بمنزلة سربال. قال الشاعر:
مثل الكلاب تهرَّ عند درابها ... ورمت لهازمها من الخرباز
وأما صهيل التي للأمر فمن شيئين يدلك على ذلك حي على الصلاة وزعم أبو الحطَّاب: أنهَّ سمع من يقول: حي هل الصلاة. والدَّليل على أنهما جعلا اسماً واحداص قول الشاعر:
وهيَّج الحيَّ من دارٍ فظلَّ لهم ... يومٌ كثيرٌ تناديه وحيَّهله
والمواقي مرفوعة. وأنشدناه هكذا أعرابيٌّ من أفصح الناس، وزعم أنه شعر أبيه.
وقد قال بعضهم: الخازباء، جعلها بمنزلة: القاصعاء والنافقاء.
وجميع هذا إذا صار شيءٌ منه علما أعرب وغيِّر، وجعل كحضرموت، كما غيرّت أولاد واذ ومن والأصوات ولو ونحوها، حين كنَّ علامات.
قال الشاعر، وهو الجعدي:
بحيهَّلا يزجون كلَّ مطيّةٍ ... أمام المطايا سيرها المتقاذف
وقال بعضهم:
وجنَّ الخازباز به جنونا
ومن العرب من يقول: هو الخازباز والخازباز، وخازبازٍ فيجعلها كحضرموتٍ.
ومن العرب من يقول: حيهَّلا، ومن العرب من يقول: حهيَّل إذا وصل، وإذا وقف أثبت الألف. ومنهم من لا يثبت الألف في الموقف والوصل.
وقد قال بعضهم: الخازباز جعله بمنزلة حضرموت.
وأمّا عمرويه فإنهَّ زعم أنه أعجميٌّ، وأنه ضربٌ من الأسماء الأعجمية، وألزموا آخره شيئاً لم يلزم الأعجمّية، فكما تركوا صرف الأعجميّة جعلوا ذا بمنزلة الصوَّت، لأنهمَّ رأوه قد جمع أمرين، فحطّوه درجةً عن إسماعيل وأشباهه؛ وجعلوه في النكرة بمنزلة غاقٍ، منوّنةً مكسورة في كلِّ موضع.
وزعم الخليل: أن اللذين يقولون: غاق غاق، وعاء وحاء، فلا ينّوّنون فيها ولا في أشباهها، أنهّا معرفة، وكأَّنك قلت في عاء وحاء الإتباع، وكأنه قال: قال الغراب هذا النحو. وأنَّ الذين قالوا: عاء وحاء وغاقٍ، جعلوها نكرة.
وزعم الخليل: أن الذين قالوا: صهٍ ذاك أرادوا النكرة، كأنهم قالوا: سكوتاً: إيهٍ وإيهاً وويهٍ وويهاً، إذا وقفت قلت: ويهاً، ولا يقول: إيهٍ في الوقف. وإيهاً وأخواته نكرةٌ عندهم، وهو صوتٌ.
وعمرويه عندهم بمنزلة حضرموت، في أنهَّ ضمّ الآخر إلى الأوّل. وعمرويه في المعرفة مكسورة في حال الجرّ والرفع والنصب غير منوَّن. وفي النكرة تقول: هذا عمرويهٍ آخر، ورأيت عمرويهٍ آخر.
وسألت الخليل عن قوله: فداءٍ لك، فقال: بمنزلة أمس؛ لأنهَّا كثرت في كلامهم، والجرُّ كان أخفَّ عليهم من الرفع إذ أكثروا استعمالهم إيَّاه، وشبّهوه بأمس، ونوّن لأنهّ نكرة. فمن كلامهم أن يشبِّهوا الشيء بالشيء وإن كان ليس مثله في جميع الأشياء.
وأمّا يوم يومٍ، وصباح مساءٍ، وبيت بيتٍ، وبين بينٍ، فإنَّ العرب تختلف في ذلك: يجعله بعضهم بمنزلة اسمٍ واحد، وبعضهم يضيف الأوّل إلى الآخر ولا يجعله اسماً واحداً. ولا يجعلون شيئاً من هذه الأسماء بمنزلة اسمٍ واحد إلاّ في حال الظرف أو الحال، كما يجعلوا: يا ابن عمَّ ويا ابن أمَّ بمنزلة شيء واحدٍ إلاّ في حال النداء.
والآخر من هذه الأسماء في موضع جرّ، وجعل لفظه كلفظ الواحد وهما اسمان أحدهما مضاف إلى الآخر. وزعم يونس، وهو رأيه، أنَّ أبا عمرٍو كان يجعل لفظه كلفظ الواحد إذا كان شيءٌ منه ظرفاً أو حالا.
وقال الفرزدق:
ولولا يوم يومٍ ما أردنا ... جزاءك والقروض لها جزاء
فالأصل في هذا والقياس الإضافة. فإذا سميّت بشيء من هذا رجلاً أضفت، كما أنَّك لو سميتّه ابن عمّ لم يكن إلاّ على القياس.
وتقول: أنت تأتينا في كلّ صباح مساءٍ، ليس إلاَّ.


وجعل لفظهنَّ في ذلك الموضع كلفظ خمسة عشر، ولم يبن ذلك البناء في غير هذا الموضع. وهذا قول جميع من نثق بعلمه وروايته عن العرب. ولا أعلمه إلاّ قول الخليل.
وزعم يونس: أن كفّة كفّةٍ كذلك، تقول: لقيته كفّة كفّةٍ، وكفّة كفّة. والدليل على أنَّ الآخر مجرور ليس كعشر من خمسة، أنَّ يونس زعم أن رؤية كان يقول: لقيته كفّةً عن كفّةٍ يا فتى. وإنمَّا جعل هذا هكذا في الظرف والحال لأنَّ حد الكلام وأصله أن يكون ظرفاً أو حالا.
وأمَّا أيادي سبا وقالي قلا، وبادي بدا، فإنمّا هي بمنزلة: خمسة عشر. تقول: جاءوا أيادي سبا. ومن العرب من يجعله مضافا فينوّن سباً.
قال الشاعر، وهو ذو الرمّة:
فيالك من دارٍ تحمَّل أهلها ... أيادي سباً بعدي وطال احتيالها
فينوّن ويجعله مضافاً كمعد يكربٍ.
وأما قوله: كان ذلك بادي بدا؛ فإنهَّم جعلوها بمنزلة: خمسة عشر. ولا نعلمهم أضافوا، ولا يستنكر أن تضيفها، ولكن لم أسمعه من العرب.ومن العرب من يقول: بادي بدي. قال أبو نخيلة:
وقد علتني ذرأة بادي بدى ... ورثية تنهض في تشددي
ومثل أيادي سبا وبادى بدا قوله: ذهب شغر بغر. ولا بدّ من أن يحرِّكوا آخره كما ألزموا التحريك الهاء في ذيَّة ونحوها؛ لشبه الهاء بالشيء الذي ضم إلى الشيء.
وأما قالي قلا فمنزلة حضرموت. قال الشاعر:
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعاً ... بقالي قلا أومن وراء دبيل
وسألت الخليل عن الياءات لم لم تنصب في موضع النصب إذا كان الأول مضافاً، وذلك قولك: رأيت معد يكرب، واحتملوا أيادي سبا؟ فقال: شبَّهوا هذه الياءات بألف مثنى حيث عرَّوها من الرفع والجر، فكما عرّوا الألف منهما عرَّوها من النصب أيضاً، فقالت الشعراء حيث اضطرّوا، وهو رؤية:
سوَّي مساحيهنَّ تقطيط الحقق
وقال بعض السّعدييِّن:
يا دار هند عفت إلاَّ أثافيها
وإنما اختصّت هذه الياءات في هذا الموضع بذا لأنهم يجعلون الشيئين ههنا اسماً واحداً، فتكون الياء غير حرف الإعراب، فيسكنونها ويشبِّهونها بياء زائدة ساكنة نحو ياء دردبيس ومفاتيح. ولم يحركوها كتحريك الراء في شغر لاعتلالها، كما لم تحرك قبل الإضافة وحركت نظائرها من غير الياءات، لأن للياء والواو حالاً ستراها إن شاء الله، فألزموها الإسكان في الإضافة ههنا إذ كانت قد تسكن فيما لا يكون وما بعده بمنزلة اسم واحد في الشعر.
ومثل ذلك قول العرب: لا أفعل ذاك حيرى دهر. وقد زعموا أن بعضهم ينصب الياء، ومنهم من يثقل الياء أيضاً.
وأما اثنا عشر فزعم الخليل أنه لا يغير عن حاله قبل التسمية، وليس بمنزلة خمسة عشر، وذلك أن الإعراب يقع على الصدر فيصير اثنا في الرفع، واثنى في النصب والجر، وعشر بمنزلة النون ولايجوز فيها الإضافة. كما لا يجوز في مسلمين، ولا تحذف عشر مخافة أن يلتبس بالاثنين فيكون علم العدد قد ذهب. فإن صار اسم رجل فأضفت حذفت عشر لأنك لست تريد العدد، وليس بموضع التباس، لأنك لا تريد أن تفرق بين عددين فإنما هو بمنزلة زيدين.
وأما أخول أخول فلا يخلو من أن يكون كشغر بغر، وكيوم يوم.
باب ما ينصرف ومالا ينصرف من بنات الياء والواو التي الياءات والواوات منهن لامات اعلم أن كل شيء كانت لامه ياءً أو واواً، ثم كان قبل الياء والواو حرف مكسور أو مضموم، فإنها تعتلُّ وتحذف في حال التنوين، واواً كانت أو ياء، وتلزمها كسرة قبلها أبداً، ويصير اللفظ بما كان من بنات الياء والواو سواء.
واعلم أن كل شيء من بنات الياء والواو كان على الصفة فإنّه ينصرف في حال الجر والرفع. وذلَّك أنَّهم حذفوا الياء فخفّ عليهم، فصار التنوين عوضاً. وإذا كان شيء منها في حال النصب نظرت: فإن كان نظيره من غير المعتلّة مصروفاً صرفته، وإن كان غير مصروف لم تصرفه؛ لأنَّك تتم في حال النصب كما تتم غير بنات الياء والواو. وإذا كانت الياء زائدة وكانت حرف الإعراب، وكان الحرف الذي قبلها كسراً فإنّها بمنزلة الياء التي من نفس الحرف، إذ كانت حرف الإعراب.
وكذلك الواو تبدل كسرة إذا كان قبلها حرف مضموم وكانت حرف الإعراب وهي زائدة: تصير بمنزلتها إذا كانت من نفس الحرف وهي حرف الإعراب.


فمن الياءات والووات اللواتي ما قبلها مكسور قولك: هذا قاضٍ، وهذا غازٍ، وهذه مغاز، وهؤلاء جوارٍ. وما كان ما منهن ما قبله مضموم فقولك: هذه أدلٍ وأظبٍ، ونحو ذلك.
هذا ما كانت الياء فيه و الواو من نفس الحرف.
وأمّا ما كانت الياء فيه زائدة وكان الحرف قبلها مكسوراً فقولك: هذه ثمانً وهذه صحار، ونحو ذلك.
وأما ما كانت الواو فيه زائدة وكان الحرف قبلها مضموماً فقولك: هذه عرق كما ترى، إذا أرت جمع عرقوة. قال الرجز:
حتَّى تقضّى عرقى الدلىِّ
وجميع هذا في حال النصب بمنزلة غير المعتل. ولو سميت رجلا بقيل فيمن ضم القاف كسرتها اسما حتى تكون كبيضٍ.
واعلم أنَّ كلّ ياء أو واو كانت لاماً، وكان الحرف قبلها مفتوحاً، فإنَّها مقصورة تبدل مكانها الألف، ولا تحذف في الوقف، وحالها في التنين وترك التنوين بمنزلة ما كان غير معتّل؛ إلاَّ أنَّ الألف تحذف لسكون التنوين ويتمُّون الأسماء في الوقف.
وإن كانت الألف زائدة فقد فسرنا أمرها.
وإن جاءت في جميع ما لا ينصرف فهي غير منونة، كما لا ينوّن غير المعتلّ، لأنَّ الاسم متمٌّ. وذلك قولك: عذارى وصحارى، فهي الآن بمنزلة مدارى ومعايا لأنها مفاعل، وقد أتم وقلبت ألفا.
وإن كانت الياء والواو قبلها حرف ساكن وكانت حرف الإعراب، فهي بمنزلة غير المقتل وذلك نحو قولك ظبي ودلو وسألت الخليل عن رجل يسمى بقاض فقال هو بمنزلة قبل أن يكون إسماً في الوقف والوصل وجميع الأشياء كما أن مثنى ومعلى إذا كان إسماً فهو إذا كانت نكرة، ولا يتغيّر هذا عن حال كان عليها قبل أن يكون اسماً كما لم يتغيَّر معلَّى، وكذلك عم. وكلّ شيء كان من بنات الياء والواو انصرف نظيره من غير المعتلّ فهو بمنزلته.
وسألت الخليل عن رجل يسمى بجوار، فقال: هو في حال الجرّ والرفع بمنزلته قبل أن يكون اسماً. ولو كان من شأنهم أن يدعوا صرفه في المعرفة لتركوا صرفه قبل أن يكون معرفة، لأنَّه ليس شيء من الانصراف بأبعد من مفاعل، فلو امتنع من الانصراف في شيء لامتنع إذا كان مفاعل وفواعل ونحو ذلك. قلت: فإن جعلته اسم امرأة؟ قال: أصرفها؛ لأن هذا التنوين جعل عوضاً، فيثبت إذا كان عوضاً كما ثبتت التنوينة في أذرعات إذ صارت كنون مسلمين.
وسألته عن قاضٍ اسم امرأة، فقال: مصروفة في حال الرفع والجرّ، تصير ههنا بمنزلتها إذ كانت في مفاعل وفواعل. وكذلك أدل اسم رجل عنده؛ لأنَّ العرب اختارت في هذا حذف الياء إذا كانت في موضع غير تنوين في الجرّ والرفع، وكانت فيما لا ينصرف، وان يجعلوا التنوين عوضاً من الياء ويحذفوها.
وسألته عن رجل يسمَّى أعمى فقلت: كيف تصنع به إذا حقّرته؟ فقال: أقول: أعيم، أصنع به ما صنعت به قبل أن يكون اسماً لرجل؛ لأنَّه لو كان يمتنع من التنوين ههنا لامتنع منه في ذلك الموضع قبل أن يكون اسماً لرجل، كما أنَّ أحيمر وهو اسم لرجل وغير اسم سواء. ومن أبى هذا فخذه بقاضٍ اسم امرأة، فإن لم يصرفه فخذه بجوار فجوار فواعل، وفواعل أبعد من الصرف من فاعل معرفةً وهو اسم امرأة، لأنَّ ذا قد ينصرف في المذكّر، وفواعل لا يتغيّر على حال، وفاعل بناء ينصرف في الكلام معرفةً ونكرةً وفواعل بناء لا ينصرف. فاشد أحوال قاضٍ اسم امرأة أن يكون بمنزلة هذا المثال الذي لا ينصرف البتَّة في النكرة. فإن كانت هذه، يعني قاض، لا تنصرف ههنا لم تنصرف إذا كانت في فواعل. فإن صرف فجوار قبل أن يكون اسماً بمنزلة قاضٍ اسم امرأة.
وسألته عن رجل يسمَّى برمي أو أرمي؟ فقال: أنوِّنه، لأنَّه إذا صار اسماً فهو بمنزلة قاضٍ إذا كان اسم امرأة.
وسألت الخليل فقلت: كيف تقول مررت بأفيعل منك، من قوله مررت بأعيمى منك؟ فقال: مررت بأعيم منك، لأنَّ ذا موضع تنوين. ألا ترى بأنك تقول: مررت بخير منك، وليس أفعل منك بأثقل من افعل صفة.


وأمّا يونس فكان ينظر إلى كلّ شيء من هذا إذا كان معرفة كيف حال نظيره من غير المعتل معرفة، فإذا كان لا ينصرف لم ينصرف، يقول: هذا جواري قد جاء، ومررت بجواري قبل. وقال الخليل: هذا خطأ لو كان من شأنهم أن يقولوا هذا في موضع الجرّ لكانوا خلقاء أن يلزموا الرفع والجرّ، إذ صار عندهم بمنزلة غير المعتلّ في موضع الجرّ، ولكانوا خلقاء أن ينصبوها في النكرة إذا كانت في موضع الجرّ، فيقولوا: مررت بجواري قبل، لأنَّ ترك التنوين في ذا الاسم في المعرفة والنكرة على حال واحدة.
ويقول يونس للمرأة تسمَّى بقاضٍ: مررت بقاضي قبل، ومررت بأعيمى منك. فقال الخليل: لو قالوا هذا لكانوا خلقاء أن يلزموها الجرّ والرفع، كما قالوا حين اضطروا في الشعر فأجروه على الأصل، قال الشاعر الهذلىّ:
أبيت على معاري واضحات ... بهنّ ملوَّب كدم العباط
وقال الفرزدق:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا
فلمَّا اضطرُّوا إلى ذلك في موضع لا بدَّ لهم فيه من الحركة أخرجوه على الأصل.
قال الشاعر، ابن قيس الرقيّات:
لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهنَّ مطَّلب
وقال: وأنشدني أعرابي من بني كليب، لجرير:
فيوماً يوافيني الهوى غير ماضىٍ ... ويوماً ترى منهن غولاً تغوَّل
قال: ألا تراهم كيف جرُّوا حين اضطرُّوا، كما نصبوا الأوّل حين اضطرُّوا. وهذا الجرّ نظير النصب.
فإن قلت: مررت بقاضي قبل اسم امرأة، كان ينبغي لها أن تجرَّ في الإضافة فتقول: مررت بقاضيك.
وسألناه عن بيت أنشدناه يونس:
قد عجبت منيِّ ومن يعيليا ... لمَّا رأتني خلقاً مقلوليا
فقال: هذا بمنزلة قوله:
ولكنَّ عبد الله مولى مواليا
وكما قال:
سماء الإله فوق سبع سمائيا
فجاء به على الأصل؛ وكما أنشدناه من نثق بعربيَّته:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بي زياد
فجعله حين اضطرّ مجروماً من الأصل. وقال الكميت:
خريع دوادي في ملعب ... تأزَّر طوَّراً وتلقى الإزارا
اضطرّ فأخرجه كما قال: ضنينوا وسألته عن رجل يسمّى يغزو، فقال: رأيت يغزى قبل، وهذا يغز، وهذا يغزى زيد، وقال: لا ينبغي له أن يكون في قول يونس إلا يغزى، وثبات الواو خطأ، لأنه ليس في الأسماء واو قبلها حرف مضموم، وإنما هذا بناء اختصَّ به الأفعال، ألا ترى أنَّك تقول: سرو الرجل ولا ترى في الأسماء فعل على هذا البناء. ألا ترى أنَّه قال: أنا أدلو حين كان فعلاً، ثم قال: أدل حين جعلها اسماً. فلا يستقيم أن يكون الاسم إلا هكذا.
فإن قلت: أدعه في المعرفة على حاله وأغيِّره في النكرة. فإن ذلك غير جائز، لأنك لم تر اسماً معروفاً أجرى هكذا.
قال الشاعر:
لا مهل حتَّى تلحقي بعنس ... أهل الريِّاط البيض والقلنسي
عنس: قيبلة. ولم يقل القلنسو.
ولا يبنون الاسم على بناء إذا بلغ حال التنوين تغيَّر وكان خارجاً من حد الأسماء، كما كرهوا أن يكون إي وفي، في السكوت وترك التنوين، على حالٍ يخرج منه إذا وصل ونوّن فلا يكون على حدّ الأسماء، فقرّوا من هذا كما فرُّوا من ذاك. ويكفيك من ذا قولهم: هذه أدلى زيد.
فإن قلت: إنما أعرب في النكرة، فلم يغيِّر البناء. كذلك أيضاً لا يكون في المعرفة على بناء يتغيَّر في النكرة.
وتقول في رجل سمَّيته بارمه: هذا إرم قد جاء، وينوّن، في قول الخليل، وهو القياس.
وتقول: رأيت إرمى قبل، يبيّن الياء، لأنها صارت اسماً وخرجت من موضع الجزم، وصارت من موضع يرتفع فيه وينجر وينتصب.
وإذا سميت رجلا بعه قلت: هذا وعٍ قد جاء، صيَّرت آخره كآخر إرمه حين جعلته اسماً. فإذا كان كذلك كان مختلاًّ؛ لأنَّه ليس اسم على مثال عٍ، فتصيّره بمنزلة الأسماء، وتلحقه حرفاً منه كان ذهب، ولا تقول: عيٌّ فتلحقه بالأسماء بشيء ليس منه، كما وأنَّك لو حقَّرت شيةً وعدةً لم تلحقه ببناء المحقَّر الذي اصل بنائه على ثلاثة أحرف بشيء ليس منه وتدع ما هو منه، وذلك قولك: هذا وعٍ كما ترى.


ولو سمَّيت رجلاً لأعدت الهمزة والألف فقلت: هذا إرأً قد جاء، وتقديره: إدعى، تلحقه بالأسماء بأن تضم إليه ما هو منه، كما تقول: وعيدةٌ وشيَّةٌ ولا تقول: عديَّةٌ ولا وشيَّةٌ، لأنك لا تدع ما هو منه وتلحق ما ليس منه.
ولا يجوز أن تقول: هذا عه، كما لم يجز ذلك في آخر إرمه.
وإن سمَّيت رجلاً قل أو خف أو بع أو أقم قلت: هذا قول قد جاء وهذا بيع قد جاء، وهذا خاف قد جاء، وهذا اقيم قد جاء؛ لأنَّك قد حركت آخر حرفٍ وحوَّلت هذا الحرف من المكان وعن ذلك المعنى، فإنّما حذقت هذه الحروف في حال الأمر لئَّلا ينجزم حرفان، فإذا قلت: قولا أو خافا أو بيعا أو أقيموا، أظهرت للتحرك، فهو ههنا إذا صار اسماً أجدر أن يظهر.
ولو سميت رجلا لم يرد أو لم يخف، لوجب عليك أن تحكيه؛ لأنَّ الحرف العامل هو فيه، ولو لم تظهر هذه الحروف لقلت: هذا يريد وهذا يخاف.
وكذلك لو سمَّيته بتردد من قولك: إن تردد أردد، وإن تخف أخف لقلت: هذا يخاف ويرد. ولو لم تقل ذا لم تقل في إرمه إرمي، ولتركت الياء محذوفة، ولكنما أظهرتها في موضع التحرُّك، كما تظهرها إذا قلت: ارميا وهو يرمي.
وإذا سمَّيت رجلا باعضض قلت: هذا إعض كما ترى، لأنّك إذا حرَّكت اللام من المضاعف أدغمت، وليس اسم من المضاعف تظهر عينه ولامه فإذا جعلت إعضض اسماً قطعت الألف كما قطعت ألف إضرب، وأدغمت كما تدغم أعضُّ إذا أردت أنا أفعل؛ لأنّ آخره كآخره، ولو لم تدغم ذا لما أدغمت إذا سمّيت بيعضض من قولك: إن يعضض أعضض، ولا تعضض.
وإذا سمّيت رجلاً بألبب من قولك:
قد علمت ذاك بنات ألبب
تركته على حاله، لأنّ هذا اسم، جاء على الأصل، كما قالوا: رجاء ابن حيوة، وكما قالوا: ضيون، فجاءوا به على الأصل. وربَّما جاءت العرب بالشيء على الأصل ومجرى بابه في الكلام على غير ذلك.
باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد قال الخليل يوماً وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في لك والكاف التي في مالك، والباء التي في ضرب؟ فقيل له: نقول: باء الكاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف. وقال: أقول كه وبه. فقلنا: لم ألحقت الهاء، فقال: رأيتهم قالوا: عه فألحقوا هاءاً حتى صيروها يستطاع الكلام بها، لأنَّه لا يلفظ بحرف. فإن وصلت قلت: ك وب فاعلم يا فتى، كما قالوا: ع يا فتى. فهذه طريقة كلِّ حرفٍ كان متحركاً، وقد يجوز أن يكون الألف هنا بمنزلة الهاء، لقربها منها وشبهها بها، فتقول: با وكا، كما تقول: أنا.
وسمعت من العرب من يقول: ألاتا، بلى فا؛ فإنما أرادوا ألا تفعل وبلى فافعل، ولكنه قطع كما كان قاطعا بالألف في أنا، وشركت الألف الهاء كشركتها في قوله: أنا، بيّنَوها بالألف كبيانهم بالهاء في هيه وهنَّه وبغلتيه. قال الراجز:
بالخير خيراتٍ وإن شرافا ... ولا أريد الشرَّ إلا أن تا
يريد: إن شرَّا فشرٌّ، ولا يريد إلا أن تشاء.


ثم قال: كيف تلفظون بالحرف الساكن نحو ياء غلامى وباء إضرب ودال قد؟ فأجابوا بنحو مما أجابوا في المرّة الأولى فقال: أقول إب وإي وإد، فألحق ألفا موصولة. قال: كذاك اراهم صنعوا بالساكن، ألا تراهم قالوا: ابن واسم حيث اسكنوا الباء والسين، وأنت لا تستطيع أن تكلَّم بساكن في أول اسم كما لا تصل إلى اللفظ بهذه السواكن، فألحقت ألفاً حتى وصلت اللفظ بها، فكذلك تلحق هذه الألفات حتى تصل إلى اللفظ بها كما ألحقت المسكَّن الأول في الاسم. وقال بعضهم: إذا سمَّيت رجلاً بالباء من ضرب قلت: رب فأردُّ العين. فإن جعلت هذه المتحركة اسماً حذفت الهاء كما حذفتها من عه حين جعلتها اسماً، فإذا صارت اسماً صارت من بنات الثلاثة؛ لأنَّه ليس في الدنيا اسم أقل عدداً من اسم على ثلاثة أحرف، ولكنَّهم قد يحذفون مما كان على ثلاثة حرفاً وهو الأصل له، ويردّونه في التحقير والجمع؛ وذلك قولهم في ذمً: دمي، وفي حر: حريح، وفي شفة: شفيهة، وفي عدة: وعيدة. فهذه الحروف إذا صيّرت اسماً صارت عندهم من بنات الثلاثة المحذوفة، وصارت من بنات الياء والواو؛ لأنَّا رأينا أكثر بنات الحرفين التي أصلها الثلاثة أو عامّتها، من بنات الياء والواو، وإنَّما يجعلونها كالأكثر، فكأنهم إن كان الحرف مكسوراً ضمّوا إليه ياءً لأنَّه عندهم له في الأصل حرفان، كما كان لدم في الأصل حرف؛ فإذا ضممت إليه ياء صار بمنزلة في، فتضمّ إليه ياء أخرى تثقلّه بها حتىَّ يصير على مثال الأسماء. وكذلك فعلت بفي.
وإن كان الحرف مضموماً ألحقوا واواً ثم ضمّوا إليها واواً أخرى حتَّى يصير على مثال الأسماء، كما فعلوا بذلك بلو وهو وأو. فكأنَّهم إذا كان الحرف مضموماً صار عندهم من مضاعف الواو، كما صارت لو وأو وهو إذ كانت فيهن الواوات من مضاعف الواو. وإن كان مكسورا فهو عندهم من مضاعف الياء كما كان ما فيه نحو في وكي من مضاعف الياء عندهم وإن كان الحرف مفتوحاً ضمّوا إليه ألفاً ثم ألحقوا ألفاً أخرى حتَّى يكون على مثال الأسماء، فكأنَّهم أرادوا أن يضاعفوا الألفات فيما كان مفتوحاً كما ضاعفوا الواوات والياءات فيما مكسوراً أو مضموماً، كما صارت ما ولا ونحوهما إذ كانت فيهما ألفات مما يضاعف.
فإن جعلت إي اسما ثقلته بياء أخرى واكتفيت بها حتّى يصير بمنزلة اسمٍ وابنٍ.
فأما قاف وياء وزاي وباء وواو فإنَّما حكيت بها الحروف ولم ترد أن تلفظ بالحروف كما حكيت بغاقٍ صوت الغراب، وبقب وقع السيف، وبطيخ الضحك، وبنيت كلَّ واحد بناء الأسماء. وقب هو وقع السيف. وقد ثقَّل بعضهم وضمّ ولم يسلّم الصوت كما سمعه فكذلك حين حكيت الحروف حكيتها ببناء للأسماء ولم تسلم الحروف كما لم تسلَّم الصوت. فهذا سبيل هذا الباب.
ولو سمّيت رجلاً بأب قلت: هذا إبٌ، وتقديره في الوصل: هذا آبٌ كما ترى، تريد الباء وألف الوصل من قولك: اضرب. وكذلك كلَُ شىء مثله لا تغيره عن حاله؛ لأنك تقول: إبٌ، فيبقى حرفان سوى التنوين. فإذا كان الاسم ههنا في الابتداء هكذا لم يختلّ عندهم أن تذهب ألفه في الوصل، وذلك أنَّ الحرف الذي يليه يقوم مقام الألف. ألا تراهم يقولون: من آبٌ فلا يبقى إلا حرف واحد فلا يختل ذا عندهم إذ كان كنونه حرف لا يلزمه في الإبتداء وفي غير هذا الموضع إذا تحرك ما قبل الهمزة في قولك ذهب أب لك وكذلك إب، لا يختلُّ أن يكون في الوصل على حرف إذا كان لا يلزمه ذلك في كل المواضع، ولولا ذلك لم يجز؛ لأنَّه ليس في الدنيا اسم يكون على حرفين أحدهما التنوين، لأنَّه لا يستطاع أن يتكلّم به في الوقف المبتدأ.
فإن قلت: يغيَّر في الوقف. فليس في كلامهم أن يغيّروا بناءه في الوقف عمّا كان عليه في الوصل، ومن ثمَّ تركوا أن يقولوا هذا في، كراهية أن يكون الاسم على حرفين أحدهما التنوين فيوافق ما كان على حرف.
وزعم الخليل أن الألف واللام اللتين يعرّفون بهما حرف واحد كقد، وأن ليست واحدة منهما منفصلة من الأخرى كانفصال ألف الاستفهام في قوله: أأريد، ولكن الألف كألف أيم في أيم الله، وهي موصولة كما أن ألف أيم موصولة، حدّثنا بذلك يونس عن أبي عمرو، وهو رأيه.


والدليل على أن ألف أيم ألف وصل قولهم: إيم الله، ثم يقولون: ليم الله. وفتحوا ألف أيم في الابتداء شبّهوها بألف أحمر لأنَّها زائدة مثلها. وقالوا في الاستفهام: آلرجل، شبّهوها أيضاً بألف أحمر، كراهية أن يكون كالخبر فيلتبس، فهذ1 قول الخليل. وأيم الله كذلك، فقد يشبَّه الشيء بالشيء في موضع ويخالفه في أكثر من ذلك، نحو: يا ابن عمَّ في النداء.
وقال الخليل: وممَّا يدل على أنَّ أل مفصولة من ألرَّجل ولم يبن عليها، وأنَّ الألف واللام فيها بمنزلة قد، قول الشاعر:
دع ذا وعجَّل ذا وألحقنا بذل ... بالشَّحم إنّا قد مللناه بجل
قال: هي ههنا كقول الرجل وهو يتذكَّر: قدى، فيقول: قد فعل ولا يفعل مثل هذا علمناه بشىء مما كان من الحروف الموصولة.
ويقوا الرجل: ألى، ثم يتذكّر، فقد سمعناهم يقولون ذلك، ولولا أنَّ الألف واللام بمنزلة قد وسوف لكانتا بناءً بني عليه الاسم لا يفارقه، ولكنَّهما جميعاً بمنزلة هل وقد وسوف، تدخلان لتعريف وتخرجان.
وإن سمّيت رجلاً بالضاد من ضرب قلت: ضاءٌ، وإن سمّيته بها من ضراب قلت: ضىٌّ، وإن سميته بها من ضحى قلت: ضوٌّ. وكذلك هذا الباب كله. وهذا قياس قول الخليل ومن خالفه ردّ الحرف الذي يليه.
باب الحكاية التي لا تغيَّر فيها الأسماء عن حالها في الكلام وذلك قول العرب في رجل يسمَّى تأبَّط شراً: هذا تأبَّط شرًّا وقالوا: هذا برق نحره، ورأيت برق نحره. فهذا لا يتغيّر عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون اسما.
وقالوا أيضاً في رجل اسمه ذرَّى حبَّا: هذا ذرَّى حبّاً. وقال الشاعر من بني طهيّة:
إنّ لها مركَّناً إرزبَّا ... كأنّه جبهة ذرَّى حبّا
فهذا كله يترك على حاله. فمن قال: أغيِّر هذا دخل عليه أن يسمَّى الرجل ببيت شعرٍ، أو بله درهمان، فإنّ غيّره عن حاله فقد ترك قول الناس وقال ما لا يقوله أحد. وقال الشاعر:
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بنى شاب قرناها تصرُّ وتحلب
وعلى هذا يقول: بدأت بالحمد لله رب العالمين. وقال الشاعر:
وجدنا في كتاب بني تميمٍ ... أحقُّ الخيل بالرَّكض المعار
وذلك لأنه حكى أحقُّ الخيل بالركض المعار فكذلك هذه الضروب إذا كانت أسماء. وكلُّ شىء عمل بعضه في بعض فهو على هذه الحال.
واعلم أن الاسم إذا كان محكياً لم يثن ولم يجمع، إلا أن تقول: كلّهم تأبَّط شرَّا، وكلاهما ذرَّى حبًّا، لم تغيِّره عن حاله قبل أن يكون اسما. ولو تثنيت هذا أو جمعته لثنيت أحقُّ الخيل بالركض المعار إذا رأيته في موضعين.
ولا تضيعه إلى شىء إلا أن تقول: هذا تأبَّط شرّاً صاحبك أو مملوكك. ولا تحقّره قبل أن يكون علما. ولو سمّيت رجلا زيد أخوك لم تحقره.
فإن قلت: أقول زييد أخوك، كما أقول قبل قبل أن يكون اسما. فإنَّك إنَّما حقرت اسما قد ثبت لرجل ليس بحكاية، وإنَّما حقّرت اسما على حياله. فإذا جعلا اسماً فليس واحدٌ به من صاحبه ولم يجعل الأوَّل والآخر بمنزلة حضرموت، ولكن الاسم الآخر مبنّي على الأول. ولو حقّرتهما جميعاً لم يصيرا حكايةً، ولكان الأول اسما تاماً.
وإذا جعلت هذا زيدٌ اسم رجل فهو يحتاج في الابتداء وغيره إلى ما يحتاج إليه زيد، ويستغني كما يستغني. ولا يرخَّم المحكيُّ أيضاً ولا يضاف بالياء؛ وبذلك لأنَّك لا تقول: هذا زيد أخوكي ولا برق نحر هي، وهو يضيف إلى نفسه، ولكنَّه يجوز أن يحذف فيقول: تأبَّطي وبرقي، فتحذف وتعمل به عملك بالمضاف، حتى تصير الإضافة على شيء واحد لا يكون حكايةً لو كان اسماً فمن لم يقل ذا فطوّل له الحديث فإنه يقبح جدّا.
وسألت الخليل عن رجلٍ يسمَّى خيراً منك، أو مأخوذاً بك، أو ضارباً رجلا، فقال: هو على حاله قبل أن يكون اسما. وذلك أنَّك تقول: رأيت خيراً منك، وهذا خيرٌ منك، ومررت بخيرٍ منك.


قلت: فإن سمّيت بشيء منها امرأة؟ فقال: لا أدع التنوين، من قبل أن خيراً ليس منتهى الاسم، ولا مأخوذا، ولا ضاربا. ألا ترى أنك إذا قلت: ضاربٌ رجلا أو مأخوذٌ بك وأنت تبتدئ الكلام احتجت ههنا إلى الخبر كما احتجت إليه في قولك: زيدٌ، وضاربٌ ومنك بمنزلة شئ من الاسم، في أنَّه لم يسند إلى مسند وصار كمال الاسم، كما أنَّ المضاف إليه منتهى الاسم وكماله. ويدلّك على أنَّ ذا ينبغي له أن يكون منوّنا قولهم: لا خيراً منه لك، ولا ضارباً رجلاً لك، فإنَّما ذا حكاية، لأن خيراً منك كلمة على حدة، فلم يحذف التنوين منه في موضع حذف التنوين من غيره، لأنَّه بمنزلة شئ من نفس الحرف، إذ لم يكن في المنتهى. فعلى هذا المثال تجري هذه الأسماء. وهذا قول الخليل.
وإن سمّيت رجلا بعاقلةٍ لبيبةٍ أو عاقلٍ لبيبٍ، صرفته وأجريته مجراه قبل أن يكون اسماً. وذلك قولك: رأيت عاقلةً لبيبةً يا هذا، ورأيت عاقلاً لبيباً يا هذا. وكذلك في الجرّ والرفع منوَّن؛ لأنه ليس بشىء عمل بعضه في بعض فلا ينوَّن، وينوَّن لأنك نونتنه نكرةً، وإنَّما حكيت.
فإن قلت: ما بالي إن سميته بعاقلة لم أنوِّن؟ فإنك إن أردت حكاية النكرة جاز، ولكن َّ الوجه ترك الصرف. والوجه في ذلك الأوّل الحكاية وهو القياس، لأنَّهما شيئان، ولأنَّهما ليس واحدٌ منهما الاسم دون صاحبه، فإنما هي الحكاية وإنما ذا بمنزلة امرأة بعد ضارب إذا قلت هذا ضاربٌ امرأة إذا أردت النكرة، وهذا ضاربٌ طلحة إذا أردت المعرفة.
وسألت الخليل عن رجلٍ يسمَّى من زيد وعن زيد فقال: أقول: هذا من زيدٍ، وعن زيدٍٍ. وقال أغيّره في ذا الموضع وأصيَّره بمنزلة الأسماء كما فعل ذلك به مفرداً يعني عن ومن ولو سمّيته قط لقلت زيدٍ لقلت: هذا قط زيدٍ، ومررت بقط زيد، حتَّى تكون بمنزلة حسبك، لأنَّك قد حوّلته وغيّرته، وإنما عمله فيما بعده كعمل الغلام إذا قلت: هذا غلام زيدٍ. ألا ترى أنَّ من زيدٍ لا يكون كلاماً حتَّى يكون معتمدا علة غيره. وكذلك قط زيدٍ، كما أنَّ غلام زيدٍ لا يكون كلاما حتَّى يكون معه غيره. ولو حكيته مضافا ولم أغيّره لفعلت به ذلك مقرداً، لأني رأيت المضاف لا يكون حكايةً كما لا يكون المفرد حكايةً. ألا ترى أنَّك لو سمّيت رجلا وزن سبعة قلت: هذا وزن سبعة فتجعله بمنزلة طلحة. والدَّليل على ذلك أنَّك لو سمّيت رجلا خمسة عشر زيد لقلت: هذا خمسة عشر زيد، تغير كما تغيّر. أمس، لأنَّ المضاف من حدّ التسمية.
قلت: فإن سمَّيته بفي زيدٍ لا تريد الفم؟ قال: أثقِّله فأقول: هذا فيُّ زيدٍ كما ثقلَّته إذا جعلته اسماً لمؤنّث لا ينصرف. ولا يشبه ذا فاعبد الله، لأنّ ذا إنّما احتمل عندهم في الإضافة حيث شبّهوا آخره بآخر أب، يعني الفم مضافاً، وصار حرف الإعراب غير محرّك فيه إذ كان مفرداً على غير حاله في الإضافة. فأما في فليست هذه حاله، وياؤه تحرّك في النصب. وليس شيء يتحرّك حرف إعرابه في الإضافة ويكون على بناءٍ إلا لزمه ذلك في الانفراد. وكرهوا أن يكون على حالٍ إن نوّن كان مختلاّ عندهم.
ولو سمّيته طلحة وزيداً، أو عبد الله زيداً، وناديت نصبت ونونّت الآخر ونصبته، لأنّ الأول في موضع نصب وتنوين.
واعلم أنّك لا تثَّني هذه الأسماء، ولا تحقّرها، ولا ترخمّها، ولا تضيفها ولا تجمعها. والإضافة إليها كالإضافة إلى تأبَّط شرَّا؛ لأنَّها حكايات.
وسألت الخليل عن إنَّما وأنَّما وكأنَّما وحيثما وإمَّا في، قولك: إمَّا أن تفعل وإمّا أن لا تفعل، فقال: هنّ حكايات، لأنَّ ما هذه لم تجعل بمنزلة موت في حضرموت. ألا ترى أنها لم تغيِّر حيث عن أن يكون فيها اللغتان: الضمُّ ولافتح. وإنّما تدخل لمنع أن من النصب، ولتدخل حيث في الجزاء، فجاءت مغيِّرة، ولم تجيء كموت في حضر ولا لغواً.
والدَّليل على أن ما مضمومة إلى إن قول الشاعر:
لقد كذبتك نفسك فأكذبنها ... فإن جزعاً وإن إجمال صبر
وإنَّما يريدون إمَّا. وهي بمنزلة ما مع أن في قولك: أمَّا أنت منطلقاً انطلقت معك.


وكان يقول: إلاَّ التي للاستثناء بمنزلة دفلى، وكذلك حتَّى. وأمّا إلاِّ وإمّا في الجزاء فحكاية. وأما التي في قولك: أمَّا زيد فمنطلق فلا تكون حكايةً، وهي بمنزلة شروى. وكان يقول: أمَّا التي في الاستفهام حكاية، وألا التي في الاستفهام حكاية. وأمّا قولك: ألا إنّه ظريف، وأما إنّه ظريف، فبمنزلة قفاً ورحىً ونحو ذلك. ولعلّ حكاية؛ لأنَّ اللام ها هنا زائدة، بمنزلتها في لأفعلنّ. ألا ترى أنك تقول: علَّك. وكذلك كأنَّ، لأنَّ الكاف دخلت للتشبيه. ومثل ذلك كذا وكأيّ، وكذلك: ذلك، لأنَّ هذه الكاف لحقت للمخاطبة، وكذلك أنت التاء بمنزلة الكاف.
وقال: ولو سميت رجلا: هذا، أو هؤلاء، تركته على حاله، لأنِّي إذا تركت هاء التنبيه على حالها فإنما أريد الحكاية، فمجراها ها هنا مجراها قبل أن تكون اسماً.
وأما هلَّم فزعم أنَّها حكاية في اللغتين جميعاً، كأنَّها لمَّ أدخلت عليها الهاء، كما أدخلت ها على ذا؛ لأنِّي لم أر فعلاً قط بني على ذا ولا اسماً ولا شيئاً يوضع موضع الفعل وليس من الفعل. وقول بني تميم: هلممن يقوّي ذا، كأنَّك قلت: الممن فأذهبت ألف الوصل. قال: وكذلك لوما ولولا. وسمعت من العرب من يقول: لا من أين يا فتى، حكى ولم يجعلها اسماً.
ولو سميّت رجلا بو زيد، أو وزيداً، أو زيد، فلا بدَّ لك من أن تجعله نصباً أو رفعاً أو جرّا تقول: مررت بوزيداً، ورأيت وزيداً وهذا زيداً. كذلك الرفع والجرّ، لأنَّ هذا لا يكون إلاّ تابعا.
وقال: زيد الطَّويل حكاية، بمنزلة زيد منطلق، وهو اسم امرأة بمنزلته قبل ذلك، لأنهما شيئان، كعاقلةٍ لبيبةٍ. وهو النداء على الأصل، تقول: يا زيد الطويل. وإن جعلت الطوّيل صفةً صرفته بالإعراب، وإن دعوته قلت: يا زيداً الطويل. وإن سمّيته زيداً وعمراً، أو طلحة عمر لم تغيِّره. ولو سمّيت رجلا أولاء قلت: هذا أولاء. وإذا سمّيت رجلاً: الذي رأيته والذي رأيت، لم تغيَّره عن حاله قبل أن يكون اسماً؛ لأن الذي ليس منتهى الاسم، وإنَّما منتهى الاسم الوصل؛ فهذا لا يتغيّر عن حاله كما لم يتغّير ضارب أبوه اسم امرأة عن حاله، فلا يتغيّر الذي كما لم يتغيّر وصله. ولا يجوز لك أن تناديه كما لا يجوز لك أن تنادي الضارب أبوه إذا كان اسماً، لأنَّه بمنزلة اسم واحد فيه الألف واللام. ولو سمّيته الرجل المنطلق جاز أن تناديه فتقول يا الرجل منطلق لأنك سميته بشيئين كلُّ واحد منهما اسم تام.
والذي مع صلته بمنزلة اسم واحد نحو الحارث، فال يجوز فيه النداء كما لا يجوز فيه قبل أن يكون اسما. وأما الرَّجل منطلق فبمنزلة تأبَّط شرًّا، لأنَّه لا يتغير عن حاله، لأنه قد عمل بعضه في بعض. ولو سمّيته الرجل والرجلان لم يجز فيه النداء، لأنَّ ذا يجري مجراه قبل أن يكون اسما في الجرّ والنصب والرفع.
ولا يجوز أن تقول: يا أيُّها الذي رأيت؛ لأنه اسم غالب كما لا يجوز يا أيُّها النَّضر وأنت تريد الاسم الغالب. وإذا ناديته والاسم زيد وعمرو، قلت: يا زيداً وعمراً؛ لأنًّ الاسم قد طال ولم يكن الأوّل المنّهى ويشرك الآخر، وإنَّما هذا بمنزلته إذا كان اسمه مضافا.
وإن ناديته واسمه طلحة وحمزة نصبت بغير تنوين كنصب زيد وعمرو، وتنوّن زيداً وعمراً وتجريه على الأصل. وكذلك هذا وأشباهه يردُّ إذا طال على الأصل، كما ردّ ضارباً رجلاً.
وأما كزيدٍ وبزيدٍ فحكايات، لأنَّك لو أفردت الباء والكاف غيَّرتها ولم تثبت كما ثبتت من.
وإن سمّيت رجلا عمَّ فأردت أن تحكي في الاستفهام، تركته على حاله كما تدع أزيد وأزيد، إذا أردت النداء.
وإن اردت أن تجعله اسما قلت: عن ماءٍ لأنَّك جعلته اسما وتمد ماءً كما تركت تنوين سبعة؛ لأنَّك تريد أن تجعله اسماً مفردا أضيف هذا إليه بمنزلة قولك: عن زيد. وهن ههنا مثلها مفردةً؛ لأن المضاف في هذا بمنزلة الألف واللام لا يجعلان الاسم حكاية؛ كم أنّ الألف واللام لا تجعلان الاسم حكاية؛ وإنّما هو داخل في الاسم وبدل من التنوين، فكأنه الألف واللام.
هذا باب الإضافة، وهو باب النسبة
اعلم أنَّك إذا أضفت رجلاً إلى رجل فجعلته من آل ذلك الرجل، ألحقت ياءي الإضافة.
فإن أضفته إلى بلد فجعلته من أهله، ألحقت ياءي الإضافة؛ وكذلك إن أضفت سائر الأسماء إلى البلاد، أو إلى حيٍّ أو قبيلة.


واعلم أن ياءي الإضافة إذا لحقتا الأسماء فإنَّهم مما يغيّرونه عن حاله قبل أن تلحق ياءي الإضافة. وإنَّما حملهم على ذلك تغييرهم آخر الاسم ومنتها، فشجعهم على تغييره إذا أحدثوا فيه ما لم يكن.
فمنه ما يجيء على غير قياس، ومنه ما يعدل وهو القياس الجاري في كلامهم وستراه إن شار الله.
قال الخليل: كلُّ شيء من ذلك عدلته العرب تركته على ما عدلته عليه، وما جاء تامّا لم تحدث العرب فيه شيئاً فهو على القياس.
فمن المعدول الذي هو على غير قياس قولهم في هذيلٍ: وفي فقيم كنانة: فقميٌّ، وفي مليح خزاعة: ملحيٌّ، وفي ثقيفٍ: ثقفيٌّ، وفي زبينة: زبانيٌّ، وفي طّيءٍ: طائيٌّ، وفي العالية: علويٌّ، والبادية بدويٌّ، وفي البصرة: بصريٌّ، وفي السَّهل سهليٌّ، وفي الدَّهر: دهريٌّ، وفي حيٍّ من بني عديّ يقال لهم بنو عبيدة: عبديٌّ فضمّوا العين وفتحوا الباء فقالوا عبديٌّ؟ وحدَّثنا من نثق به أنَّ بعضهم يقول في بني جذيمة جذميٌّ، فيضم الجيم ويجريه مجرى عبديٌّ.
وقالوا في بني الحبلي من الأنصار: حبليٌّ، وقالوا في صنعاء: صنعائيٌّ، وفي شتاء: شتويٌّ، وفي بهراء قبيلة من قبيلة قضاعة: بهرانيٌّ، وفي دستواء: دستوانيٌّ مثل بحرانيٍّ.
وزعم الخليل أنَّهم بنوا البحر على فعلان، وإنَّما كان للقياس أن يقولوا: بحريٌّ.
وقالوا في الأفق: أفقيٌّ، ومن العرب من يقول: أفقيٌّ فهو على القياس. وقالوا في حروراء، وهو موضع: حروريٌّ، وفي جلولاء: جلوليٌّ، كما قالوا في خراسان: خرسيٌّ، وخراسانيٌّ أكثر، وخراسيٌّ لغةٌ.
وقال بعضهم: إبل حمضية إذا أكلت الحمض، وحمضية أجود. وقد يقال: بعير حامض وعاضه إذا أكل العضاه، وهو ضرب من الشجر. وحمضية أجود وأكثر وأقيس في كلامهم.
وقال بعضهم: خرفيَّ، أضاف إلى الخريف وحذف الياء. والخرفيٌّ في كلامهم أكثر من الخريفيّ إما أضافه إلى الخرف، وإمّا بنى الخريف على فعلٍ.
وقالوا: إبل طلاحية، إذا أكلت الطَّلح. وقالوا في عضاه: عضاهيٌّ في قول من جعل الواحدة عضاهة مثل قتادة وقتاد. والعضاهة بكسر العين، على القياس. فأمّا من جعل جميع العضة عضوات، وجعل الذي ذهب الواو فإنَّه يقول: عضويٌّ. وأمّا من جعله بمنزلة المياه وجعل الواحدة عضاهةً فإنه يقول عضاهيٌّ.
وسمعنا من العرب من يقول: أمويٌّ. فهذه الفتحة كالضمّة في السَّهل إذا قالوا سهليٌّ.
وقالوا: روحانيٌّ في الروَّحاء، ومنهم من يقول: روحاويٌّ كما قال بعضهم بهراويٌّ، حدثنا بذلك يونس. وروحاويٌّ أكثر من بهراويّ.
وقالوا: في القفا: قفيٌّ، وفي طهيّة: طهويٌّ، وقال بعضهم طهويٌّ على القياس، كما قال الشاعر:
بكلِّ قريشيٍّ إذا ما لقيته ... سريع إلى داعي النَّدى والتكرُّم
ومما جاء محدوداً عن بنائه محذوفة منه إحدى الياءين ياءي الإضافة قولك في الشَّأم: شآم، وفي تهامة: تهامٍ، ومن كسر التاء قال: تهاميٌّ، وفي اليمن يمانٍ.
وزعم الخليل أنهم ألحقوا هذه الألفات عوضاً من ذهاب إحدى الياءين، وكأنَّ الذين حذفوا الياء من ثقيف وأشباهه جعلوا الياءين عوضاً منها. فقلت: أرأيت تهامة، أليس فيها الألف؟ فقال: إنَّهم كسَّروا الاسم على أن يجعلوه فعليّاً أو فعليّاً، فلمَّا كان من شأنهم أن يحذفوا إحدى الياءين ردّوا الألف، كأنَّهم بنوه تهميٌّ أو تهميٌّ، وكأنَّ الذين قالوا: تهامٍ، هذا البناء كان عندهم في الأصل، وفتحتّهم التاء في تهامة حيث قالوا: تهامٍ يدٌّلك على أنَّهم لم يدعوا على بنائه.
ومنهم من يقول: تهاميٌّ ويمانيٌّ وشآميٌّ، فهذا كبحرانيّ وأشباهه مما غيَّر بناؤه في الإضافة. وإن شئت قلت: يمنيٌّ.
وزعم أبو الخطَّاب أنه سمع من العرب من يقول في الإضافة إلى الملائكة والجن جميعاً روحانيٌّ، وللجميع: رأيت روحانيِّين.
وزعم أبو الخطاب، أنّ العرب تقوله لكل شيء فيه الرُّوح من الناس والدوابّ والجن.
وجميع وزعم أبو الخطاب أنه سمع من العرب من يقول شآمي هذا إذا صار اسماً في غير هذا الموضع فأضفت إليه جرى على القياس، كما يجري تحقير ليلة ونحوهما إذا حوّلتَّهما فجعلتها اسماً علما.
وإذا سمّيت رجلاص زبينة لم تقل: زبانيٌّ، أو دهراً لم تقل: دهريٌّ، ولكن تقول في الإضافة إليه: زبنيٌّ، ودهريٌّ.
باب ما حذف الياء والواو فيه القياس


وذلك قولك في ربيعة: ربعيٌّ، وفي حنيفة: حنفيٌّ، وفي جذيمة: جذميٌّ، وفي جهينة: جهنيٌّ، وفي قتيبة: قتبيٌّ، وفي شنوءة: شنىءٌّ وتقديرها: شنوعة وشنعيٌّ؛ وذلك لأنّ هذه الحروف قد يحذفونها من الأسماء لما أحدثوا في آخرها لتغييرهم منتهى الاسم، فلما اجتمع في آخر الاسم تغييره وحذف لازم لزمه حذف هذه الحروف؛ إذ كان من كلامهم أن يحذف لأمرٍ واحد، فكلّما ازداد التغيير كان الحذف ألزم، إذ كان من كلامهم أن يحذفوا لتغيير واحد.
وهذا شبيه بإلزامهم الحذف هاء طلحة، لأنَّهم قد يحذفون ممَّا لا يتغيَّر، فلمَّا كان هذا متغيَّراً في الوصل كان الحذف له ألزم.
وقد تركوا التغيير في مثل حنيفة، ولكنه شاذٌّ قليل، قد قالوا في سليمة: سليميٌّ، وفي عميرة كلب: عميريٌّ. وقال يونس: هذا قليل خبيث. وقالوا في خريبة: خريبيٌّ. وقالوا سليقيٌّ للرجل يكون من أهل السّليقة.
وسألته عن شديدة فقال: لا أحذف، لاستثقالهم التضعيف، وكأنَّهم تنكَّبوا التقاء الدالين وسائر هذا من الحروف.
قلت: فكيف تقول في بني طويلة؟ فقال: لا أحذف، لكراهيتهم تحريك هذه الواو في فعل، ألا ترى أنَّ فعل من هذا الباب العين فيه ساكنة والألف مبدلة، فيكره هذا كما يكره التضعيف، وذلك قولهم في بني حويزة: حويزيٌّ.
باب الإضافة إلى اسم
كان على أربعة أحرف فصاعدا إذا كان آخره ياء ما قبلها حرف منكسر فإذا كان الاسم في هذه الصفة أذهبت الياء إذا جئت بياءي الإضافة، لأنَّه لا يلتقي حرفان ساكنان. ولا تحرَّك الياء إذا كانت في هذه الصفة لم تنكسر ولم تنجرّ، ولا تجد الحرف الذي قبل ياء الإضافة إلا مكسوراً. فمن ذلك قولهم في رجل من بني ناجية: ناجيٌّ، وفي أدل: أدليٌّ، وفي صحار: صحاريٌّ، وفي ثمان: ثمانيٌّ، وفي رجل اسمه يمان: يمانيٌّ. وإنَّما ثقلَّت لأنّك لو أضفت إلى رجل اسمه بخاتيٌّ يمني أو هجري أحدثت ياءين سواهما وحذفتهما. والدليل على ذلك أنك لو أضفت إلى رجل اسمه بخاتي لقلت بخاتي كما ترى.
ولو كنت لا تحذف الياءين اللتين في الاسم قبل الإضافة لم تصرف بخاتيٌّ ولكنهما ياءان تحدثان وتحذف الياءان اللتان كانتا في الاسم قبل الإضافة.
وتقول إذا أضفت إلى رجل اسمه يرمي: يرميٌّ كما ترى.
وإذا اضفت إلى عرقوة قلت: عرقيٌّ.
وقال الخليل: من قال في يثرب: يثربيٌّ، وفي تغلب تغلبيٌّ ففتح مغيِّراً فإنه غيَّر مثل يرمي على ذا الحدّ قال: يرمويٌّ، كأنّه أضاف إلى يرمي. ونظير ذلك قول الشاعر:
فكييف لنا باشُّرب إن لم تكن لنا ... دوانيق عند الحانويِّ ولا نقد
والوجه الحانيُّ، كما قال علقمة بن عبدة:
كأس عزيز من الأعناب عتَّقها ... لبعض أربابها حانية حوم
لأنَّه إنَّما أضاف إلى مثل: ناجية، وقاض.
وقال الخليل: الذين قالوا: تغلبيٌّ ففتحوا مغيِّرين كما غيَّروا حين قالوا سهليٌّ وبصريٌّ في بصريّ، ولو كان ذا لازماً كانوا سيقولون في يشكر: يشكريٌّ، وفي جلهم: جلهميٌّ. وأن لا يلزم الفتح دليل على أنَّه تغيير كالتغيير الذي يدخل في الإضافة ولا يلزم؛ وهذا قول يونس.
باب الإضافة إلى كل شيءٍ من بنات الياء والواو التي الياءات والواوات لاماتهنَّ، إذا كان على ثلاثة أحرف وكان منقوصاً للفتحة قبل اللام تقول في هدىً: هدويُّ، وفي رجل اسمه حصىً: حصويٌّ، وفي رجل اسمه رحى: رحويٌّ. وإنما منعهم من الياء إذا كانت مبدلة استثقالاً لإظهارها أنهم لم يكونوا ليظهروها إلى ما يستخفُّون، إنما كانوا يظهرونها إلى توالي الياءات والحركات وكسرتها، فيصير قريبا من أميٍّ؛ فلم يكونوا ليردُّوا الياء إلى ما يستثقلون إذ كانت معتلَّة مبدلة فراراً ممّا يستثقلون قبل أن يضاف الاسم، فكرهوا أن يردُّوا حرفا قد استثقلوه قبل أن يضيفوا إلى الاسم في الإضافة، إذ كان ردُّه إلى بناء هو أثقل منه في الياءات وتوالي الحركات؛ وكسرة اليا، وتوالي الياءات مما يثقلّه، لأنَّا رأيناهم غيَّروا للكسرتين والياءين الاسم استثقالاً، فلما كانت الياءان والكسرة والياء فيما توالت حركاته ازدادوا استثقالاً. وستراه إن شاء الله.


وإذا كانت الياء ثالثة، وكان الحرف قبل الياء مكسوراً، فإنّ الإضافة إلى ذلك الاسم تصيّره كالمضاف إليه في الباب الذي فوقه، وذلك قولهم في عمٍ: عمويٌّ، وفي ردٍ: ردويٌّ. وقالوا كلّهم في الشجَّي: شجويٌّ، وذلك لأنَّهم رأوا فعل بمنزلة رأوا فعل بمنزلة فعل في غير المعتلّ، كراهية للكسرتين مع الياءين ومع توالي الحركات، فأقرّوا الياء وأبدلوا، وصيّروا الاسم إلى فعل، لأنَّها لم تكن لتثبت ولا تبدل مع الكسرة، وأرادوا أن يجري مجرى نظيره من غير المعتلّ، فلمّا وجدوا الباب والقياس في فعلٍ أن يكون بمنزلة فعلٍ أقرُّوا الياء على حالها وأبدلوا، إذ وجدوا فعل قد اتلأبَّ لأن يكون بمنزل فعل.
وما جاء من فعلٍ بمنزلة فعل قولهم في النَّمر: نمريٌّ، وفي الحبطات حبطيٌّ، وفي شقرة: شقريٌّ، وفي سلمة: سلمىٌّ. وكأنَّ الذين قالوا: تغلبيٌّ أرادوا أن يجعلوه بمنزلة تفعل، كما جعلوا فعل كفعل للكسرتين مع الياءين، إلاَّ أنَّ ذا ليس بالقياس اللازم، وإنما هو تغيير؛ لأنَّه ليس توالي ثلاث حركات. والذين قالوا: حانويٌّ شبهوه بعمويٍ.
وإن أضفت إلى فعلٍ لم تغيّره، لأنّها إنّما هي كسرة واحدة، كلُّهم يقولون: سمريٌّ. والدٌّئل بمنزلة النَّمر، تقول: دؤليٌّ. وكذلك سمعناه من يونس وعيسى.
وقد سمعنا بعضهم يقول في الصَّعق: صعقيَّ، يدعه على حاله وكسر الصاد، لأنَّه يقول: صعق، والوجه الجيّد فيه: صعقيٌّ، وصعقيٌّ جيّد.
فإن أضفت إلى علبط قلت: علبطيٌّ، وإلى جندل قلت: جندليٌّ لأنَّ ذا ليس كالنَّمر ليس فيه إلا حرفاً واحدا وهو النون وحدها، فلمّا كثر فيه الكسر والياءات ثقل، فلذلك غيَّروه إلى الفتح.
باب لإضافة إلى فعيل وفعيل من بنات الياء والواو التي الياءات والواوات لاماتهن، وما كان في اللفظ بمنزلتهما وذلك في قولك في عديٍ: وفي غنيٍ: غنويٌّ، وفي قصيٍّ: قصويٌّ وفي أميَّة: أمويٌّ. وذلك أنهم كرهوا أن توالي في الاسم أربع ياءات، فحذفوا الياء الزائدة التي حذفوها من سليم وثقيف حيث استثقلوا هذه الياءات، فأبدلوا الواو من الياء التي تكون منقوصة، لأنَّك إذا حذفت الزائدة فإنَّما تبقى التي تصير ألفاً، كأنه أضاف إلى فعلٍ أو فعلٍ.
وزعم يونس أنّ أناساً من العرب يقولون: أميِّيٌّ، فلا يغيِّرون لمَّا صار إعرابها كإعراب ما لا يعتل، شبّهوه به كما قالوا طيَّئيٌّ. وأما عديِّيٌّ فيقال وهذا أثقلن لأنه صارت مع الياءات كسرة.
وسألته عن الإضافة إلى حية فقال: حيويٌّ، كراهية أن تجتمع الياءات. والدليل على ذلك قول العرب في حية بن بهدلة: حيويٌّ، وحرّكت الياء لأنَّه لا تكون الواو ثابتة وقبلها ياء ساكنة. فإن أضفت إلى ليةٍ قلت: لوويٌّ؛ لأنَّك احتجت إلى أن تحرّك هذه الياء كما احتجت إلى تحريك ياء حيّةٍ. فلمّا حركتها رددتها إلى الأصل كما تردُّها إذا حرّكتها في التصغير. ومن قال: أميِّيٌّ قال: حييٌّ.
وكان أبو عمرو يقول: حييٌّ وليِّيٌّ. وليّةٌّ من لويت يده ليّةً.
وسألته عن الإضافة إلى عدوَ فقال: عدوّيٌّ. وإلى كوّةٍ فقال: كوّيٌّ، وقال: لا أغيره لأنه لم تجتمع الياءات، وإنَّما أبدل إذا كثرت الياءات فأفرُّ إلى الواو فإذا قدرت على الواو ولم أبلغ من الياءات غاية الاستثقال لم أغيَّره، ألا تراهم قالوا في الإضافة إلى مرمىٍ مرميٌّ، فجعله بمنزلة البختىّ إذ كان آخره كآخره في الياءات والكسرة. وقالوا في مغزوٍّ: مغزوّيٌّ؛ لأنَّه لم تجتمع الياءات. فكذلك كوةٌ وعدوٌّ. وحيّةٌ قد اجتمعت فيه الياءات. فإن أضفت إلى عدوّةٍ قلت: عدويٌّ من أجل الهاء، كما قلت في شنوءة: شنئىٌّ.
وسألته عن الإضافة إلى تحيَّةٍ فقال: تحويٌّ، وتحذف أشبه ما فيها بالمحذوف من عديٍ وهو الياء الأولى، وكذلك كلُّ شيء كان في آخره هكذا.
وتقول في الإضافة إلى قسيٍ وثديٍ: ثدويٌّ وقسويٌّ؛ لأنَّها فعول فتردُّها إلى اصل البناء، وإنما كسر القاف والثاء قبل الإضافة لكسرة ما بعدهما وهو السين والدال، فإذا ذهبت العلَّةُ صارتا على الأصل. تقول في الإضافة إلى عدوٍ: عدويٌّ، وإلى عدوةٍ: عدويٌّ، وإلى مرمّىٍ: مرميٌّ تحذف اليائين وتثبت ياءي الإضافة. وإلى مرميّة مرميٌّ، تحذف اليائين الأوليين. ومن قال: حانويٌّ قال: مرمويٌّ.
هذا باب الإضافة إلى كل اسم كان آخره ياءً


وكان الحرف الذي قبل الياء ساكناً، وما كان آخره واواً وكان الحرف الذي قبل الواو ساكناً وذلك نحو ظبيٍ ورميٍ وغزوٍ ونحوٍ، تقول، ظبييٌّ ورمييٌّ وغزويٌّ ونحويٌّ، ولا تغيّر الياء والواو في هذا الباب؛ أنه حرف جرى مجرى غير المعتل. تقول: غزوٌ فلا تغيِّر الواو كما تغيّر في غدٍ. وكذلك الإضافة إلى نحيٍ وإلى العري.
فإذا كانت هاء التأنيث بعد هذه الياءات فإنَّ فيه اختلافاً: فمن الناس من يقول في رمية: رمييٌّ وفي ظبيةٌّ، وفي دميةٍ: دمييٌّ، وفي فتيةٍ: فتييٌّ، وهو القياس، من قبل أنَّك تقول رميٌّ ونحيٌّ فتجريه مجرى ما لا يعتل نحو درع وترس ومتن، فلا يخالف هذا النحو، كأنَّك أضفت إلى شيء ليس فيه ياء.
فإذا جعلت هذه الأشياء بمنزلة ما لا ياء فيه فأجره في الهاء مجراه وليست فيه هاء، لأنَّ القياس أن يكون هذا النحو من غير المعتل في الهاء بمنزلته إذا لم تكن فيه الهاء، ولا ينبغي أن يكون أبعد من أمييٍّ، فإذا جاز في اميَّة أمييٌّ، فهو أن يجوز في رمييٍّ أجدر، لأنَّ قياس أميَّة وأشباهها التغيير. فهذا الباب يجرونه مجرى غير المعتل.
وحدثنا يونس أنَّ أبا عمرو وكان يقول في ظبية: ظبييٌّ. ولا ينبغي أن يكون في القياس إلاَّ هذا إذ جاز في أميّة وهي معتلّة، وهي أثقل من رمييٍ: وأما يونس فكلن يقول في ظبيةٍ: ظبويٌّ، وفي دميةٍ: دمويٍ، وفي فتية: فتويٍ. فقال الخليل: كأنّهم شبَّهوها حيث دخلتها الهاء بفعلة؛ لأنَّ اللَّفظ بفعلةٍ إذا أسكنت العين وفعلةٍ من بنات الواو سواء. يقول: لو بينت فعلةً من بنات الواو لصارت ياءً، لو أسكنت العين على ذلك المعنى لثبتت ياءً ولم ترجع إلى الواو، فلمَّا رأوها آخرها يشبه آخرها جعلوا إضافتها كإضافتها، وجعلوا دميةً كفعلةً، وجعلوا فتيةً بمنزلة فعلةٍ.
هذا قول الخليل: وزعم أنَّ الأول أقيسهما وأعربهما. ومثل هذا قولهم في حى من العرب يقال لهم: بنو زنية: زنويٌّ، وفي البطية: بطويٌّ.
وقال: لا اقول في غزوةٍ إلاَّ غزويٌّ، لأنَّ ذا لا يشبه آخره آخر فعلة إذا أسكنت عينها. ولا تقول في غدوةٍ إلاّ غدويٌّ لأنه لا يشبه فعلةً ولا فعلةً، ولا يكون فعلة ولا فعلة من بنات الواو هكذا.
ولا تقول في عروةٍ إلاّ عرويٌّ لأن فعلةً من بنات الواو إذا كانت واحدة فعلٍ لم تكن هكذا وإنّما تكون ياء، ولو كانت فعلة ليست على فعل كما أن بسرةً على بسر لكان الحرف الذي قبل الواو يلزمه التحريك، ولم يشبه عروةً، وكنت إذا أضفت إليه جعلت مكان الواو ياءً كما فعلت ذلك بعرقوة، ثم يكون في الإضافة بمنزلة فعل.
وإن أسكنت ما قبل الواو في فعلةٍ من بنات الواو التي ليست واحدة فعل فحذفت الهاء لم تغيَّر الواو، لأنَّ ما قبلها ساكن. ويقوَّي أنَّ الواوات لا تغيَّر قولهم في بني جروة، وهم حيّ من العرب: حرويٌّ.
وأمّا يونس فجعل بنات الياء في ذا وبنات الواو سواء، ويقول في عروةٍ: عرويٌّ. وقولنا: عرويٌّ.
هذا باب الإضافة إلى كلّ شيء لامه ياء أو واو وقبلها ألف ساكنة غير مهموزة وذلك نحو سقايةٍ وصلابةٍ ونفايةٍ وشقاوةٍ وغباوةٍ. تقول في الإضافة إلى سقاية: سقائيٌّ، وفي صلاية: صلائيٌّ، وإلى نفاية: نفائيٌّ، كأنَّك أضفت إلى سقاء وإلى صلاء، لأنَّك حذفت الهاء، ولم تكن الياء لتثبت بعد الألف فأبدلت الهمزة مكانها، لأنَّك أردت أن تدخل ياء الإضافة على فعال أو فعال أو فعالٍ.
وإن أضفت إلى شقاوة وغباوة وعلاوة قلت: شقاويٌّ وغباويٌّ وعلاويٌّ؛ لأنَّهم قد يبدلون مكان الهمزة الواو لثقلها، ولأنَّها مع الألف مشبَّهة بآخر حمراء حين تقول: حمراويٌّ وحمراوان. فإن خففت الهمزة فقد اجتمع فيها لأنَّها تستثقل وهي مع ما شبهها وهي الألف، وهي في موضع اعتلال وآخره كآخره حمراء. فإن خفّفت الهنزة اجتمعت حروف مشابهة كأنها ياءات، وذلك قولك في كساء: كساوان، ورداء: رداوان، وعلباء: علباوان.


وقالوا في غداء: غداويٌّ، وفي رداء: رداويٌّ، فلما كان من كلامهم قياساً مستمراً أن يبدلوا الواو مكان هذه الهمزة في هذه الأسماء استثقالاً لها، صارت الواو إذا كانت في الاسم أولى؛ لأنَّهم قد يبدلونها وليست في الاسم فراراً إليها، فإذا قدروا عليها في الاسم لم يخرجوها، ولا يفرُّون إلى الياء لأنَّهم لو فعلوا ذلك صاروا إلى نحو ما كانوا فيه؛ لأنَّ الياء تشبه الألف فيصير بمنزلة ما اجتمع فيه أربع ياءات؛ لأنَّ فيها حينئذ ثلاث ياءات، والألف شبيهة بالياء فتضارع أمييٌّ؛ فكرهوا أن يفرّوا إلى ما هو أثقل ممَّا هم فيه، فكرهوا الياء كما كرهوا في حصى ورحى. قال الشاعر، وهو جرير، في بنات الواو:
إذا هبطن سماوياً موارده ... من نحو دومة خبث قلَّ تعريسى
وياء درحاية بمنزلة الياء التي من نفس الحرف، ولو كان مكانها واو كانت بمنزلة الواو التي من نفس الحرف؛ لأنَّ هذه الواو والياء يجريان مجرى ما هو نفس الحرف، مثل السَّماوي والطَّفاوي.
وسألته عن الإضافة إلى رايةٍ وطايةٍ وثايةٍ وآيةٍ ونحو ذلك، فقال: أقول رائيٌّ وطائيٌّ وثائيٌّ وآئيٌّ. وإنَّما همز والاجتماع الياءات مع الألف، والألف تشبَّه بالياء، فصارت قريباً مما تجتمع فيه اربع ياءات، فهمزوها استثقلاً، وأبدلوا مكانها همزة، لأنَّهم جعلوها بمنزلة الياء التي تبدل بعد الألف الزائدة؛ لأنهم كرهوها هاهنا كما كرهت ثمَّ، وهي هنا بعد ألف كما كانت ثمَّ، وذلك نحو ياء رداء.
ومن قال: أمييٌّ قال: آييٌّ وراييٌّ بغير همز، لأنَّ هذه لام غير معتلّة، وهي أولى بذلك أنه ليس فيها أربع ياءات، ولأنَّها أقوى. وتقول واو فتثبت كما تثبت في غزوٍ. ولو أبدلت مكان الياء الواو فقلت: ثاوىٌّ وآوىٌّ وطاويٌّ وراويٌّ جاز ذلك، كما قالوا: شاويٌّ، فجعلوا الواو مكان الهمزة. ولا يكون في مثل سقايةٍ سقاييٌّ فتكسر الياء ولا تهمز، لأنَّها ليست من الياءات التي لا تعتلّ إذا كانت نتهى الاسم، كما لا تعتلّ ياء أميّة إذا لم تكن فيها هاء.
ومثل ذلك قصيٌّ، منهم من يقول: قصيٍّ.
وإذا أضفت إلى سقاية فكأنَّك أضفت إلى سقاء، كما أنّك لو أضفت إلى رجل اسمه ذو جمَّةٍ قلت: ذوويٌّ كأنّك أضفت إلى ذواً. ولو قلت: سقاويٌّ جاز فيه وفي جميع جنسه كما يجوز في سقاء.
وحولايا وبرداريا بمنزلة سقايةٍ؛ لأنَّ هذه الياء لا تثبت إذ كانت منتهى الاسم، والألف تسقط في النسبة لأنَّها سادسة فهي كهاء درحاية.
واعلم أنّك إذا أضفت إلى ممدود منصرف فإنّ القياس والوجه أن تقرّه على حاله؛ لأن الياءات لم تبلغ غاية الاستثقال، ولأنَّ الهمزة تجري على وجوه العربية غير معتلّة مبدلة. وقد أبدلها ناس من العرب كثير على ما فسَّرنا، يجعل مكان الهمزة واواّ.
وإذا كانت الهمزة من أصل الحرف فالإبدال فيها جائز، كما كان فيما كان بدلاً من واو أو ياء، وهو فيها قبيح. وقد يجوز إذا كان أصلها الهمز مثل قراء ونحوه.
هذا باب الإضافة إلى كل اسم آخره آلف مبدلة من حرف من نفس الكلمة على أربعة أحرف وذلك نحو ملهى ومرمىً، وأعشى وأعمى وأعيا، فهذا يجري مجرى ما كان على ثلاثة أحرف وكان آخره ألفاً مبدلة من حرف من نفس الكلمة نحو حصَّى ورحّى.
وسألت يونس عن معزى وذفرى فيمن نوّن فقال: هما بمنزلة ما كان من نفس الكلمة، كما صار علباء حين انصرف بمنزلة رداء في الإضافة والتثنية، ولا يكون أسوأ حالاً في ذا من حبلى.
وسمعنا العرب يقولون في أعيا: أعيويٌّ. بنو أعيا: حي من العرب من جرمٍ. وتقول في أحوى: أحوويٌّ. وكذلك سمعنا العرب تقول.
هذا باب الإضافة إلى كل اسم كان آخره ألفا زائدة لا ينون وكان على أربعة أحرف وذلك نحو حبلى ودفلى؛ فأحسن القول فيه أن تقول: حبلىٌّ ودفلىٌّ؛ لأنها زائدة لم تجيء لتلحق بنات الثلاثة ببنات الأربعة، فكرهوا أن يجعلوها بمنزلة ما هو من نفس الحرف وما اشبه ما هو من نفس الحرف.
وقالوا في سلَّى: سلِّىٌّ.


ومنهم من يقول: دفلاويٌّ، فيفرق بينها وبين التي من نفس الحرفبأن يلحق هذه الألف فيجعله كآخر ما لا يكون آخره إلاّ زائداً غير منّون، نحو: حمراويٍّ وضهياويّ، فهذا الضرب لا يكون إلاّ هكذا، فبنوه هذا البناء ليفرقوا بين هذه الألف وبين التي من نفس الحرف، فقالوا في دهنا: دهناويٌّ، وقالوا قي دنيا: دنياويٌّ وإن شئت قلت دنييٌّ على قولهم سلىٌّ.
ومنهم من يقول: حبلوى فيجعلها بمنزلة ما هو نفس الحرف. وذلك أنَّهم رأوها زائدة يبنى عليها الحرف، ورأوا الحرف في الغدَّة والحركة والسُّكون كملهىً فشبَّهوها بها، كما أنهم يشبّهون الشيء بالشيء الذي يخالفه في سائر المواضع.
قال: فإن قلت في ملهى: ملهىً لم أر بذلك بأساً، كما لم أر بحبلوىٍّ بأساً. وكما قالوا: مدارى فجاءوا به على مثال: حبالى وعذارى ونحوهما من فعالى، وكما تستوي الزيادة غير المنوّنة والتي من نفس الحرف إذا كانت كلّ واحدة منهما خامسة.
ولا يجوز ذا في قفاً، لأنَّ قفا وأشباهه ليس بزنة حبلى، وإنّما هي على ثلاثة أحرف فلا يحذفونها.
وأمَّا جمزى فلا يكون جمزاويٌّ ولا ولكن جمزيٌّ، لأنَّها ثقلت وجاوزت زنة ملهىً فصارت بمنزلة حبارى لتتابع الحركات. ويقوِّي ذلك أنَّك لو سمّيت امرأة قدماً لم تصرفها كما لم تصرف عناق.
والحذف في معزى أجوز، إذ جاز في ملهىً لأنها زائدة.
وأمّا حبلى فالوجه فيها ما قلت لك.
قال الشَّاعر:
كأنَّما يقع البصريٌّ بينهم ... من الطَّوائف والأعناق بالوذم
يريد: بصرى.
هذا باب الإضافة إلى كل اسم كان آخره ألفاً وكان على خمسة أحرف تقول في حبارى: حباريٌّ، وفي جمادى: جماديٌّ، وفي قرقرى: قرقريٌّ. وكذلك كلُّ اسم كان آخره ألفاً وكان على خمسة أحرف.
وسألت يونس عن مرامىً فقال: مراميًّ، جعلها بمنزلة الزيادة. قال: لو قلت: مرامويٌّ لقلت: حبارويٌّ، كما أجازوا في حبلى حبلويٌّ. ولو قلت ذا لقلت في مقلولى: مقلولويٌّ. وهذا لا يقوله أحد، إنَّما يقال: مقلوليٌّ، كما تقول في يهيرى يهيريٌّ. فإذا سوِّى بين هذا رابعاً وبين الألف فيه زائدة نحو حبلى لم يجز إلاّ أن تجعل ما كان من نفس الحرف إذا كان خامساً بمنزلة حبارى. وإن فرَّقت، بين الزائد وبين الذي من نفس الحرف دخل عليك أن تقول في قبعثري: قبعثرويٌّ، لأنَّ آخره منَّون فجرى مجرى ما هو من نفس الكلمة. فإن لم تقل ذا وأخذت بالعدد فقد زعمت أنهما يستويان. وإنَّما ألزموا ما كان على خمسة أحرف فصاعداً الحذف لأنه حين كان رابعاً في الاسم بزنة ما ألفه من نفسه، فلمَّا كثر العدد كان الحذف لازما، إذ كان من كلامهم أن يحذفوه في المنزلة الأولى.
وإذا أزداد الاسم ثقلاً كان الحذف ألزم، كما أنَّ الحذف لربيعة حين اجتمع تغييران.
وأمَّا الممدود، مصروفاً كان أو غير مصروف، كثر عدده أو قلَّ، فإنه لا يحذف، وذلك قولك في خنفساء: خنفساويٌّ، وفي حرملاء: حرملاويٌّ وفي معيوراء معيوراويٌّ. وذلك أنَّ آخر الاسم لمّا تحرّك وكان حيّاً يدخله الجرّ والرفع والنصب صار بمنزلة: سلامان وزعفران، وكالأواخر التي من نفس الحرف نحو: آحر نجام واشهيباب، فصارت هكذا كما صار آخر معزًى حين نوّن بمنزلة آخر مرمىً. وإنَّما جسروا على حذف الألف لأنَّها ميّتة لا يدخلها جرّ ولا رفع ولا نصب فحذفوها كما حذفوا ياء ربيعة وحنيفة. ولو كانت الياءان متحركتيتن لم تحذفا لقوّة المتحرّك. وكما حذفوا الياء الساكنة من ثمانٍ حيث أضفت إليه. فإنَّما جعلوا ياءي الإضافة عوضاً. وهذه الألف أضعف، تذهب مع كلِّ، تذهب مع كلِّ حرف ساكن، فإنَّما هذه معاقبة كما عاقبت هاء الجحاجحة ياء الجحاجيح، فإنَّما يجسرون بهذا على هذه الحروف الميتة.
وسترى للمتحرك قوةً ليست للساكن في مواضع كثيرة إن شاء الله تعالى.
ولو أضفت إلى عثير، وهو التراب، أو حثيل، لأجريته مجرى حميريٍ.


وزعم يونس أن مثنّى بمنزلة معزى ومعطى، وهو بمنزلة مرامًى، لأنَّه خمسة أحرف. وإن جعلته كذلك فهو ينبغي له أن يجيز في عبدَّي: عبدَّويٌّ، كما جاز في حبلى: حبلويٌّ. فإن جعل النون بمنزلة حرف واحد، وجعل زنته كزنته فهو ينبغي له أن سمَّى رجلاً باسم مؤنَّث على زنة معدٍّ مدغم مثله أن يصرفه، ويجعل المدغم كحرف واحد. فهذه النون الأولى بمنزلة حرف ساكن ظاهر. وكذلك يجري في بناء الشِّعر وغيره.
فأمًا المصروف نحو حراء فمن العرب من يقول: حراويٌّ، ومنهم من يقول حرائيٌّ، لا يحذف الهمزة.
هذا باب الإضافة إلى كلّ اسم ممدود لا يدخله التنوين كثير العدد كان أو قليله فلإضافة إليه أن لا يحذف منه شيء، وتبدل الواو مكان الهمزة ليفرقوا بينه وبين المنوّن الذي هو من نفس الحرف وما جعل بمنزلته، وذلك قولك في زكريَّاء: زكريّاويٌّ، وفي بروكاء: بروكاويٌّ.
هذا باب الإضافة إلى بنات الحرفين اعلم أن كلّ اسم على حرفين ذهبت لامه ولم يردَّ في تثنيته إلى الأصل ولا في الجمع بالتَّاء، كان أصله فعل أو فعل أو فعل، فإنَّك فيه بالخيار، إن شئت تركته على بنائه قبل أن تضيف إليه، وإن شئت غيّرته فرددت إليه ما خذف منه، فجعلوا الإضافة تغيَّر فتردّ كما تغيَّر فتحذف، نحو الف حبلى، وياء ربيعة وحنيفة، فلمّا كان ذلك من كلامهم غيَّروا بنات الحرفين التي حذفت لاماتهن بأن ردّوا فيها ما حذف منها، وصرت في الردّ وتركه على حاله بالخيار، كما صرت في حذف ألف حبلى وتركها بالخيار.
وإنما صار تغيير بنات الحرفين الردَّ لأنَّها أسماء مجهودة، لا يكون اسم على أقل من حرفين، فقويت الإضافة على ردِّ اللامات كما قويت على حذف ما هو من نفس الحرف حين كثر العدد، وذلك قولك: مرامىً.
فمن ذلك قولهم في دم: دميٌّ، وفي يدٍ: يديٌّ، وإن شئت قلت: دمويٌّ ويدويٌّ، كما قالت العرب في غدٍ: غدويٌّ. كلُّ ذلك عربّى.
فإن قال: فهلاَّ قالوا: غدويٌّ، وإنَّما يد وغد كلُّ واحد منهما فعل، يستدلّ على ذلك بقول ناس من العرب: آتيك غدواً، يريدون غداً.
قال الشاعر:
وما الناس إلاّ كالديار وأهلها ... بها يوم حلَّوها وغدواً بلاقع
وقولهم: أيد، وإنَّما هي أفعل، وأفعل جماع فعلٍ؟ لأنَّهم ألحقوا ما الحقوا ولا يريدون أن يخرجوا من حرف الإعراب التحرُّك الذي كان فيه، لأنَّهم أرادوا أن يزيدوا، لجهد الاسم، ما حذفوا منه، فلم يريدوا أن يخرجوا منه شيئاً كان فيه قبل أن يضيفوا، كما أنَّهم لم يكونوا ليحذفوا حرفاً من الحروف من ذا الباب، فتركوا الحروف على حالها، لأنَّه ليس موضع حذف.
ومن ذلك أيضاً قولهم في ثبةٍ: ثبيٌّ وثبويٌّ، وشفةٍ: شفيٌّ وشفهيٌّ.
وإنَّما جاءت الهاء لأنَّ اللام من شفةٍ الهاء. ألا ترى أنك تقول: شفاه وشفيهة في التصغير.
وتقول في حرٍ: حريٌّ، وحرحيٌّ، لأنَّ اللام الحاء، تقول في التصغير: حريح، وفي الجمع: أحراح.
وإن أضفت إلى رب فيمن خفَّف فرددت قلت ربيٌّ. وإنَّما أسكنت كراهية التضعيف، فيعاد بناؤه. ألا تراهم قالوا في قرّة قريٌّ لأنَّها من التضعيف، كما قالوا في شديدة: شديديٌّ كراهية التضعيف، فيعاد بناؤه.
باب ما لا يجوز فيه من بنات الحرفين إلا الرَّدّ وذلك قولك في أب أبويٌّ، وفي أخ: أخويٌّ، وفي حمٍ: حمويٌّ، ولا يجوز إلاَّ ذا، من قبل أنَّك تردّ من بنات الحرفين التي ذهبت لاماتهن إلى الأصل ما لا يخرج أصله في التثنية، ولا في الجمع بالتاء؛ فلمّا أخرجت التثنية الأصل لزم الإضافة أن تخرج الأصل، إذ كانت تقوى على الردّ فيما لا يخرج لامه في تثنيته ولا في جمعه بالتاء، فإذا ردّ في الأضعف في شيء كان في الأقوى أردَّ: واعلم أنَّ من العرب من يقول: هذا هنوك ورأيت هناك ومررت بهنيك، ويقول: هنوان فيجريه مجرى الأب. فمن فعل ذا قال: هنوات، يردُّه في التثنية والجمع بالتاء، وسنة وسنوات، وضعة وهو نبت ويقول: ضعوات، فإذا أضفت قلت: سنويٌّ وهنويٌّ.
والعلّة ههنا هي العلّة في: أبٍ وأخٍ ونحوهما.
ومن جعل سنةً من بنات الهاء قال: سنيهة وقال: سانهت، فهي بمنزلة شفة، تقول: شفهيٌّ وشنهيٌّ.
وتقول في عضةٍ: عضويٌّ، على قول الشاعر:
هذا طريق يأزم المآزما ... وعضوات تقطع اللَّهازما


ومن العرب من يقول: عضيهة، يجعلها من بنات الهاء بمنزلة شفةٍ إذا قالوا ذلك.
وإذا أضفت إلى أخت قلت: أخويٌّ، هكذا ينبغي له أن يكون على القياس.
وذا القياس قول الخليل، من قبل أنَّك لمّا جمعت بالتاء حذفت تاء التأنيث كما تحذف الهاء، وردت إلى الأصل. فالإضافة تحذفه كما تحذف الهاء، وهي أردُّله إلى الأصل.
وسمعنا من العرب من يقول في جمع هنتٍ: هنوات. قال الشاعر:
أرى ابن نزار قد جفاني وملَّني ... على هنوات كلُّها متتابع
فهي بمنزلة أخت وأما يونس فيقول أختي وليس بقياس.
هذا باب الإضافة إلى ما فيه الزوائد من بنات الحرفين فإن شئت تركته في الإضافة على حاله قبل أن يضيف، وإن شئت حذفت الزوائد ورددت ما كان له في الأصل. وذلك: ابن واسم واست، واثنان واثنتان وابنة. فإذا تركته على حاله قلت: اسمىٌّ واستىٌّ وابنىٌّ واثنىٌّ في اثنين واثنتين.
وحدثنا يونس: أن أبا عمرو كان يقوله.
وإن شئت حذفت الزوائد التي في الاسم ورددته إلى أصله فقلت: سمويٌّ وبنويٌّ وستهيٌّ. وإنَّما جئت في استٍ بالهاء لأنَّ لامها هاء، ألا ترى أنَّك تقول: الأستاه وستيهة في التحقير، وتصديق ذلك أنَّ أبا الخطّاب كان يقول: إنَّ بعضهم إذا أضاف إلى أبناء فارس قال: بنويٌّ. وزعم يونس أن أبا عمرو وزعم أنَّهم يقولون: ابنيٌّ، فيتركه على حاله كما ترك دم.
وأما الذين حذفوا الزوائد وردُّوا فإنهم جعلوا الإضافة تقوى على حذف الزوائد كقوتها على الردّ كما قويت على الردّ في دمٍ، وإنَّما قويت على حذف الزوائد لقوّتها على الردّ، فصار ماردّ عوضاً. ولم يكونوا ليحذفوا ولا يردّوا لأنهم قد ردّوا ما ذهب من الحرف للإخلال به، فإذا حذفوا شيئاً ألزموا الردّ، ولم يكونوا ليردّوا والزائد، لأنَّه إذا قوي على ردّ الأصل قوي على حذف ما ليس من الأصل، لأنهما متعاقبان.
وسألت الخليل عن الإضافة إلى ابنم فقال: إن شئت حذفت الزوائد فقلت: بنويٌّ كأنك أضفت إلى ابن. وإن شئت تركته على حاله فقلت: ابنميٌّ كما قلت: ابنيٌّ واستيٌّ.
واعلم أنَّك إذا حذفت فلا بدَّ لك من أن تردّ، لأنه عوض وإنَّما هي معاقبة، وقد كنت تردّ ما عدة حروفه حرفان وإن لم يحذف منه شيء، فإذا حذفت منه شيئاً ونقصته منه كان العوض لازماً. وأمَّا بنت فإنك تقول: بنويٌّ من قبل أن هذه التاء التي هي للتأنيث لا تثبت في الإضافة كما لا تثبت في الجمع بالتاء.
وذلك لأنّهم شبَّهوها بهاء التأنيث، فلمَّا حذفوا وكانت زيادة في الاسم كتاء سنبتة وتاء عفريتٍ، ولم تكن مضمومة إلى الاسم كالهاء، يدّلك على ذلك سكون ما قبلها، جعلناها بمنزلة ابن.
فإن قلت: بنيٌّ جائز كما قلت: بنات، فإنَّه ينبغي لك أن تقول بنيٌّ في ابني؛ كما قلت في بنون، فإنَّما ألزموا هذه الردَّ في الإضافة لقوتها على الرد، ولأنَّها قد ترد ولا حذف، فالتاء يعوَّض منها كما يعوَّض من غيرها. وكذلك: كلتا وثنتان، تقول: كلويٌّ وثنويٌّ، وبنتان: بنويٌّ.
وأمّا يونس فيقول ثنتيٌّ، وينبغي له أن يقول: هنتيٌّ في هنه؛ لأنَّه إذا وصل فهي تاء كتاء التأنيث.
وزعم الخليل أنَّ من قال بنتي قال هنتي وهذا لا يقوله أحد وأعلم ذيت بمنزلة بنت، وإنَّما أصلها ذيّة عمل بها ما عمل بينت. يدلُّك عليه اللفظ والمعنى، فالقول في هنت وذيت مثله في بنت، لأنّ ذيت يلزمها التثقيل إذا حذفت التاء.
ثمَّ تبدل واواً مكان التاء، كما كنت تفعل لو حذفت التاء من أخت وبنت، وإنَّما ثقلَّت كتثقيلك كي اسما.
وزعم أن أصل بنت وابنة فعل كما أن أخت فعل؛ يدًّلك على ذلك أخوك وأخاك وأخيك، وقول بعض العرب فيما زعم يونس آخاء. فهذا جمع فعل.
وتقول في الإضافة إلى ذيَّة وذيت: ذيويًّ فيهما؛ وإنَّما منعك من ترك التاء في الإضافة أنّه كان يصير مثل: أختيٍّ، وكما أن هنت أصلها فعل، يدلك على ذلك قول بعض العرب: هنوك، وكما أن است فعل يدّلك على ذلك أستاه.
فإن قيل: لعله فعل أو فعل فإنه يدلك على ذلك قول بعض العرب سه، لم يقولوا: سه ولا سه، وقولهم: ابن ثم قالوا: بنون ففتحوا يدلُّك أيضاً.


واثنتان بمنزلة ابنة، أصلها فعل، لأنَّه عمل بها ما عمل بابنة؛ وقالوا في الاثنين: أثناء؛ فهذا يقوِّي فعل، وأنَّ نظائرها من الأسماء أصلها تحرّك العين، وهنت عندنا متحرّكة العين تجعلها بمنزلة نظائرها من الأسماء، وتلحقها بالأكثر.
ولم يجيء شيء هكذا ليست عينه في الأصل متحركة إلا ذيت؛ وليست باسم متمكِّن.
وأمّا كلتا فيدلّك على تحريك عينها قولهم: رأيت كلا أخويك: فكلا كمعاً واحد الأمعاء ومن قال: رأيت كلتا أختيك، فإنَّه يجعل الألف ألف تأنيث. فإن سمَّى بها شيئاً لم يصرفه في معرفة ولا نكرة، وصارت التاء بمنزلة الواو في شروى.
ولو جاء شيء مثل بنت وكان أصله فعل أو فعل واستبان لك أن اصله فعل أو فعل؛ لكان في الإضافة متحرّك العين، كأنّك تحذف إلى اسم قد ثبت في الكلام على حرفين، فإنما تردُّ والحركة قد ثبتت في الاسم.
وكلّ اسم تحذف منه في الإضافة شيئاً فكأنّك ألحقت ياءي الإضافة اسماً لم يكن فيه شيء مما حذف، لأنَّك إنَّما تلحق ياءي الإضافة بعد بناء الاسم.
ومن ثمّ جعل ذيت في الإضافة كأنَّها اسم لم يكن فيه قبل الإضافة تاء، كذلك ثقلَّتها كتثقيلك: كي، ولو، وأو، أسماء.
وأمَّا فم فقد ذهب من اصله حرقان، لأنه كان أصله فوه، فأبدلوا الميم مكان الواو، ليشبه الأسماء المفردة من كلامهم، فهذه الميم بمنزلة العين نحو ميم دمٍ، ثبتت في الاسم في تصرفه في الجرّ والنصب، والإضافة والتثنية. فمن ترك دم على حاله إذا اضاف، ترك فم على حاله، ومن ردَّ إلى دمٍ اللام ردَّ إلى فمٍ العين فجعلها مكان اللام، كما جعلوا الميم مكان العين في فمٍ.
قال الشاعر وهو الفرزدق:
هما نفثا في فيَّ من فمويها ... على الناتج العوي أشدَّ رجام
وقالوا: فموان، فإنّما ترد في الإضافة كما تردّ في التثنية وفي الجمع بالتاء، وتبني الاسم كما تثنِّي به، إلاَّ أنّ الإضافة أقوى على الردِّ. فإن قال: فمان فهو بالخيار، إن شاء قال: فمويٌّ، وإن شاء قال: فميٌّ. ومن قال: فموان قال: فمويٌّ على كلّ حال.
وأمّا الإضافة إلى رجل اسمه ذو مال فإنَّك تقول: ذوويٌّ، كأنَّك أضفت إلى ذواً. وكذلك فعل به حين أفرد وجعل اسما، ردَّ إلى أصله؛ لأنَّ أصله فعل، يدلَّك على ذلك قولهم: ذواتا، فإن أردت أن تضيف فكأنك أضفت إلى مفرد لم يكن مضافاً قطٌّ، فافعل به فلعك به إذا كان اسماً غير مضاف.
وكذلك الإضافة إلى ذاه ذوويٌّ، لأنَّك إذا أضفت حذفت الهاء، فكأنَّك تضيف إلى ذي، إلا أنَّ الهاء جاءت بالألف والفتحة، كما جاءت بالفتحتين في امرأة، فلأصل أولى به، إلاّ أن تغيِّر العرب منه شيئاً فتدعه على حاله نحو: فمٍ.
وإذا أضفت إلى رجل اسمه فوزيد فكأنَّك إنّما تضيف إلى فمٍ، لأنَّك إنَّما تريد أن تفرد الاسم ثم تضيف إلى الاسم. فافعل به فعلك به إذا أفردته اسماً. وأمّا الإضافة إلى شاءٍ فشاويٌّ، كذلك يتكلَّمون به.
قال الشاعر:
فلست بشاويٍّ عليه دمامة ... إذا ما غدا يغدو بقوس وأسهم
وإن سمَّيت به رجلا أجريته على القياس تقول، شائيٌّ، وإن شئت قلت شاوى كما قلت: عطاويٌّ، كما تقول في زبينة وثقيف بالقياس إذا سمّت به رجلاً.
وإذا أضفت إلى شاة قلت: شاهيٌّ، تردّ ما هو من نفس الحرف، وهو الهاء. ألا ترى أنك تقول: شويهة، وإنما أردت أن تجعل شاةً بمنزلة الأسماء، فلم يوجد شيء هو أولى به مّما هو من نفسه، كما هو التحقير كذلك.
وأمّا الإضافة إلى لات من اللات والعزَّى، فإنك تمدُّها كما تمد لا إذا كانت اسماً، كما تثقل لو وكي إذا كان كلّ واحد منهما اسماً. فهذه الحروف وأشباهها التي ليس لها دليل بتحقير ولا جمع ولا فعل ولا تثنية إنّما تجعل ما ذهب منه مثل ما هو فيه ويضاعف، فالحرف الأوسط ساكن على ذلك يبنى، إلا أن تستدلّ على حركته بشيء. وصار الإسكان أولى به لأن الحركة زائدة، فلم يكونوا ليحرِّكوا إلا بثبت، كما أنهم لم يكونوا ليجعلوا الذّهب من لو غير الواو إلا بثبت، فجرت هذه الحروف على فعل أو فعل أو فعل.
وأمّا الإضافة إلى ماءٍ فمائيٌّ، تدعه على حاله، ومن قال: عطاويٌّ قال: ماويٌّ يجعل الواو مكان الهمزة، وشاويٌّ بقوِّى هذا.


وأمّا الإضافة إلى امرئ فعلى القياس تقول امرئتي وتقديرها إمرعي لأنه ليس من بنات الحرفيين وليس الألف ههنا بعوض فهو كالإنطلاق اسم رجل وإن أ ضعت إلى امرأة فكذلك تقول امرئي، امرئ، لأنّك كأنك تضيف إلى امرئ، فالإضافة في ذا كالإضافة إلى استغاثة إذا قلت: استغاثي. وقد قالوا: مرئي تقديرها: مرعيٌ في امرئ القيس، وهو شاذ.
هذا باب الإضافة إلى ما ذهبت فاؤه من بنات الحرفين وذلك عدة وزنة. فإذا أضفت قلت: عديٌّ وزنيٌّ، ولا ترده الإضافة إلى أصله، لبعدها من ياءي الإضافة، لأنَّها لو ظهرت لم يلزمها اللام لو ظهرت من التغير، لوقوع الياء عليها.
ولا تقول: عدويٌ بعد اللام شيئاً ليس من الحرف، يدلُّك على ذلك التصغير. ألا ترى أنَّك تقول: وعيدة فتردّ الفاء، ولا ينبغي أن تلحق الاسم زائدةً، فتجعلها أولى من نفس الحرف في الإضافة كما لم تفعل ذلك في التحقير، ولا سبيل إلى ردّ الفاء لبعدها، وقد ردّوا في التثنية والجمع بالتاء بعض ما ذهبت لاماته، كما ردّوا في الإضافة، فلو ردّوا في الإضافة الفاء لجاء بعضه مردوداً في الجميع بالتاء فهذا دليل على أن الإضافة لا تقوى حيث لم يردُّوا في الجميع بالتاء.
فإن قلت: أضع الفاء في آخر الحرف لم يجز، ولو جاز ذا لجاز أن تضع الواو والياء إذا كانت لاما في أوّل الكلمة إذا صغرّت. ألا تراهم جاءوا بكلّ شيء من هذا في التحقير على أصله. وكذا قول يونس، ولا نعلم أحداً يوثق بعلمه قال خلاف ذلك.
وتقول في الإضافة إلى شيةٍ: وشويٌّ، لم تسكن العين كما لم تسكن الميم إذا قال: دمويٌّ، فلمّا تركت الكسرة على حالها جرت مجرى شجويٍّ، وإنَّما ألحقت الواو ههنا كما ألحقتها في عه حين جعلتها اسماً ليشبه الأسماء، لأنَّك جعلت الحرف على مثال الأسماء في كلام العرب. وإنَّما شية وعدة فعلة، لو كان شيء من هذه الأسماء قعلة لم يحذفوا الواو، كما لم يحذفوا في الوجبة والوثبة والوحدة وأشباهها. وسترى بيان ذلك في بابه إن شاء الله.
فإنَّما ألقوا الكسرة فيما كان مكسور الفاء على العينات وحذفوا الفاء، وذلك نحو عدةٍ وأصلها وعده وشية وأصلها وشية، فحذفوا الواو وطرحوا كسرتها على العين. وكذلك أخواتها.
هذا باب الإضافة إلى كلّ اسم ولي آخره ياءين مدغمةً إحداهما في الأخرى وذلك نحو أسيّدٍ، وحميّرٍ، ولبيّدٍ، فإذا أضفت إلى شيء من هذا تركت الياء الساكنة وحذفت المتحرّكة لتقارب الياءات مع الكسرة التي في الياء والتي في آخر الاسم، فلما كثرت الياءات وتقاربت وتوالت الكسرات التي في الياء والدال استثقلوه، فحذفوا، وكان حذف المتحرك هو الذي يخففه عليهم؛ لأنهم لو حذفوا الساكن لكان ما يتوالى فيه من الحركات التي لا يكون حرف عليها مع تقارب الياءات والكسرتين في الثقل مثل أسيّدٍ، لكراهيتهم هذه المتحرِّكات. فلم يكونوا ليفرّوا من الثقل إلى شيء هو في الثِّقل مثله وهو أقلّ في كلامهم منه، وهو أسيديٌّ وحميريٌّ ولبيديٌّ. وكذلك تقول العرب.
وكذلك سيد وميت ونحوهما؛ لأنهما ياءان مدغّمة إحداهما في الأخرى، يليها أخر الاسم. وهم ممَّا يحذفون هذه الياءات في غير الإضافة. فإذا أضافوا فكثرت الياءات وعدد الحروف ألزموا أنفسهم أن يحذفوا.
فما جاء محذوفاً من نحو سيّد وميّت: هين وميت، ولين وطيب وطيء، فإذا أضفت لم يكن إلاَّ الحذف، إذ كنت تحذف هذه الياء في غير الإضافة. تقول: سيديٌّ وطيبيٌّ إذا أضفت إلى طيب. ولا اراهم قالوا طائيٌّ إلاّ فراراً من طيئيٌّ وكان القياس طيئيٌّ وتقديرها طيغيٌّ ولكنهم جعلوا الألف مكان الياء، وبنوا الاسم على هذا كما قالوا في زبينة: زبانيٌّ.


وإذا أضفت إلى مهيمٍ قلت: مهيِّيميٌّ لأنَّك إذ حذفت الياء التي تلي الميم صرت إلى مثل أسيديّ فتقول: مهيميٌّ، فلم يكونوا ليجمعوا على الحرف هذا الحذف كما أنَّهم إذا حقّروا عيضموز لم يحذفوا الواو لأنَّهم لو حذفوا الواو احتاجوا إلى أن يحذفوا حرفاً آخر حتَّى يصير إلى مثال التحقير، فكرهوا أن يحملوا عليه هذا وحذف الياء. وستراه مبينَّاً في بابه إن شاء الله. فكان ترك هذه الياء إذ لم تكن متحركة كياء تميم، وفصلت بين آخر الكلمة والياء المشدَّدة، فكان أحبَّ إليهم ممَّا ذكرت لك، وخفَّ عليهم تركها لسكونها، تقول: مهيَّيميٌّ فلا تحذف منها شيئاً، وهو تصغير مهوّم.
باب ما لحقته الزائدتان للجمع والتثنية وذلك قولك: مسلمون ورجلان ونحوهما؛ فإذا كان شيء من هذا اسم رجل فأضفت إليه حذفت الزائدتين الواو والنون، والألف والنون، والياء والنون لأنَّه لا يكون في الاسم رفعان ونصبان وجراَّان، فتذهب الياء لأنَّها حرف الإعراب، ولأنه لا تثبت النون إذا ذهب ما قبلها لأنَّهما زيدتا معا ولا تثبتان إلاّ معا. وذلك قولك رجليٌّ ومسلميٌّ.
ومن قال من العرب: هذه قنَّسرون، ورأيت قنَّسرين، وهذه يبرون، ورأيت يبرين، قال: يبريٌّ وقنسريٌّ. وكذلك ما اشبه هذا.
ومن قال: هذه يبرين، قال: يبرينيٌّ كما تقول: غسلينيٌّ، وسريحين سريحينيٌّ. فأمّا قنَّسون ونحوها فكأنهم الحقوا الزائدتين قنَّسر، وجعلوا الزائدة التي قبل النون حرف الإعراب، كما فعلوا ذلك في الجمع.
هذا باب الإضافة إلى كلّ اسم لحقته التاء للجمع وذلك مسلمات وتمرات ونحوهما. فإذا سمّيت شيئاً بهذا النحو ثم أضفت إليه: مسلميٌّ وتمريٌّ، وتحذف كماا حذفت الهاء، وصارت كالهاء في الإضافة كما صارت في المعرفة حين قلت: رأيت مسلماتٍ وتمراتٍ قبل. ولا يكون أن تصرف التاء بالنصب في هذا الموضع.
ومثل ذلك قول العرب في أذرعات: أذرعيٌّ، لا يقول أحد إلاّ ذاك. وتقول في عانات: عانيٌّ، أجريت مجرى الهاء، لأنَّها لحقت لجمع مؤنث، كما لحقت الهاء الواحد للتأنيث، فكذلك لحقته للجمع. ومع هذا أنها حذفت كما حذفت واو مسلمين في الإضافة، كما شبّهوها بها في الإعراب. وتقول في الإضافة إلى محىّ: محتىٌّ، وإن شئت قلت: محويٌّ.
هذا باب الإضافة إلى الاسمين اللذين ضمّ أحدهما إلى الآخر فجعلا اسما واحدا كان الخليل يقول: تلقى الآخر منهما كما تلقى الهاء من حمزة وطلحة؛ لأنَّ طلحة بمنزلة حضرموت. وقد بيّنا ذلك فيما ينصرف وما لا ينصرف.
فمن ذلك خمسة عشر ومعدي يكرب في قول من لم يضف. فإذا أضفت قلت: معديٌّ وخمسيٌّ. فهكذا سبيل الباب. وصار بمنزلة المضاف في إلقاء أحدهما حيث كان من شيئين ضمّ أحدهما إلى الآخر. وليس بزيادة في الأول كما أنّ المضاف إليه ليس بزيادة في الأول المضاف.
ويجيء من الأشياء التي هي من شيئين جعلا اسما واحدا ما لا يكون على مثاله الواحد، نحو: أيادي سبا، لأنه ثمانية أحرف، ولم يجيء اسم واحد عدّته ثمانية أحرف. ونحو: شغر بغر، ولم يكن اسم واحد توالت فيه ولا بعدّته من المتحرّكات ما في هذا كما أنه قد يجيء في المضاف والمضاف إليه ما لا يكون على مثله الواحد نحو صاحب جعفر وقدم عمر ونحو هذا مما لا يكون الواحد على مثاله . فمن كلام العرب أن يجعلوا الشيء كالشيء إذا أشبهه في بعض المواضع. وقالوا: حضرميٌّ كما قالوا: عبدريٌّ، وفعلوا به ما فعلوا بالمضاف.
وسألته عن الإضافة إلى رجل اسمه اثنا عشر، فقال، ثنويٌّ في قول من قال: بنويٌّ في ابن، وإن شئت قلت: اثنىٌّ في اثنين، كما قلت: ابنيٌّ؛ وتحذف عشر كما تحذف نون عشرين، فتشبَّه عشر بالنون كما شبَّهت عشر في خمسة عشر بالحاء. وأمّا اثنا عشر التي العدد فلا تضاف ولا يضاف إليها.
هذا باب الإضافة إلى المضاف من الأسماء اعلم أنّه لا بدّ من حذف أحد الاسمين في الإضافة. والمضاف في الإضافة يجري في كلامهم على ضربين. فمنه ما يحذف منه الاسم الآخر، ومنه ما يحذف منه الأوّل.


وإنّما لزم الحذف أحد الاسمين لأنَّهما اسمان قد عمل أحدهما في الآخر، وإنما تريد أن تضيف إلى الاسم الأوّل، وذلك المعنى تريد. فإذا لم تحذف الآخر صار الأول مضافا إلى مضاف إليه؛ لأنَّه لا يكون هو والآخر اسما واحدا، ولا تصل إلى ذلك كما لا تصل إلى أن تقول: أبو عمرين، وأنت تريد أن تثنَّي الأوّل. وقد يجوز: أبو عمرين إذا لم ترد أن تثنّيى الأب وأردت أن تجعله أبا عمرين اثنين. فالإضافة تفرد الاسم.
فأمّا ما يحذف منه الأوّل، فنحو: ابن كراع، وابن الزُّبير، تقول زبيريٌّ وكراعيٌّ، وتجعل ياءي الإضافة في الاسم الذي صار به الأول معرفة فهو أبين وأشهر إذ كان به صار معرفةً.
ولا يخرج الأول من أن يكون المضافون إليه وله . ومن ثمَّ قالوا في أبي مسلمٍ: مسلميٌّ، لأنَّهم جعلوه معرفة بالآخر، كما فعلوا ذلك بابن كراع، غير أنَه لا يكون غالباً حتى يصير كزيد وعمرو، وكما صار ابن كراع غالبا.
وابو فلان عند العرب كابن فلان. ألا تراهم قالوا في أبي بكر بن كلابٍ: بكريٌّ كما قالوا في ابن دعلجٍ: دعلجيٌّ، فوقعت الكنية عندهم موقع ابن فلان. وعلى هذا الوجه يجري في كلامهم، وذلك يعنون،وصار الآخر إذا كان الأول معرفةً بمنزلته لو كان علماً مفردا.
وأمّا ما يحذف منه الآخر فهو الاسم الذي لا يعرَّف بالمضاف إليه ولكنَّه معرفة كما صار معرفةً يزيد، وصار الأوَّل بمنزلته لو كان علما مفرداً؛ لأنَّ المجرور لم يصر الاسم الأوّل به معرفةً؛ لأنك لو جعلت المفرد اسمه صار به معرفةً كما يصير معرفةً إذا سمّيته بالمضاف. فمن ذلك: عبد القيس، وامرؤ القيس، فهذه الأسماء علامات كزيد وعمر، فإذا أضفت قلت: عبديٌّ وامرئيٌّ، ومرئيٌّ، فكذلك هذا أشباهه.
وسألت الخليل عن قولهم في عبد منافٍ منافيٌّ فقال: أمّا القياس فكما ذكرت لك، إلاّ أنَّهم قالوا منافيٌّ مخافة الالتباس، ولو فعل ذلك بما جعل اسمّا من شيئين جاز؛ لكراهية الالتباس.
وقد يجعلون للنَّسب في الإضافة اسماً بمنزلة جعفر، ويجعلون فيه من حروف الأول والآخر، ولا يخرجونه من حروفهما ليعرف، كما قالوا سبطر، فجعلوا فيه حروف السَّبط إذ كان المعنى واحدا. وسترى بيان ذلك في بابه إن شاء الله.
فمن ذلك: عبشميٌّ، وعبدريٌّ. وليس هذا بالقياس، إنَّما قالوا هذا كما قالوا: علويٌّ وزبانيٌّ. فذا ليس بقياس كما أنَّ علويٌّ ونحو علويٌّ ليس بقياس.
هذا باب الإضافة إلى الحكاية فإذا أضفت إلى الحكاية حذفت وتركت الصدر بمنزلة عبد القيس وخمسة عشر، حيث لزمه الحذف كما لزمها، وذلك قولك في تأبَّط شرا تأبطيٌّ. ويدلك على ذلك أنَّ من العرب من يفرد فيقول: يا تأبَّط أقبل، فيجعل الأوّل مفردا. فكذلك تفرده في الإضافة. كذلك حيثما وإنما ولولا وأشباه ذلك تجعل الإضافة إلى الصدر.
وسمعنا من العرب من يقول: كونيٌّ، حيث أضافوا إلى كنت، وأخرج الواو حيث حرّك النون.
هذا باب الإضافة إلى الجمع اعلم أنّك إذا أضفت إلى جميع أبداً فإنَّك توقع الإضافة على واحده الذي كسّر عليه؛ ليفرق بينه إذا كان اسماً لشيء واحد وبينه إذا لم ترد به إلاّ الجميع. فمن ذلك قول العرب في رجل من القبائل: قبليٌّ وقبليةٌّ للمرأة. ومن ذلك أيضاً قولهم في أبناء فارس بنويٌّ، وقالوا في الرباب: ربيٌّ وإنَّما الربِّاب جماع وواحدة ربة، فنسب إلى الواحد وهو كالطوائف.
وقال يونس: إنَّما هي ربة ورباب، كقولك: جعفرة وجفار، وعلبة وعلاب، والربةٌّ: الفرقة من الناس.
وكذلك لو أضفت إلى المساجد قلت: مسجديٌّ، ولو أضفت إلى الجمع قلت: جمعيٌّ كما تقول: ربيٌّ. وإن أضفت إلى عرفاء قلت: عريفيٌّ. فكذلك ذا واشباهه. وهذا قول الخليل، وهو القياس على كلام العرب وزعم الخليل أن نحو ذلك قولهم في المسامعه مسمعي والمهالبة مهلبي لأن المهالبة والمسامعة ليس منهما واحد إسماً لواحد.
وتقول في الإضافة إلى نفر نفريٌّ، ورهط رهطيٌّ، لأن نفر بمنزلة حجر لم يكسر له واحد وإن كان فيه معنى الجميع. ولو قلت: رجليٌّ في الإضافة إلى نفر لقلت في الإضافة إلى الجمع: واحديٌّ، وليس يقال هذا.
وتقول في الإضافة إلى أناس: إنسانيٌّ وأناسيٌّ، لأنه لم يكسّر له إنسان وهو أجود القولين. وقال أبو زيد: النسسبة إلى محاسن محاسنى؛ لأنه لا واحد له. فصار بمنزلة نفر.


وتقول في الإضافة إلى نساء: نسويٌّ، أنه جماع نسوة وليس نسوة بجمع كسّر له واحد.
وإن أضفت إلى عباديد قلت: عباديديٌّ؛ لأنه ليس له واحد؛ وواحده يكون على فعلولٍ أو فعليلٍ أو فعلال؛ فإذا لم يكن واحد لم تجاوزه حتَّى تعلم؛ فهذا أقوى من أن أحدث شيئاً لم تكلَّم به العرب.
وتقول في الأعراب: أعرابيٌّ؛ أنه ليس له واحد على هذا المعنى. ألا ترى أنَّك تقول: العرب فلا تكون على هذا المعنى؟ فهذا يقوِّيه.
وإذا جاء شيء من هذه الأبنية التي توقع الإضافة على واحدها اسماً لشيء واحد تركته في الإضافة على حاله، ألا تراهم قالوا في أنمارٍ: أنماريٌّ؛ لأنّ أنماراً اسم رجل، وقالوا في كلاب: كلابيٌّ.
ولو سمّيت رجلاً ضربات لقلت: ضربيٌّ، لا تغيَّر المتحرِّكة لأنّك لا تريد أن توقع الإضافة على الواحد.
وسألته عن قولهم: مدائنيٌّ فقال: صار هذا البناء عندهم اسماً لبلد.
ومن ثم قالت بنو سعدٍ في الأبناء: أبناويٌّ، كأنهم جعلوه اسم الحيّ والحيُّ كالبلد، وهو واحد يقع على الجميع، كما يقع المؤنث على المذكّر. وسترى ذلك إن شاء الله.
وقالوا في الضِّباب إذا كان، اسم رجل: ضبابيَّ، وفي معافر: معافريٌّ. وهو فيما يزعمون معافر بن مرٍّ، أخو تميم بن مرّ.
هذا باب ما يصير إذا كان علماً في الإضافة على غير طريقته وإن كان في الإضافة قبل أن يكون علماً على غير طريقة ما هو بنائه فمن قولهم في الطَّويل الجَّمة: جمَّاني، وفي الطَّويل اللَّحية: اللحيانيِّ، وفي الغليظ الرقبة: الرقبانيِّ. فإن سمّيت، برقبة أو جمة أو لحية قلت: رقبيٌّ ولحيٌّ وجمَّيٌّ ولحويٌّ، وذلك لأنّ المعنى، قد تحوّل، إنما أردت حيث قلت: جمانيٌّ الطويل الجمَّة، وحيث قلت: اللِّحياني الطَّويل اللِّحية، فلمّا لم تعن ذلك أجرى مجرى نظائره التي ليس فيها ذلك المعنى.
ومن ذلك أيضاً قولهم في القديم السنِّ: دهريٌّ، فإذا جعلت، الدَّهر اسم رجل قلت: دهريٌّ. وكذلك ثقيف إذا حولته من هذا الموضع قلت ثقيفيٌّ. وقد بينّا ذلك فيما مضى.
باب من الإضافة تحذف فيه ياءي الإضافة وذلك إذا جعلته صاحب شيء يزاوله، أو ذا شيء.
أمّا ما يكون صاحب شيء يعالجه فإنه مما يكون فعَّالاً، وذلك قولك لصاحب الثياب: ثوَّاب، ولصاحب العاج: عواج؛ ولصاحب الجمال التي ينقل عليها: جمَّال، ولصاحب الخمر التي يعمل عليها: حمار، وللّذي يعالج الصرّف: صراف. وذا أكثر من أن يحصى. وربَّما ألحقوا ياءي الإضافة كما قالوا: البتِّيٌّ، أضافوه إلى البتوت، فأوقعوا الإضافة على واحده، وقالوا: البتات.
وأمَّا ما يكون ذا شيء وليس بصنعة يعالجها فإنَّه مما يكون فاعلا وذلك قولك لذي الدرع: ولذي النَّبل: نابل، ولذي النُّشاب: ناشب، ولذي التَّمر: تامر، ولذي اللّبن: لابن.
قال الحطيئة:
ففررتني وزعمت أنَّك ... لابن بالصيف تامر
وتقول لمن كان شيء من هذه الأشياء صنعته: لبَّان، وتمّار، ونبَّال.
وليس في كلِّ شيء من هذا قيل هذا. ألا ترى أنَّك لا تقول لصلحب البرّ: برار، ولا لصاحب الفاكهة: فكَّاه، ولا لصاحب الشَّعير: شعار، ولا لصاحب الدَّقيق: دقَّاق.
وتقول: مكان آهل، أي: ذو أهلٍ. وقال ذو الرمَّة:
إلى عطنٍ رحب المباءة آهل
وقالوا لصاحب الفرس: فارس.
وقال الخليل: إنَّما قالوا: عيشة راضية، وطاعم وكاس على ذا، أي: ذات رضاً وذو كسوة وطعامٍ، وقالوا: ناعل لذي النَّعل.
وقال الشاعر:
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب
أي: لهمٍّ ذي نصب.
وقالوا: بغَّال لصاحب البغل، شبَّهوه بالأوَّل، حيث كانت الإضافة؛ لأنَّهم يشبَّهون الشيء بالشيء وإن خالفه.
وقالوا لذي السيف: سيّاف، وللجميع: سيّافة. وقال امرؤ القيس:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيفٍ وليس بنبّال
يريد: وليس بذي نبل. فهذا وجه ما جاء من الأسماء ولم يكن له فعل. وهذا قول الخليل.
؟؟؟؟ باب ما يكون مذكَّرا يوصف المؤنَّث


وذلك قولك: امرأة حائض، وهذه طامث، كما قالوا: ناقة ضامر، يوصف به المؤنَّث وهو مذكّر. فإنَّما الحائض وأشباهه في كلامهم على أنَّه صفة شيء، والشيء مذكّر، فكأنهم قالوا: هذا شيء حائض، ثمَّ وصفوا به المؤنَّث كما وصفوا المذكّر بالمؤنَّث فقالوا: رجل نكحة. فزعم الخليل أنَّهم إذا قالوا حائض فإنَّه لم يخرجه على الفعل، كما أنه حين قال: دارع لم يخرجه على فعل، وكأنَّه قال: درعيٌّ. فإنَّما أراد ذات حيضٍ ولم يجيء على الفعل.
وكذلك قولهم: مرضع، إذا أراد ذات رضاعٍ ولم يجرها على أرضعت. ولا ترضع. فإذا أراد ذلك قال: مرضعة. وتقول: هي خائضة غداً لا يكون إلاّ ذلك، لأنَّك إنَّما أجريتها على الفعل، على هي تحيض غداً.
هذا وجه ما لم يجر على فعله فيما زعم الخليل، مما ذكرنا في هذا الباب.
وزعم الخليل أنَّ فعولا، ومفعالا، ومفعلا، نحو قؤول ومقوال، إنَّما يكون في تكثير الشيء وتشديده والمبالغة فيه، وإنَّما وقع كلامهم على أنَّه مذكّر. وزعم الخليل أنَّهم في هذه الأشياء كأنهم يقولون: قوليٌّ، وضربيٌّ. ويستدلّ على ذلك بقولهم: رجل عمل وطعم ولبس، فمعنى ذا كمعنى قؤول ومقوال في المبالغة، إلاّ أن الهاء تدخله، يقول: تدخل في فعل في التأنيث.
وقالوا: نهر، وإنّما يريدون نهاريٌّ فيجعلونه، بمنزلة عمل، وفيه ذلك المعنى.
وقال الشاعر:
لست بليليٍ ولكنَّي نهر ... لا أدلج الليل ولكن أبتكر
فقولهم: نهر في نهاري يدُّل على أن عملاً كقوله: عمليٌّ؛ أن في عمل من المعنى ما في نهرٍ، وقؤول كذلك، لأنّه في معنى قوليّ.
وقالوا: رجل حرح ورجل سته، كأنه قال: حريٌّ واستيٌّ.
وسألته عن قولهم: موت مائت، شغل شاغل، وشعر شاعر، فقال: إنَّما يريدون في المبالغة والإجادة، وهو بمنزلة قولهم: همّ ناصب، وعيشة راضية في كلّ هذا.
فهذا وجه ما كان من الفعل ولم يجر على فعله، وهذا قول الخليل: يمتنع من الهاء في التأنيث في فعول وقد جاءت في شيء منه. وقال: مفعال ومفعيل قلّ ما جاءت الهاء فيه، ومفعل قد جاءت الهاء فيه كثيراً نحو مطعنٍ ومدعسٍ، ويقال: مصكٌّ ومصكٌّة ونحو ذلك.
؟هذا باب التثنية
اعلم أنَّ التثنية تكون في الرفع بالألف والنون، وفي النصب والجرّ بالياء والنون، ويكون الحرف الذي تليه، الياء والألف مفتوحاً.
أمَّا ما لم يكن منقوصاً ولا ممدوداً فإنّك لا تزيده في التثنية على أن تفتح آخره كما تفتحه في الصلة إذا نصبت في الواحد، وذلك قولك: رجلان، وتمرتان، ودلوان، وعدلان، وعودان، وبنتان، وأختان، وسيفان، وعريانان، وعطشانان، وفرقدان، وصمحمحان، وعنكبوتان، وكذلك هذه الأشياء ونحوهما.
وتقول في النصب والجرِّ: رأيت رجلين؛ ومررت بعنكبوتين؛ تجريه كما وصفت لك.
هذا باب
تثنية ما كان من المنقوص على ثلاثة أحرف
اعلم أنَّ المنقوص إذا كان على ثلاثة أحرف فإن الألف بدل؛ وليست بزيادة كزيادة ألف حبلى.
فإذا كان المنقوص من بنات الواو أظهرت الواو في التثنية؛ لأنَّك إذا حركت فلا بد من ياء أو واو؛ فالذي من الأصل أولى.
وإن كان المنقوص من بنات الياء أظهرت الياء.
فأمَّا ما كان من بنات الواو فمثل قفاً، لأنه من قفوت الرجل، تقول: قفوان، وعصاً عصوان؛ لأنَّ في عصاً ما في قفاً. تقول: عصوت ولا تميل ألفها، وليس شيء من بنات الياء لا يجوز فيه إمالة الألف، ورجاً رجوان، لأنَّه من بنات الواو، يدلُّك على ذلك قول العرب: رجا فلا يميلون الألف، وكذلك الرِّضا تقول: رضوان، لأنَّ الرِّضا من الواو، يدلك على ذلك مرضوٌّ والرضوان. وأما مرضيٌّ فبمنزلة مسنيّة. والسَّنا بمنزلة القفا، تقول: سنوان وكذلك ما ذكرت لك وأشباهه، وإذاعلمت أنه من بنات الواو وكانت الإمالة تجوز في الألف أظهرت الواو، لأنَّها ألف مكان الواو، فإذا ذهبت الألف فالتي الألف بدل منها أولي. يدلّك على ذلك أنَّهم يقولون: غزا فيميلون الألف، ثم يقولون: غزوا، وقالوا: الكبا ثم قالوا الكبوان، بذلك أبو الخطّاب عن أهل الحجاز.
وسألت الخليل عن العشا الذي في العينين فقال: عشوان، لأنَّه من الواو، غير أنَّهم قد يلزمون بعض ما يكون من بنات الواو انتصاب الألف ولا يجيزون الإمالة تخفيفاً للواو.


وأمّا الفتى فمن بنات الياء، قالوا: فتيان وفتية، وأمّا الفتوَّة والندوَّة فإنّما جاءت فيهما الواو لضمَّة ما قبلهما، مثل لقضو الرجل من قضيت، وموقن، فجعلوا الياء تابعة.
ولو سمَّيت رجلا بخطا قم ثنَّيت لقلت: خطوان، لأنَّها من خظوت . ولو جعلت على اسما ثم ثنَّيت لقلت: علوان، لأنَّها من علوت، ولأنَّ ألفها لازمة الانتصاب، وهي التي في قولك: على زيد درهم، وكذلك الجميع بالتاء في جميع ذا، لأنَّه يحرّك، ألا تراهم قالوا: قنوات وأدوات، وقطوات.
وأما ما كان من بنات الياء فرحى، وذلك لأنَّ العرب لا تقول إلاَّ رحىً ورحيان، والعمى كذلك: عمىً وعميان وعميٌ: وتقول: عميان، والهدى هديان، لأنَّك تقول: هديت، ولأنَّك قد تميل الألف في هدى. فهذا سبيل ما كان المنقوص على ثلاثة أحرف، وكذلك الجميع بالتاء.
فأمَّا ربا فربوان؛ لأنَّك تقول: ربوت.
فإذا جاء شيء من المنقوص ليس له فعل تثبت فيه الواو، ولا له اسم تثبت فيه الواو، وألزمت ألفه الانتصاب، فهو من بنات الواو؛ لأنَّه ليس شيء من بنات الياء يلزمه الانتصاب لا تجوز فيه الإمالة، إنَّما يكون ذلك في بنات الواو، وذلك نحو لدى، وإلى؛ وما أشبههما. وإنَّما تكون التثنية فيهما إذا صارتا اسمين؛ وكذلك الجميع بالتاء.
فإن جاء شيء من منقوص ليس له فعل تثبت فيه الياء، ولا اسم تثبت فيه الياء، وجازت الإمالة في ألفه؛ فالياء أولى به في التثنية؛ إلا أن تكون العرب قد ثنته فتبيَّن لك تثنيتهم من أي البابين هو، كما استبان لك بقولهم: قنوان وقطوات، أن القناة والقطاة من الواو. وإنَّما صارت الياء أولى حيث كانت الإمالة في بنات الواو وبنات الياء أنَّ الياء أغلب على الواو حتى تصيِّرها ياء من الواو على الياء حتى تصيِّرها واواً.
وسترى ذلك في أفعل؛ وفي تثنية ما كان على أربعة أحرف. فلمَّا لم يستبن كان الأقوى أولى حتَّى يستبين لك، وهذا قول يونس وغيره؛ لأنَّ الياء أقوى وأكثر.
وكذلك نحو متى إذا صارت اسماً وبلى، وكذلك الجميع بالتاء.
هذا باب
تثنية ما كان منقوصاً
وكان عدة حروفه أربعة أحرف فزائداً إن كانت ألفه بدلاً من الحرف
الذي من نفس الكلمة، أو كان زائداً غير بدل أمّا ما كانت الألف فيه بدلاً من حرف من نفس الحرف فنحو أعشى، ومغزى وملهى ومغتزى، ومرمى ومجرى، تثنّى ما كان من ذا من بنات الواو كتثنية ما كان من بنات الياء؛ لأنَّ أعشى ونحوه لو كان فعلاً لتحوّل إلى الياء.
فلمّا صار لو كان فعلا لم يكن إلاَّ من الياء، صار هذا النحو من الأسماء متحولا إلى الياء، وصار بمنزلة الذي عدَّة حروفه ثلاثة وهو من بنات الياء. وكذلك مغزى، لأنَّه لو كان يكون في الكلام مفعلت لم يكن إلاّ من الياء، لأنَّها أربعة أحرف كالأعشى، والميم زائدة كالألف وكلَّما ازداد الحرف كان من الواو أبعد.
فلمّا صار لو كان فعلا إلاَّ من الياء، صار هذا النحو من الأسماء متحولا إلى الياء، وصار بمنزلة الذي عدَّة حروفه ثلاثة وهو من بنات الياء. وكذلك مغزىً، لأنَّه لو كان يكون في الكلام مفعلت لم يكن إلاّ من الياء، لأنَّها أربعة أحرف كالأعشى، والميم زائدة كالألف وكلمَّا ازداد الحرف كان من الواو أبعد.
وأمّا مغتزى فتكون تثنيته بالياء، كما أن فعله متحوّل إلى الياء. وذلك أعشيان ومغزيان، ومغتزيان.
وكذلك، جمع ذا بالتاء كما كان جمع ما كان على ثلاثة أحرف بالتاء مثل التثنية.
وأمّا ما كانت ألفه زائدة فنحو: حبلى، ومعزى، ودفلى، وذفرى، لا تكون تثنيته إلاّ بالياء، لأنّك لو جئت بالفعل من هذه الأسماء بالزيادة لم يكن إلاّ من الياء كسلقيته، وذلك قولك: حبليان، ومعزيان، ودفليان، وذفريان. وكذلك جمعها بالتاء.
باب جمع المنقوص بالواو والنون في الرفع وبالنون والياء في الجرّ والنصب اعلم أنَّك تحذف الياء وتدع الفتحة التي كانت قبل الألف على حالها، وإنما حذفت لأنه لا يلتقي ساكنان، ولم يحركا كراهية الياءين مع الكسرة والياء مع الضمّة والواو حيث كانت معتلّة، وإنّما كرهوا ذا كما كرهوا في الإضافة إلى حصى حصيٌّ. وإن جمعت قفاً اسم رجل قلت: قفون، حذفت كراهية الواوين مع الضمَّة وتوالي الحركات.


وأمّا ما كان على أربعة ففيه ما ذكرنا مع عدّة الحروف وتوالي حركتين لازماً، فلما كان معتلاً كرهوا أن يحر؟كوه على ما يستثقلون إذ كان التحريك مستثقلاً، وذلك قولك: رأيت مصطفين، وهؤلاء مصطفون؛ ورأيت حبنطين؛ وهؤلاء خبنطون؛ ورأيت قفين؛ وهؤلاء قفون.
؟هذا باب تثنية الممدود
اعلم أنَّك كلَّ ممدود كان منصرفاً فهو في التثنية والجمع بالواو والنون في الرفع، وبالياء والنون في الجر والنصب؛ بمنزلة ما كان آخره غير معتلّ من سوى ذلك. وذلك نحو قولك: علباءان؛ فهذا الأجود الأكثر.
فإن كان الممدود لا ينصرف وآخره زيادة جاءت علامة للتأنيث فإنك إذا ثنيته أبدلت واواً كما تفعل ذلك في قولك: حنفاويٌّ؛ وكذلك إذا جمعته بالتاء.
واعلم أنَّ ناساً كثيراً من العرب يقولون: علباوان وحرباوان، شبّهوها ونحوهما بحمراء، حيث كان زنة هذا النحو كزنته، وكان الآخر زائداً كما كان آخره حمراء زائداً، وحيث مدّت كما مدّت حمراء.
وقال ناس: كساوان وغطاوان، وفي رداء رداوان، فجعلوا ما كان آخره بدلاً من شيء من نفس الحرف بمنزلة علباء، لأنَّه في المد مثل وفي الإبدال، وهو منصرف كما انصرف، فلمَّا كان حاله كحال علباء إلاَّ أنَّ آخره بدل من شيء من نفس الحرف تبع علباءٍ كما تبع علباء حمراء، وكانت الواو أخف عليهم حيث وجد لها شبه من الهمزة. وعلباوان أكثر من قولك كساوان في كلام العرب، لشبهها بحمراء.
وسألت الخليل عن قولهم: عقلته بثنايين وهنايين، لم لم يهمزوا؟ فقال: تركوا ذلك حيث لم يفرد الواحد ثم يبنوا عليه، فهذا بمنزلة السَّماوة، لمَّا لم يكن لها جمع كالعظاء والعباء يجيء عليه جاء على الأصل. والذين قالوا: عباءة جاءوا به على العباء. وإذا قلت: عباية فليس على العباء. ومن ثم زعم قالوا مذروان، فجاءوا به على الأصل، فشبّهوها بذا حيث لم يفرد واحده. وقالوا لك نقاوة ونقاوة. وإنَّما صارت واواً لأنها ليست آخر الكلمة. وقالوا لواحده: نقوة، لأنَّ أصلها كان من الواو.
باب لا تجوز فيه التثنية والجمع
بالواو والياء والنون وذلك نحو: عشرين، وثلاثين، والاثنين. لو سمّيت رجلا بمسلمين قلت: هذا مسلمون، أو سمّيته برجلين قلت: هذا رجلان، لم تثنَّه أبداً ولم تجمعه كما وصفت لك، من قبل أنَّه لا يكون في اسم واحد رفعان ولا نصبان ولا جران ولكنك تقول: كلُّهم مسلمون، واسمهم مسلمون، وكلُّهم رجلان، واسمهم رجلان. ولا يحسن في هذا إلا هذا الذي وصفت لك وأشباهه.
وإنَّما امتنعوا أن يثنّوا عشرين حين لم يجيزوا عشرونان، واستغنوا عنها بأربعين. ولو قلت ذا لقلت مائانان، وألفانان، وأثنانان، وهذا لا يكون وهو خطأ لا تقوله العرب.
وإنما أوقعت العرب الاثنين في الكلام على حد قولك: اليوم يومان واليوم خمسة عشر من الشهر. والذين جاءوا بها فقالوا: أثناء إنَّما جاءوا بها على حدّ الاثن كأنَّهم قالوا: اليوم الاثن. وقد بلغنا أنَّ بعض العرب يقول: اليوم الثُّنى. فهكذا الاثنان كما وصفنا، ولكنَّه صار بمنزلة الثَّلاثاء والأربعاء اسماً غالبا، فلا تجوز تثنيته.
وأمّا مقبلات فتجوز فيها التثنية إذا صارت اسم رجل، لأنَّه لا يكون فيه رفعان ولا نصبان ولا جرّان فهي بمنزلة ما في آخره هاء في التثنية والجمع بالتاء. وذلك قولك في أذرعتان: أزرعاتان وفي تمرات اسم رجل: تمراتان. فإذا جمعت بالتاء قلت: تمرات، تحذف تحذف وتجيء أخرى كما تفعل ذلك بالهاء إذا قلت: تمرة وتمرات.
؟ باب جمع الاسم الذي في آخره هاء
التأنيث
زعم يونس أنَّك إذا سمّيت رجلا طلحة أو امرأة أو سلمة أو جبلة، ثم أردت أن تجمع جمعته بالتاء، كما كنت جامعه قبل أن يكون اسماً لرجل أو امرأة على الأصل. ألا تراهم وصفوا المذكّر وبالمؤنث، قالوا: رجل ربعة وجمعوها بالتاء: فقالوا ربعات ولم يقولوا: ربعون. وقالوا: طلحة الطلحات ولم يقولوا: طلحة الطَّلحين. فهذا يجمع على الأصل لا يتغيّر عن ذلك، كما أنَّه إذا صار وصفا للمذكّر لم تذهب الهاء.


فإما حبلى فلو سمّيت بها رجلا أو حمراء أو خنفساء لم تجمعه بالتاء، وذلك لأن تاء التأنيث تدخل على هذه الألفات فلا تحذفها. وذلك قولك حبليات، وحباريات، وخنفساوات. فلمَّا صارت تدخل فلا تحذف شيئاً أشبهت هذه عندهم أرضات ودريهمات. فأنت لو سمّيت رجلاً بأرض لقلت: أرضون ولم تقل: أرضات؛ لأنه ليس ههنا حرف تأنيث يحذف، فغلب على حبلى التذكير حيث صارت الألف لا تحذف، وصارت بمنزلة ألف حبنطي التي لا تجيء للتأنيث. ألا تراهم قالوا: زكريّاوون فيمن مدّ، وقالوا زكريَّون فيمن قصر.
واعلم أنَّك لا تقول في حبلى وعيسى وموسى إلاَّ حبلون وعيسون وموسون، وعيسون وموسون خطأ. ولو كنت لا تحذف ذا لئلا يلتقي ساكنان، وكنت إنَّما تحذفها وأنت كأنك تجمع حبل وموس لحذفتها في التاء، فقلت: حبارات وحبلات وشكاعات، وهو نبت. وإذا جمعت ورقاء اسم رجل بالواو والنون وبالياء والنون جئت بالواو ولم تهمز، كما فعلت ذلك في التثنية والجمع بالتاء فقلت: ورقاوون.
وسمعت من العرب من يقول: ما اكثر الهبيرات، يريد جمع الهبيرة، واطَّرحوا هبيرين كراهية أن يصير بمنزلة ما لا علامة فيه.
؟؟باب جمع أسماء الرجال والنساء
اعلم أنَّك إذا جمعت اسم رجل فأنت بالخيار: إن شئت ألحقته الواو والنون في الرفع، والياء والنون في الجرّ والنصب، وإن شئت كسّرته للجمع على حدّ ما تكسَّر عليه الأسماء للجمع.
وإذا جمعت اسم امرأة فأنت بالخيار إن شئت جمعته بالتاء، وإن شئت كسَّرته على حدّ ما تكسَّر عليه الأسماء للجمع.
فإن كان آخر الاسم هاء التأنيث لرجل أو امرأة، لم تدخله الواو والنون، ولا تلحقه في الجمع إلاّ التاء. وإن شئت كسّرته للجمع.
فمن ذلك إذا سمّيت رجلا بزيد أو عمرو أو بكر، كننت بالخيار إن شئت قلت: زيدون، وإن شئت قلت: أزياد، كما قلت: أبيات، وإن شئت قلت الزُّيود؛ وإن شئت قلت: العمرون، وإن شئت قلت: العمور والأعمر، وإن شئت قلتها ما بين الثلاثة إلى العشرة. وكذلك بكر. قال الشاعر، وهو رؤبة، فيما لحقته الواو والنون في الرفع؛ والياء والنون في الجرّ والنصب:
أنا ابن سعد أكرم السَّعدينا
والجمع هكذا في الأسماء كثير، وهو قول يونس والخليل.
وإن سمّيته ببشرٍ أو بردٍ أو حجر فكذلك، إن شئت ألحقت فيه ما الحقت في بكر وعمروٍ، وإن شئت كسّرت فقلت: أبراد، وأبشار وأحجار. وقال الشاعر، فيما كسّر واحده، وهو زيد الخيل:
ألا أبلغ الأقياس قيس بن نوفلٍ ... وقيس بن أهبان وقيس بن جابر
وقال الشاعر:
رأيت سعوداً من شعوب كثيرة ... فلم أر سعداً مثل سعد بن مالك
وقال الشاعر، وهو الفرزدق:
وشيَّد لي زرارة باذخاتٍ ... وعمرو الخير إذ ذكر العمور
وقال: فأين الجنادب لنفرٍ يسمَّى كلُ واحدٍ منهم جندبا.
وقال الشاعر:
رايت الصَّدع من كعبٍ وكانوا ... من الشنآن قد صاروا كعابا
وإذا سمَّيت امرأة بدعدٍ فجمعت بالتاء قلت: دعدات، فثقلت كما ثقَّلت أرضات؛ لأنَّك إذا جمعت الفعل بالتاء فهو بمنزلة جمعك الفعلة من الأسماء. وقولهم: أرضات دليل على ذلك.
وإذا جمعت جمل على من قال: ظلمات قلت: جملات، وإن شئت كسَّرتها كما كسَّرت عمراً فقلت: أدعد. وإن سمَّيت بهندٍ أو جملٍ فجمعت بالتاء فقلت: جملات ثقَّلت في قول من ثقَّل ظلمات وهندات فيمن ثقل في الكسرة فقال: كسرات - ومن العرب من يقول كسرات - وإن شئت كسّرت كما كسّؤت بردا وبشرا فقلت: أهناد وأجمال.
وإن سمّيت امرأة بقدمٍ فجمعت بالتاء قلت: قدمات كما تقول هندات وجملات، تسكِّن وتحرِّك هذين خاصَّة، وإن شئت كسَّرت كما كسَّرت حجراً.
قال الشاعر فيما كسّر للجمع، وهو جرير:
أخالد قد علقتك بعد هندٍ ... فشيّبني الخوالد والهنود
وقالوا: الهنود كما قالوا: الجذوع، وإن شئت قلت: الأهناد كما تقول: الأجذاع.
وإن سمّيت رجلا بأحمر فإن شئت قلت: أحمرون، وإن شئت كسَّرته فقلت: الأحامر، ولا تقول: الحمر لأنَّه الآن اسم وليس بصفة، كما تجمع الأرانب والأرامل، كما قلت: أداهم حين تكلَّمت بالأدهم كما يكلم بالأسماء، وكما قلت: الأباطح.


وإن سمّيت امرأة بأحمر فإن شئت قلت: أحمرات، وإن شئت كسرته كما تكسِّر الأسماء فقلت: الأحامر. وكذلك كسَّرت العرب هذه الصفات حين صارت أسماء، قالوا: الأجارب، والأشاعر. والأجارب بنو أجرب؛ وهو جمع أجرب.
وإن سمّيت رجلا بورقاء فلم تجمعه بالواو والنون وكسَّرته، فعلت به ما فعلت بالصَّلفاء إذا جمعت؛ وذلك قولك: صلاف، وخبراء وخبارٍ، وصحراء وصحار، فورقاء تحوَّل اسماً كهذه الأشياء؛ فإن كسَّرتها كسّرتها هكذا. وكذلك إن سمّيت بها امرأة فلم تجمع بالتاء.
وإن سمّيت رجلا بمسلمٍ فأردت أن تكسِّر ولا تجمع بالواو والنون قلت: مسالم، لأنه اسم مثل مطرف.
وإن سميته بخالدٍ فأردت أن تكسَّر للجميع قلت: خوالد؛ لأنَّه صار اسماً بمنزلة القادم والآخر، وإنّما تقول: القوادم والأواخر. والأناسي وغيرهم في ذا سواء. ألا تراهم قالوا: غلام، ثم قالوا: غلمان كما قالوا: غربان، وقالوا: صبيان كما قالوا: قضبان، وقد قالوا: فوارس في الصِّفة فهذا أجدر أن يكون. والدَّليل على ذلك أنّك لو أردت أن تجمع قوماً على خالد وحاتم كما قلت: المناذرة والمهالبة لقلت: الحواتم والخوالد.
ولو سمَّيت رجلاً بقصعة فلم تجمع بالتاء قلت: القصاع، وقلت: قصعات إذا جمعت بالتاء.
ولو سمّيت رجلاً أو امرأة بعبلةٍ، ثم جمعت بالتاء لثقّلت كما ثقلت تمرة لأنها صارت اسما. وقد قالوا: العبلات فثقّلوا حيث صارت اسماً، وهم حيٌّ من قريش.
ولو سمّيت رجلاً أو امرأة بسنةٍ لكنت بالخيار، إن شئت قلت: سنوات وإن شئت قلت: سنون، لا تعدو جمعهم إياها قبل ذلك، لأنَّها ثمَّ اسم غير وصف كما هي ههنا اسم غير وصف. فهذا اسم قد كفيت جمعه.
ولو سمّيته ثبةً لم تجاوز أيضا جمعهم إيّاها قبل ذلك ثبات وثبون.
ولو سمّيته بشيةٍ أو ظبةٍ لم تجاوز شيات وظبات؛ لأنَّ هذا اسم لم تجمعه العرب إلاَّ هكذا. فلا تجاوزنَّ ذا في الموضع الآخر؛ لأنَّه ثم اسم كما أنَّه ههنا اسم. فكذلك فقس هذه الأشياء.
وسألته عن رجل يسمَّى بابنٍ فقال: إن جمعت بالواو والنون قلت: بنون كما قلت قبل ذلك، وإن شئت كسّرت فقلت: أبناء.
وسألته عن امرأة تسمَّى بأمٍ، فجمعها بالتاء وقال: أمَّهات، وأمَّات في لغة من قال: أمَّات، لا يجاوز ذلك، كما أنَّك لو سمّيت رجلاً بأبٍ ثم ثنّيته لقلت: أبوان لا تجاوز ذلك.
وإذا سمّيت رجلاً باسم فعلت به ما فعلت بابنٍ، إلاَّ أنَّك لا تحذف الألف، لأنَّ القياس كان في ابنٍ أن لا تحذف منه الألف، كما لم تحذفه في التثنية، ولكنَّهم حذفوا لكثرة استعمالهم إيّاه، فحرّكوا الباء وحذفوا الألف كمنين وهنين: ولو سمّيت رجلاً بامرئ لقلت: امرءون. وإن شئت كسّرته كما كسّرت ابناً واسماً وأشباهه.
ولو سمّيته بشاةٍ لم تجمع بالتاء، ولم تقل إلاَّ: شياه، لأنَّ هذا الاسم قد جمعته العرب فلم تجمعه بالتاء.
ولو سمّيت رجلاً بضرب لقلت: ضربون وضروب، لأنّه قد صار اسماً بمنزلة عمرو، وهم قد يجمعون المصادر فيقولون: أمراض وأشغال وعقول، فإذا صار اسماً فهو أجدر أن يجمع بتكسير.
وإن سمّيته بربة، في لغة من خفَّف فقال: ربة رجلٍ فخفّف، ثم جمعت قلت: ربات وربون في لغة من قال: سنون. ولا يجوز ظبون في ظبةٍ؛ لأنَّه اسم جمع ولم يجمعوه بالواو والنون. ولو كانوا كسَّروا ربة وامرأً أو جمعوه بواو ونون فلم يجاوزا به ذلك لم تجاوزه، ولكنَّهم لمَّا لم يفعلوا ذلك شبَّهاه بالأسماء.
وأمّا عدة فلا تجمعه إلاَّ عدات. لأنَّه ليس شيء مثل عدةٍ كسّر للجمع، ولكنك إن شئت قلت: عدون إذا صارت اسما كما قلت: لدون.
ولو سمّيت رجلا شفةً أو أمةً ثم قلت: آم في الثلاثة إلى العشرة، وأمَّا في الكثير فإماء، ولقلت في شفةٍ: شفاه.
ولو سمّيت امرأة بشفةٍ أو أمةٍ ثم كسّرت لقلت: آم، وشفاه وإماء، ولا تقل: شفات ولا أمات، لأنَّهن أسماء قد جمعن، ولم يفعل بهنّ هذا. ولا تقل إلاَّ آمٍ في أدنى العدد؛ لأنه ليس بقياس. فلا تجاوز به هذا؛ لأنَّها أسماء كسّرتها العرب، وهي في تسمّيتك بها الرّجال والنساء أسماء بمنزلتها هنا. وقال بعض العرب: أمة وإموان، كما قالوا: أخ وإخوان، قال الشاعر، وهو القتّال الكلابّي:
أمَّا الإماء فلا يدعونني ولداً ... إذا ترامي بنو الإموان بالعار


ولو سمّيت رجلاً ببرةٍ ثم كسّرت لقلت: برّى مثل ظلمٍ، كما فعلوا به ذلك قبل التسمية، لأنَّه قياس.
وإذا جاء شيء مثل برة لم تجمعه العرب ثم قست وألحقت التاء والواو والنون لأن الأكثر مما فيه هاء التأنيث من الأسماء التي على حرفين جمع بالتاء والواو والنون ولم يكسر على الأصل.
وإذا سمّيت رجلاً أو امرأة بشيء كان وصفا، ثم أردت أن تكسِّره كسّرته على حدّ تكسيرك إيّاه لو كان على القياس. فإن كان اسماً قد كسّرته العرب لم تجاوز ذلك. وذلك أن لو سمّيت رجلاً بسعيدٍ أو شريفٍ، وجمعته كما تجمع الفعيل من الأسماء التي لم تكن صفة قط فقلت: فعلان وفعل إن أردت أن تكسّره، كما كسّرت عمراً حين قلت: العمور. ومن قال: أعمر قال في هذه أفعلة. فإذا جاوزت ذلك كسّرته على المثال الذي كسّر عليه الفعيل في الأكثر، وذلك نحو: رغيفٍ وجريبٍ، تقول: أرغفة وأجربة، وجربان ورغفان. وقد يقولون: الرغف، كما قالوا: قضب الرَّيحان. قال لقيط بن زرارة:
إنّ الشِّواء والنَّشيل والرُّغف
وقالوا: السُّبل، وأميل وأمل.
وأكثر ما يكسَّر هذا عليه: الفعلان، والفعلان، والفعل. وربما قالوا: الأفعلاء في السماء، نحو: الأنصباء، والأخمساء. وذلك نحو الأوّل الكثير.
فلو سمّيت رجلاً بنصيب لقلت: أنصباء إذا كسّرته. ولو سمّيته بنسيب، ثم كسّرته لقلت: أنسباء؛ لأنَّه جمع كما جمع النَّصيب، وذلك لأنَّهم يتكلّمون به كما يتكلمون بالأسماء.
وأمَّا والد وصاحب فإنَّهما لا يجمعان ونحوهما كما يجمع قادم الناقة، لأنَّ هذا وإن تكلم به كما يتكلم بالأسماء فإنّ أصله الصفة وله مؤنَّث يجمع بفواعل، فأرادوا أن يفرقوا بين المؤنَّث والمذكّر، وصار بمنزلة المذكّر الذي يستعمل وصفا نحو: ضاربٍ، وقاتلٍ.
وإذا جاء صفة قد كسّرت كتكسيرهم إيَّاها لو كانت اسما، ثم سمّيت بها رجلا كسّرته على ذلك التكسير؛ لأنَّه كسِّر تكسير الأسماء فلا تجاوزنَّه.
ولو سمّيت رجلاً بفعال، نحو جلالٍ، لقلت: أجلَّة، على حدّ قولك أجربة، فإذا جاوزت ذلك قلت: جلاَّن؛ لأنَّ فعالا في الأسماء إذا جاوز الأفعلة إنَّما يجيء عاَّمته على فعلانٍ، فعليه تقيس على الأكثر.
وإذا كسَّرت الصفة على شيء قد كسِّر عليه نظيرها من الأسماء كسَّرتها إذا صارت اسماً على ذلك، وذلك شجاع وشجعان، مثل زقاقٍ وزقَّان، وفعلوا ما ذكرت لك بالصفة إذا صارت اسماً، كما قلت في الأحمر: الأحامر، والأشقر: الأشاقر، فإذا قالوا: شقر أو شقران، فإنَّما يحمل على الوصف، كما أنَّ الذين قالوا: حارث قالوا: حوارث إذا أرادوا أن يجعلوا ذلك اسماً. ومن أراد أن يجعل الحارث صفةً، كما جعلوه الذي يحرث، جمعوه كما جمعوه صفة، إلاّ أنَّه غالب كزيدٍ.
ولو سمَّيت رجلا بفعيلةٍ، ثم كسَّرته قلت: فعائل. ولو سمَّيته باسم قد كسَّروه فجعلوه فعلا في الجمع مما كان فعيلةً، نحو: الصَّحف والسَّفن، أجريته على ذلك في تسميتك به الرجل والمرأة، وإن سمّيته بفعيلة صفةً نحو: القبيحة والظريفة، لم يجز فيه إلاَّ فعائل؛ لأنَّ الأكثر فعائل فإنَّما تجعله على الأكثر.
ولو سمّيت رجلا بعجوز لجاز فيه العجز؛ لأنَّ الفعول من الأسماء قد جمع على هذا، نحو عمودٍ وعمدٍ، وزبور وزيرٍ.
وسألت الخليل، عن أبٍ فقال: إن ألحقت به النون والزيادة التي قبلها قلت: أبون، وكذلك أخ تقول: أخون، لا تغيِّر البناء، إلا أن تحدث العرب شيئاً، كما تقول: دمون.
ولا تغيِّر بناء الأب عن حال الحرفين؛ لأنَّه عليه بني، إلاَّ أن تحدث العرب شيئاً، كما بنوه على غير بناء الحرفين.
وقال الشاعر:
فلما تبيَّن أصواتنا ... بكين وفدَّيننا بالأبينا
أنشدناه من نثق به، وزعم أن جاهلي. وإن شئت كسَّرت، فقلت: آباء وآخاء.
وأمّا عثمان ونحوه فلا يجوز فيه أن يكسِّره، لأنك توجب في تحقيره عثيمين؛ فلا تقول عثامين فيما يجب له عثيمان ولكن عثمانون. كما يجب عثيمان؛ لأنَّ أصل هذا أن يكون الغالب عليه باب غضبان، إلاّ أن تكسِّر العرب شيئاً منه عل مثال فعاعيل، فيجيء التحقير عليه.
ولو سمّيت رجلا بمصران، ثمَّ حقَّرته قلت: مصيران، ولا تلتفت إلى مصارين، لأنك تحقِّر المصران كما تحقِّر القضبان، فإذا صار اسماً جرى مجري عثمان؛ لأنه قبل أن يكون اسماً لم يجر مجرى سرحانٍ محقَّراً.
باب يجمع فيه الاسم


إن كان لمذكَّر أو مؤنث بالتاء كما يجمع ما كان آخره هاء التأنيث
وتلك الأسماء التي آخرها تاء التأنيث، فمن ذلك بنت إذا كان اسماً لرجل تقول: بنات، من قبل أنَّها تاء التأنيث، لا تثبت مع تاء الجمع، كما لا تثبت الهاء، فمن ثمّ صيرت مثلها.
وكذلك هنت وأخت، لا تجاوز هذا فيها.
وإن سمَّيت رجلاً بذيت ألحقت تاء التأنيث، فتقول: ذيات، وكذلك هنت اسم رجل، تقول: هنات.
باب ما لا يكسِّر مما كسّر للجمع
وما لا يكسَّر من أبنية الجمع إذا جعلته اسماً لرجل أو امرأة أما ما لا يكسَّر فنحو: مساجد ومفاتيح، لا تقول إلاَّ مساجدون ومفاتيحون، فإن عنيت نساء قلت: مساجدات ومفاتيحات؛ وذلك لأنَّ هذا المثال لا يشبه الواحد، ولم يشبَّه به فيكسَّر على ما كسّر عليه الواحد الذي على ثلاثة أحرف. وهو لا يكسَّر على شيء، لأنّه الغاية التي ينتهي إليها، ألا تراهم قالوا: سراويلات حين جاء على مثال ما لا يكسَّر.
ولو أردت تكسير هذا المثال رجعت إليه، فلمّا كان تكسيره لا يرجع إلاَّ إليه لم يحرّك.
وأمَّا ما يجوز تكسيره فرجل سمَّيته بأعدالٍ أو أنمارٍ، وذلك قولك: أعاديل وأنامير؛ لأنَّ هذا المثال قد يكسَّر وهو جميع، فإذا صار واحداً فهو أجدر أن يكسَّر. قالوا: أقاويل في أقوال، وأبابيت في أبياتٍ، وأناعيم في أنعامٍ. وكذلك أجربة تقول فيها: أجارب؛ لأنَّهم قد كسَّروا هذا المثال وهو جميع، وقالوا: في الأسقية: أساقٍ.
وكذلك لو سمّيت رجلاً بأعبدٍ جاز فيه الأعابد، لأنَّ هذا المثال يحقَّر كما يحقَّر الواحد، ويكسَّر وهو جميع، فإذا صار واحداً فهو أحسن أن يكسَّر، قالوا: أيدٍ وأيادٍ، وأوطب وأواطب.
وكذلك كلّ شيء بعدد هذا مما كسّر للجمع، فإن كان عدة حروفه ثلاثة أحرف فهو يكسّر على قياسه لو كان اسماً واحداً، لأنه يتحوَّل فيصير كخزرٍ وعنبٍ ومعيٍ، ويصير تحقيره كتحقيره لو كان اسماً واحداً.
ولو سمّيت رجلا بفعول جاز أن تكسّره فتقول: فعائل، لأنّ فعولا قد يكون الواحد على مثاله، كالأتي والسُّدوس. ولو لم يكن واحداً لم يكن بأبعد من فعولٍ من أفعال من إفعالٍ. وبكون مصدراً والمصدر واحد كالقعود والرُّكوب.
ولو كسّرته اسم رجل لكان تكسيره كتكسير الواحد الذي في بنائه، نحو فعول إذا قلت: فعائل. ففعول بمنزلة فعالٍ إذا كان جميعاً. والفعال نحو: جمالٍ إن سمّيت بها رجلا، لأنَّها على مثالٍ جرابٍ.
ولو سمّيت رجلا بتمرة لكانت كقصعة؛ لأنَّها قد تحولت عن ذلك المعنى؛ لست تريد فعلةً من فعلٍ؛ فيجوز فيها تمار كما جاز قصاع.
باب جمع الأسماء المضافة
إذا جمعت عبد الله ونحوه من الأسماء وكسَّرت قلت: عباد الله وعبيد الله، كتكسيرك إيَّاه لو كان مفردا. وإن شئت قلت: عبدو الله، كما قلت: عبدون لو كان مفردا، وصار هذا فيه حيث صار علما، كما كان في حجر حجرون حيث صار علما.
وإذا جمعت أبا زيدٍ قلت: آباء زيدٍ، ولا تقول: أبو زيدين؛ لأنَّ هذا بمنزلة ابن كراع، إنّما يكون معرفة بما بعده. والوجه أن تقول: آباء زيدٍ، وهو قول يونس. وهو أحسن من آباء الزَّيدين، وإنَّما أردت أن تقول: كلّ واحدٍ منهم يضاف إلى هذا الاسم.
وهذا مثل قولهم: بنات لبونٍ، إنَّما أردت كلَّ واحدة تضاف إلى هذه الصفة وهذا الاسم.
ومثل ذلك ابنا عمٍ وبنو عمٍ، وابنا خالة، كأنَّه قال: هما ابنا هذا الاسم، تضيف كلَّ واحد منهما إلى هذه القرابة، فكأنه قال: هما مضافان إلى هذا القول. وآباء زيدٍ نحو هذا، وبنات لبون.
وتقول: أبو زيد، تريد أبون على إرادتك الجمع الصحيح.
باب من الجمع بالواو والنون وتكسير الاسم
سألت الخليل عن قولهم. الأشعرون، فقال: إنما ألحقوا الواو والنون، كما كسّروا، فقالوا: الأشاعر، والأشاعث، والمسامعة، فكلما كسّروا مسمعاً والأشعث حين أرادوا بني مسمع وبني الأشعث، ألحقوا الواو والنون. وكذلك الأعجمون. وقد قال بعضهم: النُّميرون. وليس كل هذا النحو تلحقه الواو والنون، كما ليس كلُّ هذا النحو يكسَّر، ولكن تقول فيما قالوا: وكذلك وجه هذا الباب.
وسألوا الخليل عن مقتويٍ ومقتوين، فقال: هذا بمنزلة الأشعري والأشعرين.


فإن قلت: لم لم يقولوا مقتون؟ فإن شئت قلت: جاءوا به على الأصل كما قالوا: مقاتوهُ. حدثنا بذلك أبو الخطّاب عن العرب. وليس كلُّ العرب يعرف هذه الكلمة. وإن شئت قلت: هو بمنزلة مذروين، حيث لم يكن له واحد يفرد.
وأمَّا النَّصارى فإنه جماع نصرىٍ ونصران، كما قالوا: ندمان وندامى، وفي مهري مهارى، وإنَّما شبَّهوا هذا ببخاتي، ولكنَّهم حذفوا إحدى الياءين كما حذفوا من أُثفية، وأبدولا مكانها ألفاً، كما قالوا صحارى.
هذا قول الخليل. وأمَّا الذي نوجِّهه عليه فأنَّه جاء على نصرانة، لأنَّه قد تكلم به في الكلام، فكأنَّك جمعت نصران، كما جمعت الأشعث ومسمعا، وقلت نصارى، كما قلت ندامى، فهذا أقيس، والأول مذهب.
يعني طرح إحدى الياءين حيث جمعت وإن كانت للنسب، كمال تطرح للتحقير من ثماني، فتقول: ثمين، وأدع ياء الإضافة، كما قلت في بختيةٍ بالتثقيل في الواحد، والحذف في الجمع إذ جاءت مهارى وأنت تنسبها إلى مهرة. وأن يكون جمع نصران أقيس، إذ لم نسمعهم قالوا: نصرىٌّ.
قال أبو الأخزر الحمّانّي:
فكلتاهما خرَّت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانةٌ لم تحنَّف
باب تثنية الأسماء المبهمة التي أواخرها معتلّة
وتلك الأسماء: ذا، وتا، والذي، والتي، فإذا ثنيّت ذا قلت: ذان، وإن ثنيت تا قلت: تان، وإن ثنيّت الذي قلت: اللَّذان، وإن جمعت فألحقت الواو والنون قلت: اللَّذون.
وإنما حذفت الياء والألف لتفرق بينها وبين ما سواها من الأسماء المتمكّنة غير المبهمة، كما فرقوا بينها وبين ما سواها في التحقير.
واعلم أنَّ هذه الأسماء لا تضاف إلى الأسماء كما تقول: هذا زيدك، لأنها لا تكون نكرة فصارت لاتضاف، كما لا يضاف ما فيه الألف واللام.
باب ما يتغيّر في الإضافة إلى الاسم
إذا جعلته اسم رجل أو امرأة، ومالا يتغيّر إذا كان اسم رجل أو امرأة.
أمَّا مالا يتغير فأبٌ وأخٌ ونحوهما، تقول: هذا أبوك وأخوك كإضافتهما قبل أن يكونا اسمين، لأن العرب لمَّا ردّته في الإضافة إلى الأصل والقياس تركته على حاله في التسمية، كما تركته في التثنية على حاله. وذلك قولك: أبوان في رجل اسمه أبٌ، فأمَّا فمٌ اسم رجل، فإنَّك إذا أضفته قلت: فمك، وكذلك إضافة فمٍ. والذين قالوا: فوك، لم يحذفوا الميم ليردوا الواو، ففوك لم يغيَّر له فمٌ في الإضافة. وإنَّما فوك بمنزلة قولك: ذو مالٍ. فإذا أفردته وجعلته اسماً لرجل، ثم أضفته إلى اسم لم تقل: ذُوك، لأنه لم يكن له اسم مفرد ولكن تقول: ذواك.
وأما مايتغيّر: فلدى، وإلى وعلى، إذا صرن أسماء لرجال أو لنساء قلت: هذا لداك وعلاك، وهذا إلاك. وإنما قالوا: لديك، وعليك، وإليك في غير التسمية ليفرقوا بينها وبين الأسماء المتمكنة، كما فرقوا بين عنّى ومنّى وأخواتها وبين هنى، فلمَّا سميت بها جعلتها بمنزلة الأسماء، كما أنَّك لو سميت بعن أو من قلت: عني كما تقول هني.
وحدثنا الخليل أن ناساً من العرب يقولون: علاك، ولداك، وإلاك.
وسائر علامات المضمر المجرور بمنزلة الكاف.
وسألت الخليل عمن قال: رأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك ثم قال: مررت بكليهما، فقال: جعلوه بمنزلة عليك ولديك في الجر والنصب لأنَّهما ظرفان يستعملان في الكلام مجرورين ومنصوبين، فجعل كلا بمنزلتهما حين صار في موضع الجر والنصب. وإنَّما شبَّهوا كلا في الإضافة بعلى لكثرتهما في كلامهم، ولأنَّهما لايخلوان من الإضافة. وقد يشبَّه الشيء بالشيء وإن كان ليس مثله في جميع الأشياء. وقد بيّن ذلك فيما مضى، وستراه فيما بقى إن شاء الله، كما شبّه أمس بغاق وليس مثله، وكما قالوا: من القوم فشبَّهوها بأين.
ولا تفرد كلا، إنَّما تكون للمثنى أبداً.
باب إضافة المنقوص إلى الياء
التي هي علامة المجرور المضمر اعلم أنَّ الياء لا تغيَّر ألف، وتحرِّكها بالفتحة لئلاَّ يلتقي ساكنان وذلك قولك: بشراى، وهداى، وأعشاى.
وناس من العرب يقولون: بشرىَّ وهدىَّ، لأنَّ الألف خفية، والياء خفية، فكأنهم تكلموا بواحدة فأرادوا التبيان، كما أنَّ بعض العرب يقول: أفعى لخفاء الألف في الوقف، فإذا وصل لم يفعل. ومنهم من يقول: أفعى في الوقف والوصل، فيجعلها ياء ثابتة.
باب إضافة كلّ اسم آخره ياء
تلي حرفاً مكسوراً إلى هذه الياء.


اعلم أن الياء التي هي علامة المجرور إذا جاءت بعد ياء لم تكسرها وصارت ياءين مدغمة إحداهما في الأخرى. وذلك قولك: هذا قاضيَّ وهؤلاء جواريَّ، وسكنت في هذا لأن الضمير تصير فيه مع هذه الياء كما تصير فيه الياء في الجر، لأن هذه الياء تكسر ما تلي.
وإن كانت بعد واو ساكنة قبلها حرف مضموم تليه قلبتها ياء، وصارت مدغمةً فيها. وذلك قولك: هؤلاء مسلمىَّ وصالحىَّ، وكذلك اشباه هذا. وإن وليت هذه الياء ياء ساكنة قبلها حرف مفتوح لم تغيّرها، وصارت مدغمةً فيها، وذلك قولك: رأيت غلامىَّ. فإن جاءت تلي ألف الاثنين في الرفع فهي بمنزلتها بعد ألف المنقوص، إلا أنَّه ليس فيها لغة من قال: بُشرىَّ، فيصير المرفوع بمنزلة المجرور والمنصوب، ويصير كالواحد نحو عصىَّ، فكرهوا الالتباس حيث وجدوا عنه مندوحةً.
واعلم أنَّ كلَّ اسمٍ آخره ياء تلي حرفاً مكسوراً فلحقته الواو والنون في الرفع، والياء والنون في الجر والنصب للجمع، حذفت منه الياء التي هي آخره، ولا تحركها لعلة ستبيَّن لك إن شاء الله، ويصير الحرف الذي كانت تليه مضموماً مع الواو، لأنَّه حرف الرفع فلا بدّ منه، ولا تكسر الحرف مع هذه الواو، ويكون مكسوراً مع الياء. وذلك قولك: قاضون وقاضين وأشباه ذلك.
هذا باب التصغير
اعلم أنَّ التصغير إنَّما هو في الكلام على ثلاثة أمثلة: على فعيلٍ، وفعيعلٍ وفعيعيلٍ.
فأمَّا فعيلٌ فلما كان عدّة حروفه ثلاثة أحرف، وهو أدنى التصغير، لا يكون مصغَّرٌ على أقل من قعيلٍ، وذلك نحو قييسٍ، وجميلٍ، وجبيلٍ. وكذلك جميع ما كان على ثلاثة أحرف.
وأمَّا فعيعلٌ فلما كان على أربعة أحرف وهو المثال الثاني، وذلك نحو جعيفر ومطيرفٍ، وقولك في سبطر: سبيطرٌ، وغلامِ: غُليّم، وعلبطٍ علبيطٌ. فإذا كانت العدة أربعة أحرف صار التصغير على مثال: فعيعلٍ، تحرّكن جمع أو لم يتحرّكن، اختلفت حركاتهن أو لم يختلفن كما صار كل بناء عدة حروفه ثلاثة على مثال فعيل تحركن جمع أو لم يجمع اختلفت حرتكاتهن أولم يختلفن.
وأمَّا فعيعيلٌ فلما كان على خمسة أحرف، وكان الرابع منه واواً أو ألفاً أو ياء، وذلك نحو قولك في مصباحٍ: مصيبيحٌ، وفي قنديلٍ: قنيديلٌ، وفي كردوسٍ: كريديسٌ، وفي قربوسٍ: قريبيسٌ، وفي حمصيصٍ حميصيص، لا تبالي كثرة الحركات ولا قلتها ولا اختلافها.
واعلم أنَّ تصغير ما كان على أربعة أحرف إنّما يجيء على حال مكسَّرة للجمع في التحرك والسكون، ويكون ثالثه حرف اللين، كما أنّك إذا كسَّرته للجمع كان ثالثه حرف اللين، إلاَّ أنَّ ثالث الجمع ألف، وثالث التصغير ياء، وأوّل التصغير مضموم، وأول الجمع مفتوح.
وكذلك تصغير ما كان على خمسة أحرف يكون في مثل حاله لو كسرّته للجمع، ويكون خامسه ياء قبلها حرف مكسور، كما يكون ذلك لو كسّرته للجمع، ويكون ثالثه حرف لين كما يكون ثالثه في الجمع حرف لين. غير أنَّ ثالثه في الجمع ألف وثالثه في التصغير ياء، وأوّله في الجمع مفتوح وفي التصغير مضموم.
وإنّما فعل ذلك لأنَّك تكسر الاسم في التحقير كما تكسره في الجمع فأرادوا أن يفرقوا بين علم التصغير والجمع.
باب تصغير ما كان على خمسة أحرف.
ولم يكن رابعه شيئاً مما كان رابع ما ذكرناه مما كان عدّة حروفه خمسة أحرف.
وذلك نحو: سفرجلٍ، وفرزذقٍ، وقبعثرى، وشمردلٍ، وجحمرشٍ، وصهصلق. فتحقير العرب هذه الأسماء: سفيرجٌ، وفريزدٌ، وشميردٌ، وقبيعثٌ، وصهصيلٌ.
وإن شئت ألحقت في كل اسم (منها) ياء قبل آخر حروفه عوضاً. وإنَّما حملهم على هذا أنَّهم لايحقّرون ماجاوز ثلاثة أحرف إلاَّ على زنته وحاله لو كسَّروه للجمع. إلاَّ أنَّ نطير الحرف اللين الثالث الذي في الجمع الياء في التصغير. وأوّل التصغير مضموم وأوَّل الجمع مفتوح، لما ذكرت لك. فالتصغير والجمع بمنزلة واحدة في هذه الأسماء في حروف اللين وانكسار الحرف بعد حرف اللين الثالث، وانفتاحه قبل حرف اللين، إلاَّ أنَّ أوَّل التصغير وحرف لينه كما ذكرت لك، فالتصغير والجمع من وادٍ واحد.
وإنَّما منعهم أن يقولوا: سفيرجلٌ أنَّهم كسَّروه لم يقولوا: سفارجل، ولافرازدق، ولاقباعثر، ولاشماردل.
وسأبيِّن لك إن شاء الله لم كانت هذه الحروف أولى بالطرح في التصغير من سائر الحروف التي من بنات الخمسة.


وهذا قول يونس. وقال الخليل: لو كنت محقِّراً هذه الأسماء لا أحذف منها شيئاً كما قال بعض النحوييّن، لقلت: سفيرجلٌ كما ترى، حتى يصير بزنة دنينيرٌ، فهذا أقرب وإن لم يكن من كلام العرب.
باب تصغير المضاعف
الذي قد أدغم أحد الحرفين منه في الآخر
وذلك قولك في مدقٍّ: مديقٌّ وفي أصمَّ: أصيمٌّ، ولاتغيِّر الإدغام عن حاله كما أنَّك إذا كسَّرت مدقَّا للجمع قلت: مداقُّ، ولو كسرت أصمّ على عدَّة حروفه كما تكسّر أجدلاً فتقول: أجادل لقلت: أصامُّ. فإنَّما أجريت التحقير على ذلك، وجاز أن يكون الحرف الدغم بعد الياء الساكنة، كما كان ذلك بعد الألف التي في الجمع.
باب تصغير ما كان على ثلاثة أحرف
ولحقته الزيادة للتأنيث صارت عدَّته مع الزيادة أربعة أحرف وذلك نحو: حبلى، وبشرى، وأخرى. تقول: حبيلى، وبشيرى، وأخيرى.
وذلك أنَّ هذه الألف لمَّا كانت ألف تأنيث لم يكسروا الحرف بعد ياء التصغير، وجعلوها ههنا بمنزلة الهاء التي تجيء للتأنيث، وذلك قولك في طلحة طليحة، وفي سلمة: سليمة. وإنّما كانت هاء التأنيث بهذه المنزلة، لأنها تضم إلى الاسم، كما يضم موت إلى حضر، وبكَّ إلى بعل.
وإن جاءت هذه الألف لغير التأنيث كسرت الحرف بعد ياء التصغير وصارت ياء، وجرت هذه الألف في التحقير مجرى ألف مرمى، لأنها كنون رعثنٍ، وهو قوله في معزىً: معيزٍ كما ترى، وفي أرطى: أريطٍ كما ترى، وفيمن قال علقى: عليقٍِ كما ترى.
واعلم أن هذه الألف إذا كانت خامسةً عندهم فكانت للتأنيث أو لغيره حذفت، وذلك قولك في قرقرى: قربقر، وفي حبركى: حبيركٌ. وإنما صارت هذه الأف إذا كانت خامسة عندهم بمنزلة الألف مبارك وجوالقٍ، لأنها ميّتة مثلها، ولأنها كسِّرت الأسماء للجمع لم تثبت، فلّما اجتمع فيها ذلك صارت عند العرب بتلك المنزلة، وهذا قول يونس والخليل. فكذلك هذه الألف إذا كانت خامسةً فصاعدا.
هذا باب
تصغير ما كان على ثلاثة أحرف ولحقته
ألف التأنيث بعد ألف فصار مع الألفين خمسة أحرف
اعلم أنَّ تحقير ذلك كتحقير ما كان على ثلاثة أحرف ولحقته ألف التأنيث لا تكسر الحرف الذي بعد ياء التصغير، ولا تغيَّر الألفان عن حالها قبل التصغير، لأنَّهما بمنزلة الهاء. وذلك قولك: حميراء، وصفيراء، وطرفاء: طريفاء. وكذلك فعلان الذي له فعلى عندهم، لأنَّ هذه النون لمَّا كانت بعد ألف وكانت بدلاً من ألف التأنيث حين أرادوا المذكَّر صار بمنزلة الهمزة التي في حمراء، لأنَّها بدلٌ من الألف. ألا تراهم أجروا على هذه النون ما كانوا يجرون على الألف، كما كان يجرى على الهمزة ما كان يجرى على التي هي بدل منها.
واعلم أنَّ كلَّ شيءٍ كان آخره كآخر فعلان الذي له فعلى، وكانت عدَّة حروفه كعدَّة حروف فعلان الذي له فعلى، توالت فيه ثلاثة حركات، أو لم يتوالين، اختلفت حركاته أو لم يختلفن، ولم تكسِّره للجمع حتَّى يصير على مثال مفاعيل، فإنَّ تحقيره كتحقير فعلان الذي له فعلى.
وإنَّما صيّروه مثله حين كان آخره نونا بعد ألف كما أن آخر فعلان الذي له فعلى نون بعد ألف وكان ذلك زائداً كما كان آخر فعلان الذي له فعلى زائداً، ولم يكسّر على مثال مفاعيل كما لم يكسَّر فعلان الذي لع فعلى على ذلك، فشبَّهوا ذا بفعلان الذي لع فعلى كما شبّهوا الألف بالهاء.
واعلم أنَّ ما كان على ثلاثة أحرف ولحقته زائدتان فكان ممدوداً منصرفاً فإنَّ تحقيره كتحقير الممدود الذي هو بعدّة حروفه مما فيه الهمزة بدلاً من ياء من نفس الحرف. وإنّما صار كذلك لأنَّ همزته بدلٌ من ياء بمنزلة الياء التي من نفس الحرف. وذلك نحو: علباء وحرباء، تقول: عليبىٌّ وحريبىٌّ، كما تقول في سًّقاءٍ سقيقى وفي مقلاءٍ: مقيلىٌّ.
وإذا كانت الياء التي هذه الهمزة بدلٌ منها ظاهرة حقّرت ذلك الاسم كما تحقرِّ الاسم الذي ظهرت فيه ياءٌ من نفس الحرف مما هو بعَّدة حروفه، وذلك درحايةٌ فتقول: دريحيَّةٌ، كما تقول في سقايةٍ سقيقيةٌ. وإنَّما كان هذا كهذا لأنَّ زوائده لم يجئن للتأنيث.
واعلم أنَّ من قال: غوغاءٌ فجعلها بمنزلة قضقاضٍ وصرف قال: غويغيٌّ. ومن لم يصرف وأنَّث فإنَّها عنده بمنزلة عوراء، يقول: غويغاء كما يقول: عُويراء.


ومن قال: قوباء فصرف قال: قويبىٌّ، كما تقول: عليبىٌّ. ومن قال: هذه قوباء فأنَّث ولم يصرف قال: قويباء كما قال حميراء، لأنَّ تحقير ما لحقته ألفا التأنيث وكان على ثلاثة أحرف وتوالت فيه ثلاث حركات أو لم يتوالين، اختلفت حركاته أو لم يختلفن، على مثال فعيلاء.على مثال مفاعيل فإن تحقيره كتحقير سربال شبهوه به حيث كسر للجمع.
واعلم أنَّ كلّ اسم آخره ألف ونون زائدتان وعدَّة حروفه كعدَّة حروف فعلان كُسِّر للجمع كما يكسَّر سربالٌ، وفعل به ما ليس لبابه في الأصل فكما كسِّر للجمع هذا التكسير حقِّر هذا التحقير. وذلك قولك: سريحينٌ في سرحانٍ، لأنَّك تقول: سراحينٌ، وضبعانٌ ضبيعينٌ لأنَّك تقول: ضباعينٌ وحومان: حويمينٌ، لأنهم يقولون حوامينٌ، وسلطانٌ سليطينٌ، لأنهم يقولون: سلاطين، يقولون في فرزانٍ: فريزين، لأنَّهم يقولون: فرازين، ومن قال: فرازنةٌ، قال أيضاً: فريزينٌ، لأنه قد كسِّر كما كسِّر جحجاحٌ وزنديقٌ كما قالوا: زنادقة وجحاجحةٌ.
وأما ظربانٌ فتحقيره ظريبانٌ، كأنَّك كسّرته على ظرباء ولم تكسّره على ظربانٍ. ألا ترى أنَّك تقول: ظرانىٌّ كما قالوا: صلفاء وصلافي. ولو جاء شيء مثل ظرباء كانت الهمزة للتأنيث، لأنَّ هذا البناء لايكون من باب علباء وحرباءٍ ولم تكسّره على ظربانٍ. ألا ترى أنَّ النون قد ذهبت فلم يشبه سربالاً حيث لم تثبت في الجمع. كما تثبت لام سربال وأشباه ذلك.
وتقول في ورشانٍ وريشينٌ، لأنَّك تقول: وراشين.
وإذا جاء شيء على عدّة حروف سرحانٍ، وآخره كآخر سرحانٍ، ولم تعلم العرب كسَّرته للجمع، فتحقيره كتحقير فعلان الذي له فعلى إذا لم تعلم. فالذي هو مثله في الزيادتين والذي يصير في المعرفة بمنزلته أولى به حتَّى تعلم، والذي ذكرت لك في جميع ذا قول يونس.
ولو سمّيت رجلاً بسرحانٍ فحقَّرته: لقلت سريحينٌ. وذا قول يونس وأبي عمرو.
ولو قلت: سريحانٌ لقلت في رجل يسمَّى علقىً: عليقى، وفي معزًى معيزىً، وفي امرأة اسمها سربال سريبال، لأنها لا تنصرف.
فالتحقير على أصله وإن لم ينصرف الاسم.
وجميع ما ذكرت لك في هذا الباب وما أذكر لك في الباب الذي يليه قول يونس.
باب تحقير ماكان على أربعة أحرف
فلحقته ألفا التأنيث، أو لحقته ألف ونون كما لحقت عثمان.
أمَّا ما لحقته ألفا التأنيث فخنفساء وعنصلاء، وقرملاء، فإذا حقَّرت قلت: قريملاء وخنيفساء وعنيصلاء، ولا تحذف كما تحذف ألف التأنيث، لأنَّ الألفين لمَّا كانتا بمنزلة الهاء في بنات الثلاثة لم تحذفا هنا حيث حيّ آخر الاسم، كتحرَّك متحرك الهاء.
وإنّما حذفت الألف لأنَّها حرف ميت، فجعلتها كألف مبارك. فأمّا الممدود فإنَّ آخره حيٌّ كحياة الهاء، وهو في المعنى مثل ما فيه الهاء، فلَّما اجتمع فيه الأمران جعل بمنزلة ما فيه الهاء، والهاء بمنزلة اسم ضم إلى اسم فجعلا اسماً واحداً، فالآخر لا يحذف أبداً، لأنَّه بمنزلة اسم مضاف إليه، ولا تغيّر الحركة التي في آخر الأول كما لا تغيّر الحركة التي قبل الهاء.
وأمّا ما لحقته ألف ونون: فعقربانٌ وزعفرانٌ، تقول: عقيربانٌ، وزعيفرانٌ، تحقره كما تحقّر ما في آخره ألفا التأنيث.
ولا تحذف لتحُّرك النون، وإنَّما وافق عقربانٌ خنفساء، كما وافق تحقير عثمان تحقير حمراء، جعلوا ما فيه الألف والنون من بنات الأربعة بمنزلة ما فيه ألف التأنيث من نبات الأربعة كما جعلوا ما هو مثله من نبات الثلاثة مثل ما فيه ألفا التأنيث من بنات الثلاثة، لأن النون في بنات للأربعة بمَّا تحركت اشبهت الهمزة في خنفساء وأخواتها ولم تسكن فتشبه بكونها الألف التي في قرقرى وقهقرى و قبعثرى وتكون حرفا واحداً بمنزلة قهقرى.
وتقول في أقحوانة: أقيحيانة، وعنظوانة: عنيظيانة، كأنَّك حقَّرت عنظواناً وأقحواناً. وإذا حقَّرت عنظواناً وأقحواناً فكأنك حقرت عنظوة وأقحوانا. وإذا حقَّرت عنظواناً وأقحواناً فكأنك حقَّرت عنظوة وأقحوة، لأنَّك تجري هاتين الزيادتين مجرى تحقير مافيه الهاء، فإذا ضممتهما وإنما أدخلت التاء ههنا لأن الزيادتين ليستا علامة للتأنيث.
وأمَّا أسطوانةٌ فتحقيرها أسيطينةٌ، لقولهم: اساطين كما قلت: سريحينٌ حيث قالوا: سراحين، فلمَّا كسّروا هذا الاسم بحذف الزيادة وثبات النون حقَّرته عليه.
باب مايحقَّر على تكسيرك إيّاه


لو كسرته للجمع على القياس لاعلى التكسير للجمع على غيره.
وذلك قولك في خاتمٍ: خويتمٌ، وطابقٍ: طويبقٌ، ودانقٍ: دوينقٌ والذين قالوا: دوانيق وخواتيم وطوابيق إنَّما جعلوه تكسير فاعالٍ، وإن لك يكن من كلامهم. كما قالوا: ملامح والمستعمل في الكلام لمحةٌ، ولايقولون ملمحةٌ، غير أنَّهم قد قالوا: خاتام، حدثنا بذلك أبو الخطاب.
وسمعنا من يقول ممّن يوثق به من العرب: خويتيمٌ، فإذا جمع قال: خواتيم.
وزعم يونس أنَّ العرب تقول أيضاً: خواتم ودوانق وطوابيق، على فاعلٍ، كما قالوا: تابلٌ وتوابل. ولو قلت: خويتيمٌ ودوينيقٌ لقولك: خواتيم ودوانيق، لقلت في أثفية أثيفيةٌ فخففتها، لأنك تقول: أثافٍ، ولكنَّك تحقّرها على تكسيرها على القياس، وكذلك معطاء تقول: معيطىٌّ ولاتلتفت إلى معاطٍ، ولحذفت في تحقير مهريةٍ إحدى الياءين، كما حذفت في مهارى إحداهما.
ومن العرب من يقول: صغييرٌ ودريهيم، فلا يجيء بالتصغير على صغيرٍ ودرهمٍ، كما لم يجيء دوانيق على دانقٍ، فكأنَّهم حقروا درهاماً وصغياراً وليس يكون ذا في كلِّ شيء إلاَّ أن تسمع منه شيئاً، كما قالوا: رويجلٌ فحقَّروا على راجلٍ، وإنّما يريدون الرَّجل.
باب مايحذف في التحقير
من بنات الثلاثة من الزيادات
لأنك لو كسرتها للجمع لحذفتها فكذلك تحذف في التصغير وذلك في قولك في مغتلمٍ: مغيلمٌ، كما قلت مغالم، فحذفت حين كسّرت للجمع، وإن شئت قلت: مغيليمٌ فألحقت الياء عوضاً مما حذفت، كما قال بعضهم مغاليم.
وكذلك جوالقٌ إن شئت قلت: جويليقٌ عوضاً كما قالوا: جواليق. والعوض قول يونس والخليل.
وتقول في المقدمَّ والمؤخرَّ: مقيدمٌ، ومؤيخر، وإن شئت عوضت الياء كما قالوا: مقاديم ومآخير والمقادم والمآخر عربية جيدة. ومقيدم خطأ، لأنه لايكون في الكلام مقاديم ومآخير، والمقادم والمآخر عربية جيدة. ومقيدم خطأ، لأنّه لايكون في الكلام مقادِّم. فإذا لم يكن ذا فيما هو بمنزلة التصغير في أنَّ ثالثه حرف لين كما أنّ ثالث التصغير حرف لين، وما قبل حرف لينه مفتوح كما أنَّ ما قبل حرف لين التصغير مفتوح، ومابعد حرف لينه مكسور كما كان ما بعد حرف لين التصغير مكسوراً - فكذلك لا يكون في التصغير فعلى هذا فقس. وهذا قول الخليل.
وحروف اللين هي حروف المدّ التي يمدّ بها الصوت، وتلك الحروف: الألف، والواو، والياء.
وتقول في منطلقٍ: مطليقٌ ومطيليقٌ، لأنَّك لو كسَّرته كان بمنزلة مغتلمٍ في الحذف والعوض.
وتقول في مذَّكرٍ مذيكرٌ كما تقول في مقتربٍ: مقيربٌ، وإنَّما حدُّها مذتكرٌ، ولكنَّهم أدغموا، فحذفت هذا كما كنت حاذفة في تكسير كه للجمع لو كسِّرته. وإن شئت عوّضت فقلت: مذيكيرٌ ومقيريبٌ. وكذلك مغيسلٌ.
وإذا حقَّرت مستمعاً قلت: مسيمعٌ ومسيميعٌ، تجريه مجرى مغيسل، تحذف الزوائد، كما كنت حاذفها في تكسير للجمع لو كسَّرته.
وإذا حقّرت مزدانٌ قلت: مزينٌ ومزيِّين، وتحذف الدال لأنَّها بدلٌ من تاء مفتعلٍ، كما كنت حاذفها لو كسِّرته للجمع. ومزدانٌ بمنزلة مختارٍ، فإذا حقرته قلت: مخيّرٌ، وإن شئت قلت: مخييِّرٌ، لأنَّك لو كسرته للجمع قلت: مخاير ومخايير، كما فعلت ذلك بمغتلم، لأنه مفتعلٌ، وكذلك منقادٌ لأنه منفعل، وكذلك مستزادٌ تحقيره مزيدٌ، لأنه مستفعلٌ. فهذه الزوائد تجرى على ماذكرت لك.
وتقول في محمرٍ: محيمرٌ، ومحيميرٌ، كما حقَّرت مقدَّماً، لأنَّك لو كسّرت محمراً للجمع أذهبت إحدى الراءين، لأنَّه ليس في الكلام مفاعلٌ.
وتقول في محمارٍ: محيميرٌ، ولاتقول: محميرٌّ، لأنَّ فيها إذا حذفت الراء ألفاً رابعة، فكأنك حقَّرت محمارٌ.
وتقول في تحقير حمّارةٍ: حميرَّةٌ، كأنَّك حقّرت حمرَّة، لأنَّك لو كسّرت حمارةً للجمع لم تقل: حمائرُّ، ولكن تقول حمارُّ، لأنَّه ليس في الكلام فعائلُّ كما لا يكون مفاعلُّ.
وإذا حقّرت جبنةً قلت: جبينَّةٌ، لأنّك لو كسرتها (للجمع) لقلت: جبانُّ، كما تقول في المرضّة: مراضُّ كما ترى. فجبنّةٌ ونحوها على مثال مرضَّة، وإذا كسّرتها للجمع جاءت على ذلك المثال. وقد قالوا: جبنةٌ، فثّقلوا النون وحففّوها.


وتقول في مغدودنٍ: مغيدينٌ إن حذفت الدال الآخرة، كأنك حقّرت مغدونٌ، لأنَّها تبقى خمسة أحرف رابعتها الواو، فتصير بمنزلة بهلول وأشِباه ذلك. وإن حذفت الدال الأولى فهي بمنزلة جوالقٍ، كأنك حقّرت مغودنٌ.
وإذا حقّرت خفيددٌ قلت: خفيددٌ وحفيديدٌ، لأنَّك لو كسّرته للجمع قلت: خفارد وخفاديدٌ، فإنَّما هو بمنزلة عذافرٍ وجوالقٍ.
وإذا حقَّرت غدودنٌ فبتك المنزلة، لأنَّك لو كسّرته للجمع لقلت: غدادين وغدادن، ولاتحذف من الدالين لأنَّهما بمنزلة ماهو بنفس الحرف ههنا، ولم تضطر إلى حذف واحد منهما، وليسا من حروف الزيادات إلاّ أن تضاعف لتلحق الثلاثة بالأربعة، والأربعة بالخمسة.
وتقول في قطوطىً: قطيطٍ وقطيطىٌّ، لأنَّه بمنزلة غدودنٍ وعثوثلٍ.
وإذا حقَّرت مقعنسٌ حذفت النون وإحدى السينين، لأنَّك كنت فاعلاً ذلك لو كسّرته للجمع. فإنَّ شئت قلت: مقيعسٌ، وإن شئت قلت مقيعيسٌ.
وأمّا معلوّطٌ فليس فيه إلاَّ معيليطٌ، لأنَّك إذا حقّرت فحذفت إحدى الواوين بقيت واوٌ رابعةً، وصارت الحروف خمسة أحرف. والواو إذا كانت في هذه الصفة لم تحذف في التصغير، كما لا تحذف في الكسر للجمع.
فأمَّا مقعنسٌ فلا يبقى منه إذا حذفت إحدى السينين زائدةٌ خامسةً تثبت في تكسيرك لاسم الجمع، والتي تبقى هي النون، ألا ترى أنه ليس في الكلام مفاعنل.
وتقول في تحقير عفنججٍ: عفيججٌ وعفيجيجٌ، تحذف النون ولاتحذف من اللامين، لأنَّ هذه النون بمنزلة واو غدودنٍ وياء خفيددٍ، وهي من حرف الزيادة، والجيم ههنا المزيدة بمنزلة الدال المزيدة في غدودنٍ وخفيددٍ، وهي بمنزلة ماهو من نفس الحرف، لأنَّها ليست من حروف الزيادة إلا أن تضاعف.
وإذا حقّرت عطوَّدٌ قلت: عُطّيدٌ، لأنّك لو كسّرته للجمع قلت: عطاود وعطاويد، وإنَّما ثقّلت الواو التي ألحقت بنات الثلاثة بالأربعة كما ثقَّلت باء عدبَّسٍ ونون عجنَّسٍ.
وإذا حقّرت عثولٌّ قلت عثيلٌ وعثيِّيلٌ، لأنَّك لو جمعت قلت: عثاول وعثاويل، وإنَّما صارت الواو تثبت في الجمع والتحقير لأنَّهم إنما جاءوا بهذه الواو لتلحق بنات الثلاثة بالأربعة، فصارت عندهم كشين قرشٍبّ، وصارت اللام الزائدة بمنزلة الباء الزائدة في قرشٍبّ، فحذفتها كما حذفوا الباء حين قالوا قراشب، فحذفوا ما هو بمنزلة الباء وأثبتوا ما هو بمنزلة الشين، وكذلك قول العرب وقول الخليل.
وإذا حقّرت النددٌ ويلنددٌ، ومعنى يلنددٍ وألنددٍ واحد، حذفت النون كما حذفتها من عفنججٍ، وتركت الدَّالين، لأنَّهما من نفس الحرف. ويدلّك على ذلك أنَّ المعنى معنى ألدَّ. وقال الطرماح:
خصمٌ أبرَّ على الخصوم ألنددٌ
فإذا حذفت النون قلت: أليدُّ كما ترى، حتَّى يصير على قياس تصغير أفعل من المضاعف، لأنَّ أفيعل من المضاعف وأفاعل من المضعف لايكون إلا مدغماً، فأجريته على كلام العرب.
ولو سميّت رجلاً بألبب ثم حقّرته قلت: أليبُّ كما ترى، فرددته إلى قياس أفعل، وإلى الغالب في كلام العرب. وإنما ألببٌ شاذّ كما أنَّ حيوة شاذّ. فإذا حقّرت حيوة صار على قياس غزوة، ولم يصيّره كينونته ههنا على الأصل أن تحقّره عليه، فكذلك ألببٌ، وإذا حقّرت إستبرقٌ قلت: أبيرقٌ، وإن شئت قلت: أبيريقٌ على العوض، لأن السين والتاء زائدتان، لأنَّ الألف إذا جعلتها زائدة لم تدخلها على بنات الأربعة ولا الخمسة، وإنَّما تدخلها على بنات الثلاثة، وليس بعد الألف شيء من حروف الزيادة إلاَّ السين والتاء، فصارت الألف بمنزلة ميم مستفعلٍ، وصارت السين والتاء بمنزلة سين مستفعلٍ وتائه. وترك صرف إستبرق يدلّك على أنه استفعل.
وإذا حقّرت أرندجٌ قلت: أريدجٌ، لأنَّ الألف زائدة، ولاتلحق هذه الألف إلاَّ بنات الثلاثة، والنون بمنزلة نون ألنددٍ.
وتقول في تحقير ذرحرحٍ: ذريرحٌ، وإنَّما ضاعفت الراء والحاء كما ضاعف الدال في مهدد. والدليل على ذلك: ذرّاحٌ وذرُّوح، فضاعف بعضهم الراء، وضاعف بعضهم الراء والحاء، وحقّرته كتكسيركه للجمع. ألا ترى أنَّ من لغته ذرحرحٌ يقول: ذرارح.
وقالوا: جلعلعٌ وجلالع


وزعم يونس أنَّهم يقولون: صمامح ودمامك، في صمصمحٍ ودمكمكٍ، فإذا حقّرت قلت: صميمحٌ ودميمكٌ وجليلعُ، وإن شئت قلت ذريريحٌ عوضاً كما قالوا: ذراريحُ. وكرهوا ذراحح وذريححٌ، للتضعيف والتقاء الحرفين من موضع واحد، وجاء العوض فلم يغيّروا ماكان من ذلك قبل أن يجيء، ولم يقولوا في العوض: ذراحيح فيكون في العوض على ضربٍ وفي غيره على ضربٍ. ومع ذا أنَّ فعاعيل وفعاعل أكثر وأعرف من فعالل وفعاليل).
وزعم الخليل أ،َّ مرمريسٌ من المراسة، والمعنى يدلّ. وزعم أنّهم ضاعفوا الميم والراء في أوله كما ضاعفوا في آخره ذرحرحٍ الراء والحاء. وتحقيره مريريسٌ، لأن الياء تصير رابعة، وصارت الميم أولى بلحذف من الراء، لأن الميم إذا حذفت تبيَّن في التحقير أن اصله من الثلاثة، كأنَّك حقّرت مراَّسٌ. ولو قلت: مريميسٌ لصارت كأنَّها من باب سرحوبٍ وسرداحٍ وقنديلٍ.
فكلُّ سيء ضوعف الحرفان من أوّله أو آخره فأصله الثلاثة، ممّا عدّة حروفه خمسة أحرف، كما أنَّ كلّ سيء ضوعف الثاني من أوّله أو آخره، وكانت عدّته أربعة أو خمسة رابعه حرف لين، فهو من الثلاثة عندك، فهذان يجريان مجرى واحداً.
وإذا حقّرت المسرول فهو مسيريلٌ، ليس إلاّ (هذا)، لأنَّ الواو رابعة. ولو كسّرته للجمع لم تحذف، فكذلك لاتحذف في التصغير، فإذا حقّرت أو كسِّرت وافق بهلولا وأشباهه.
وإذا حقّرت مساجد اسم رجلٍ قلت: مسيجدٌ، فتحقيره كتحقير مسجدٍ لأنه اسمٌ لواحد، ولم ترد أن تحقِّر جماعة المساجد، ويحقَّر ويكسَّر اسم رجل كما يحقَّر مقدَّمٌ.
باب ماتحذف منه الزوائد
من بنات الثلاثة مما أوائله الألفات الموصولات
وذلك قولك في استضرابٍ: تضيريبٌ، حذفت الألف الموصولة لأنَّ مايليها من بعدها لابدّ من تحريكه، فحذفت لأنَهم قد علموا أنَّها في حال استغناء عنها، وحذفت السين كما كنت حاذفها لو كسّرته للجمع حتَّى يصير على مثال مفاعيل، وصارت السِّين أولى بالحذف حيث لم يجدوا بدّا من حذف أحدهما، لأنَّك إذن أردت أن يكون تكسيره وتحقيره على ما في كلام العرب، نحو: التجّفاف والتّبيان، وكان ذلك أحسن من أن يجيئوا به على ماليس من كلامهم. ألا ترى أنَّه ليس في الكلام سفعالٌ.
وإذا صغّرت الافتقار حذفت الألف لتحرُّك مايليها، ولاتحذف التاء لأنَّ الزائدة إذا كانت ثانية من بنات الثلاثة وكان الاسم عدّة حروفه خمسة رابعهنّ حرف لين لم يحذف منه شيء في تكسيره للجمع لأنَه يجيء على مثال مفاعيل، ولا في تصغيره. وذلك قولك في ديباجٍ: دبابيج، والبياطير والبياطرة جمع بيطار، صارت الهاء عوضاً من الياء. فإذا حذفت الألف الموصولة بقيت خمسة أحرف الثاني منها حرف زائدٌ والرابع حرف لين. فكل اسم كان كذا لم تحذف منه شيئاً في جمع ولاتصغير. فالتاء في افتقارٍ إذا حذفت الألف بمنزلة الياء في ديباجٍ، لأنَّك لو كسَّرته للجمع بعد حذف الألف لكان على مثال مفاعيل، تقول: فتيقيرٌ.
وإذا حقَّرت انطلاقٌ قلت: نطيليقٌ، تحذف الألف لتحرُّك مايليها، وتدع النون، لأنَّ الزيادة إذا كانت أوّلا في بنات الثلاثة وكانت على خمسة أحرف،وكان رابعه حرف لين،، لم تحذف منه شيئاً في تكسير كه للجمع، لأنَّه يجيء على مثال مفاعيل، ولا في التصغير، وذلك نحو: تجفافٍ وتجافيف، ويربوعٍ ويرابيع، فالنون في انطلاقٍ بعد حذف الألف كالتاء في تجفافٍ. وإذا حقَّرت احمرارٌ قلت: حميريرٌ، لأنَّك إذا حذفت الألف كأنَّك تصغر حمرارٌ، فإنَّما هو حينئذٍ كالشملال، ولاتحذف من الشملال كما لا تحذف منه في الجمع.
وإذا حقَّرت اشيبهابٌ حذفت الألف، فكأنه بقي شهيبابٌ، ثم حذفت الياء التي بعدها الهاء كما كنت حاذفها في التكسير إذا جمعت، فكأنَّك حقَّرت شهبابٌ. وكذلك الاغديدان تحذف الألف والياء التي بعد الدال، كما كنت حاذفها في التكسير للجمع، فكأنك حقَّرت عدَّان، وذلك نحو غديدينٍ وشهيبيبٍ.


وإذا حقَّرت اقعنساسٌ حذف الألف لما ذكرناه، فكأنه يبقى قعنساسٌ وفيه زائدتان: إحدى السينين والنون، فلا بدُّ من حذف إحداهما، لأنَّك لو كسَّرته للجمع حتَّى يكون على مثال مفاعيل لم يكن من الحذف بدٌّ، فالنون أولى، لأنَّها هنا بمنزلة الياء في اشهيبابٍ واغديدانٍ وهي من حروف الزيادة، والسين ضوعفت كما ضوعفت الباء وما ليس من حروف الزيادة في الاشهيباب والاغديدان. ولو لم يكن فيه شيء من ذا كانت النون أولى بالحذف لأنّه كان يجيء تحقيره وتكسيره كتكسير ما هو في الكلام وتحقيره فإذا لم تجد بداً من حذف إحدى الزائدتين فدع التي يصير بها الاسم كالذي في الكلام كشميليلٍ.
وإذا حقَّرت اعلوّاطٌ قلت: عليِّيطٌ، تحذف الألف لما ذكرناه، وتحذف الواو ألأولى لأنها بمنزلة الياء في الاغديدان والنُّون في احرنجامٍ، فالواوٌ المتحرِّكة بمنزلة ماهو من نفس الحرف، لأنَّه ألحق الثلاثة ببناء الأربعة، كما فعل ذلك بواو جدولٍ، ثم زيد عليه كما يزاد على بنات الأربعة.
باب تحقير ماكان في الثلاثة فيه زائدتان
تكون فيه بالخيار في حذف إحداهما تحذف أيَّهما شئت
وذلك نحو: قلنسوةٍ، إن شئت قليسيةٌ، وإن شئت قلت: قلينسة، كما فعلوا ذلك حين كسّروه للجمع، فقال بعضهم: قلانس، وقال بعضهم: قلاسٍ. وهذا قول الخليل.
وكذلك حبنطى، إن شئت حذفت النون فقلت: حبيطٍ، وإن شئت حذفت الألف فقلت: حبينطٌ، وذلك لأنَّهما زائدتان ألحقتا الثلاثة ببناء الخمسة، وكلاهما بمنزلة ماهو من نفس الحرف، فليس واحدةٌ الحذف ألزم لها منه للأخرى، فإنَّما حبنطَّى وأشباهه بمنزلة قلنسوةٍ.
ومن ذلك كوأللٌ. إن شئت حذفت الواو وقلت: كؤيللٌ وكؤيليلٌ، وتقديرها كعيللٌ وكعيليلٌ، وإن شئت حذفت إحدى اللامين فقلت: كويئلٌ وكويئيلٌ، وتقديرها كويعلٌ وكويعيلٌ، لأنَهما زائدتان ألحقتا بسفرجلٍ، وكلّ واحدة منهما بمنزلة ماهو من نفس الحرف.
ومَّما لايكون الحذف ألزم لإحدى زائدتيه منه للأخرى حبارى، إن شئت قلت: حبيرى كما ترى، وإن شئت قلت: حبيّرٌ، وذلك لأنَّ الزائدتين لم تجيئا لتلحقا الثلاثة بالخمسة، وإنَّما الألف الآخرة ألف تأنيث، والأولى كواو عجوزٍ، فلا بدّ من حذف إحداهما، لأنَّك لو كسّرته للجمع لم يكن لك بدٌّ من حذف إحداهما كما فعلت بقلنسوةٍ، فصار ما لم تجيء زائدتاه لتلحقا الثلاثة بالخمسة، بمنزلة ماجاءت زيادتاه لتلحقا الثلاثة بالخمسة، لأنَّهما مستويتان في أنَّهما لم يجيئا ليلحقا شيئاً بشيء كما أنَّ الزيادتين اللتين في حبنطى مستويتان في أنَّهما ألحقتا الثلاثة بالخمسة.
وأمّا أبو عمرو فكان يقول: حبيّرةٌ، ويجعل الهاء بدلاً من الألف التي كانت علامة للتأنيث إذ لم تصل إلى أن تثبت.
وإذا حقَّرت علانيةً أو ثمانيةً أو عفاريةً، فأحسنه أن تقول: عفيريةٌ وعلينيةٌ، وثمينيةٌ، من قبل أنَّ الألف ههنا بمنزلة ألف عذافرٍ وصمادحٍ، وإنَّما مدّ بها الاسم، وليست تلحق بناءً ببناء، والياء لاتكون في آخر الاسم زيادة إلاَّ وهي تلحق بناءً ببناء. ولو حذفت الهاء من ثمانيةٍ وعلانيةٍ لجرت الياء مجرى ياء جواري، وصارت الياء بمنزلة ماهو من نفس الحرف، وصارت الألف كألف جواري، وهي وفيها الهاء بمنزلة جاريةٍ، فأشبههما بالحروف التي هي من نفس الحرف أجدر أن لا تحذف فالياء في آخر الاسم أبداً بمنزلة ما هو من نفس الحرف، لأنها تلحق بناءً ببناءً، فياء عفاريةٍ وقراسيةٍ بمنزلة راء عذافرةٍ، كما أنَّ ياء عفريةٍ بمنزلة عين ضفدعةٍ فإنَّما مددت عفريةً حين قلت عفاريةٌ، كما كأنك أنَّك مددت عذفراً لمّا قلت: عذافرٌ.
وقد قال بعضهم: عفيِّرةٌ وثميّنةٌ، شبَّهها بألف حبارى، إذ كانت زائدة كما أنَّها زائدة وكانت في آخر الاسم، وكذلك صحارى وعذارى وأشباه ذلك.
وإن حقّرت رجلاً اسمه مهارى، أو جلاً أسمه صحارى كان صحير ومهيرٍ أحسن، لأنَّ هذه الألف لم تجيء للتأنيث، إنما أرادوا مهارىُّ وصحارىُ، فحذفوا وابدلوا الألف في مهارى وصحارى، كما قالوا: مدارى ومعايا، فيما هو من نفس الحرف، فإنّما هو من نفس الحرف، فإنّما فعالى كفعالى وفعالل وفعائل. ألا ترى أنَّك لاتجد في الكلام فعالى لشيء واحد.


وإن حقَّرت عفرناةً وعفرنى كنت بالخيار إن شئت قلت: عفيرنٌ وعفيرنةٌ وإن شئت قلت: عفيرٍ وعفيرنةٌ، لأنَّهما زيدتا لتلحقا الثلاثة بالخمسة، كما كان حبنطىً زائدتاه تلحقانه بالخمسة، لأنَّ الألف إذا جاءت منَّونة خامسة أو رابعةً فإنها تلحق بناءً ببناءٍ. وكذلك النون.
ويستدلّ على زيادتي عفرنى بالمعنى. ألا ترى أنَّ معناه عفرٌ وعفريتٌ.
وقال الشاعر:
ولم أجد بالمصر من حاجاتي ... غير عفاريت عفرينات
أمّا العرضنى فليس فيها إلاَّ عريضنٌ، لأنَّ النون ألحقت الثلاثة بالأربعة، وجاءت هذه الألف للتأنيث، فصارت النون بمنزلة ماهو من نفس الحرف، ولم تحذفها وأوجبت الحذف للألف، فصار تحقيرها كتحقير حججبى، لأنَّ النون بمنزلة الراء من قمطرٍ.
وإذا حقَّرت جلاً اسمه قبائل قلت: قبيئل، وإن شئت قلت قبيئيل عوضاُ مّما حذفت، والأف أولى بالطرح من الهمزة، لأنَّها كلمةٌ حيةٌ لم تجيء للمد، وإنَّما هي بمنزلة جيم مساجد وهمزة برائلٍ، وهي في ذلك الموضع والمثال، والألف بمنزلة ألف عذافر، وهذا قول الخليل. وأمَّا يونس فيقول: فبيِّل يحذف الهمزة إذ كانت زائدة، كما حذفوا ياء قراسيةٍ وياء عفاريةٍ.
وقول الخليل أحسن، كما أنَّ عفيريةً أحسن.
وإذا حقَّرت لغَّيزى قلت: لغيغيزٌ تحذف الألف ولاتحذف الياء الرابعة لأنَّك لو حذفتها احتجت أيضاً إلى أن تحذف الألف، فلمَّا اجتمعت زائدتان لو حذفتها احتجت أيضاً إلى أن تحذف الألف، فلمَّا اجتمعت زائدتان إن حذفت إحداهما ثبتت ألأخرى، لأنَّ مايبقى لو كسّرته كان على مثال مفاعيل، وكانت الأخرى إن حذفتها احتجت إلى حذف الأخرى حين حذفت التي إذا حذفتها استغنيت. وكذلك فعلت في أقعنساس، حذفت النون وتركت ألألف، لأنَّك لو حذفت الألف احتجت إلى حذف النون.
فإذا وصلوا إلى أن يكون التحقير صحيحاً بحذف زائدةٍ، لم يجاوزوا حذفها إلى مالو حذفوه لم يستغنوا به كراهية أن يخلّوا بالاسم إذا وصلوا إلى أن لايحذفوا إلاّ واحداً. وكذلك لو كسّرته للجمع لقلت: لغاغيز.
واعلم أن ياء لغَّيزى ليست ياء التحقير، لأنَّ ياء التحقير لاتكون رابعة، إنّما هي بمنزلة ألف خضَّارى، وتحقير خضَّارى كتحقير لغيَّزى.
وإذا حقَّرت عبدَّى قلت: عبيدٌ تحذف ألألف ولاتحذف الدال (الثانية) لأنَّها ليست من حروف الزيادة، وإنَّما ألحقت الثلاثة ببناء ألأربعة، وإنَّما هي بمنزلة جيم عفنججٍ الزائدة. فهذه الدال بمنزلة ما هو من نفس الحرف، فلا يلزم الحذف إلا الألف، كما لم يلزم في قرقرى الحذف إلاَّ الألف.
وإذا حقَّرت بروكاء أو حلولاء قلت: بريكاء وجليلاء، لأنّك لاتحذف هذه الزوائد، لأنَّها بمنزلة الهاء، وهي زائدة من نفس الحرف، كألف التأنيث، فلمَّا لم يجدوا سبيلاً إلى حذفها لأنَّها كالهاء في أن لاتحذف خامسة وكانت من نفس الحرف، صارت بمنزلة كاف مباركٍ وراء عذافرٍ، وصارت الواو كالألف التي تكون في موضع الواو، والياء التي تكون في موضع الواو، إذا كنَّ سواكن، بمنزلة ألف عذافر ومباركٍ، لأنَّ الهمزة تثبت مع الاسم، وليست كهاء التأنيث.
وإذا حقّرت معيوراء ومعلوجاء قلت: معيليجاء ومعييّراء، لاتحذف الواو لأنها ليست كألف مبارك، وهي رابعةٌ. ولو كان كان آخر الاسم ألف التأنيث كانت هي ثابتة لايلزمها الحذف، كما لم يلزم ذلك ياء لغيَّزى وألف خضَّارى التي بعد الضاد، فلمَّا كانت كذلك صارت كقاف قرقرى وفاء خنفساء، لأنَّهما لاتحذف أشباههما من بنات ألأربعة إذا كان في شيء منهنَّ شيئاً ألف التأنيث خامسة لأنهن من أنفس الحروف ولا تحذف منهن فلمَّا كان آخر شيءٍ من بنات الأربعة ألفات التأنيث كان لايحذف منها شيء إذا كانت الألف خامسة، إلاَّ الألف، وصارت الواو بمنزلة ماهو من نفس الحرف في بنات ألأربعة.
ولو جاء في الكلام فعولاء ممدودة لم تحذف الواو، لأنّها تلحق الثلاثة بالأربعة، فهي بمنزلة شيء من نفس الحرف، وذلك حين تظهر الواو فيمن قال: أسيود، فهذه الواو بمنزلة واو أسيود.


ولو كان في الكلام أفعلاء العين منها واوٌ لم تحذفها، فإنَّما هذه الواو كنون عرضنةٍ. ألا ترى أنَّك كنت لاتحذفها لو كان آخر الاسم ألف التأنيث، ولم يكن ليلزمها حذفٌ كما لم يلزم ذلك نون عرضنى لو مددت. ومن قال في أسود: أسيدٌ وفي جدولٍ: جديّلٌ قال في فعولاء إن جاءت فعيلاء يخفّف لأنَّها صارت بمنزلة السواكن، لأنَّها تغيّرها وهي في مواضعها، فلمَّا ساوتها وخرجت إلى بابها صارت مثلهن في الحذف. وهذا قول يونس.
وإذا حقّرت ظريفين غير اسم رجلٍ أو ظريفات أو دجاجات قلت: ظريِّفون وظريِّفاتٌ ودجيِّجاتٌ، من قبل أنَّ الياء والواو والنون لم يكسّر الواحد عليهن كما كسِّر على ألفي جلولاء، ولكنّك إنّما تلحق هذه الزوائد بعد ما تكسّر الاسم في التحقير للجمع، وتخرجهن إذا لم ترد الجمع، كما أنّك إذا قلت: ظريفون فإنّما ألحقته اسماً بعد مافرغ من بنائه. وتخرجهما إذا لم ترد معنى الجمع، كما تفعل ذلك بياءي الإضافة، وكذلك هما، فلمّا كان ذلك شبّهوه بهاء التأنيث. وكذلك التثنية تقول ظريِّفان.
وسألت يونس عن تحقير ثلاثين فقال: ثلثيون ولم يثقل، شبَّهها بواو جلولاء، لأنَّ ثلاثاً لاتستعمل مفردة على حدّ مايفرد ظريفٌ، وإنما ثلاثون بمنزلة عشرين لايفرد ثلاث من ثلاثين كما العشر من عشرين. ولو كانت إنَّما تلحق هذه الزيادة الثلاث التي تستعملها مفردة لكنت إنَّما تعني تسعة، فلمّا كانت هذه الزيادة لاتفارق شبّهت بألفى جلولاء.
ولو سميَّت رجلاً جدارين ثم حقّرته لقلت: جديران ولم تثقِّل، لأنك لست تريد معنى التثنية، وإنَّما هو اسم واحد، كما أنَّك لم ترد بثلاثين أن تضعف الثلاث.
وكذلك لو سمّيته بدجاجاتٍ أو ظريفين أو ظريفاتٍ خفَّفت. فإن سمَّيت رجلاً بدجاجةٍ أو دجاجتين ثقّلت في التحقير، لأنَّه حينئذ بمنزلة دراب جرد، والهاء بمنزلة جرد والاسم بمنزلة دراب، وإنَّما تحقير ماكان من شيئين كتحقير المضاف، فدجاجةٌ كدراب جرد، ودجاجتين كدراب جردين.
باب تحقير ماثبتت زيادته
من بنات الثلاثة في التحقير ذلك نحو: تجفافٍ، وإصليتٍ، ويربوعٍ، فتقول: تجفيفيٌ وأصيليتٌ ويريبيعٌ، لأنَّك لو كسّرتها للجمع ثبتت هذه الزوائد.
ومثل ذلك عفريتٌ وملكوتٌ، تقول: عفيريتٌ، لأنَّك تقول: عفاريتُ، ومليكيتٌ لأنَّك تقول: ملاكيتُ، وكذلك رعشنٌ لأنَّك تقول: رعاشن، ومثل ذلك سنبتةٌ لأنك تقول: سنابت. يدلُّك على زيادتها أنَّك تقول: سنبةٌ كما تقول: عفرٌ، فيدلُّك على عفريت أنَّ تاءه زائدة.
وكذلك قرنوةٌ تقول: قرينيةٌ، لأنَّك لو سّرت قرنوةٍ لقلت: قرانٍ، كما تقول في ترقوةٍ: تراقٍ.
وإذا حقَّرت بردرايا أو حولايا قلت: بريدرٌ وبريديرٌ وحويلىٌّ، لأنَّ هذه ياء ليست حرف تأنيث، وإنَّما هي كياء درحايةٍ، فكأنك إذا حذفت ألفاً إنَّما تحقّر قوباءً وغوغاءً فيمن صرف.
باب مايحذف في التحقير
من زوائد بنات الأربعة لأنها لم تكن لتثبت لو كسّرتها للجمع
وذلك قولك في قمحدوةٍ: قميحدةٌ، كما قلت: قماحد، وسلحفاةٍ سليحفةٌ كما قلت: سلاحف، وفي منجنيقٍ: منجنيقٌ، لأنَّك تقول: مجانيق، وفي عنكبوتٍ: عنيكبٌ، وعنيكيبٌ، لأنَّك تقول: عناكب، وعناكيب، وفي تخربوتٍ: تخيربٌ وتخيريبٌ إن شئت عوضاً. وإن شئت فعلت ذلك بقمحدوةٍ وسلحفاةٍ ونحوهما.
ويدلّك على زيادة التاء والنون كسر الأسماء للجمع وحذفها، وذلك (أنهم لايكسّرون من بنات الخمسة للجمع حتى يحذفوا) لأنَهم لو أرادوا ذلك لم يكن من مثال مفاعل ومفاعيل، فكرهوا أن يحذفوا حرفاً من نفس الحرف ومن ثم لايكسرون بنات الخمسة إلاّ أن تستكرههم فيخلّطوا، لأنَّه ليس من كلامهم، فهذا دليلٌ على الزوائد.
وتقول في عيطموسٍ: عطيميسٌ، كما قالوا: عطاميس ليس إلاّ، لأنها تبقى واوٌ رابعة، إلاَّ أن يضطرّ شاعر، كما قال غيلان:
قد قرّبت ساداتها الرَّوائسا ... والبكرات الفسَّج العطامسا
وكذلك عيضموزٌ عضيميزٌ، لأنَّك لو كسَّرته للجمع لقلت: عضاميز.
وتقول في جحنفلٍ:جحيفل ،وإن شئت جحيفيلٌ كما كنت قائلاً ذلك لو كسَّرته، وإنَّما هذه النون زائدة كواو فدوكس، وهي زائدة في جحفلٍ، لأنَّ المعنى العظم والكثرة.
وكذلك عجنَّسٌ وعدبَّسٌ. وإنَّما ضاعفوا الباء كما ضاعفوا ميم محَّمدٍ. وكذلك قرشبٌّ، وإنَّما ضاعفوا الباء كما ضاعفوا دال معدٍ.


وأمّا كنهورٌ فلا تحذف واوه، لأنَّها رابعة فيما عدَّته خمسة وهي تثبت لو أنَّه كسّر للجمع. وإذا حقّرت عنتريسٌ قلت: عتيريسٌ. وزعم الخليل: أنّ النون زائدة، لأنّ العنتريس الشديد، والعترسة: الأخذ بالشدّة، فاستدلّ بالمعنى.
وإذا حقّرت خنشليلٌ قلت: خنيشيلٌ، تحذف إحدى اللامين لأنَّها زائدة. يدلَّك على ذلك التضعيف.
وأما النون فمن نفس الحرف حتَّى يتبيّن لك، لأنَّها من النونات التي تكون عندك من نفس الحرف، إلاَّ أن يجيء شاهدٌ من لفظة فيه معنّى يدلّك على زيادتها. فلو كانت النون زائدة لكان من الثلاثة، ولكان بمنزلة كوأللٍ.
وكذلك منجنونٌ تقول: منيجينٌ، وهو من الفعل فعيليلٌ.
وإذا حقَّرت الطُّمأنينة أو قشعريرةً قلت: طميئينةٌ وقشيعيرةٌ، تحذف إحدى النونين لأنّها زائدة، فإذا حذفتّها صار على مثال فعيعيلٍ، وصار ممَّا يكون على مثال فعاعيل لو كسِّر.
وإذا حقَّرت قندأوٌ حذفت الواو لأنَّها زائدة كزيادة ألف حبركى، وإن شئت حذفت النون من قندأوْ لأنها زائدة كما فعلت ذلك بكوأللٍ.
وإن حقَّرت بردرايا قلت: بريدرٌ تحذف الزوائد حتَّى يصير على مثال فعيعلٍ. فإن قلت: بريديرٌ عوضاً جاز.
وإن حقَّرت إبراهيم وإسماعيل قلت: بريهم وسميعيل، تحذف الألف، فإذ حذفتها صار مابقي يجيء على مثال فعيعيلٍ.
وإذا حقَّرت مجرفسٌ ومكردسٌ قلت: جريفسٌ وكريدسٌ، وإن شئت عوضت فقلت: جريفيسٌ وكريديسٌ، حذفت الميم لأنَّها زيدت على الأربعة، ولو لم تحذفها لم يكن التحقير على مثال فعيعيلٍ ولا فعيعلٍ، وكانت أولى بالحذف لأنَّها زائدة.
وإذا حقَّرت مقشعرًّا أو مطمئناً حذفت الميم وإحدى النونين حتَّى يصير على مثال ماذكرنا، ولا بَّد لك من أن تحذف الزائدتين جميعاً، لأنّك لو حذفت إحداهما لم يجيء مابقي على مثال فعيعلٍ ولا فعيعيلٍ وإذا حقرت منكروس حذفت الزائدتين لهذه القصة وذلك قولك في مقشعر قشيعر وفي مطمثن طميئن وفي كريدس وإن شئت عوضت فألحقت الياءات حتى يصير على مثال .
وإن حقَّرت خورنق فهو بمنزلة فدوكسٍ، لأنَّ هذه الواو زائدة كواو فدوكسٍ، ولا بدَّ لها من الحذف حتَّى يكون على مثال: فعيعلٍ أو فعيعيلٍ، ولذلك أيضاً حذفت واو فدوكسٍ.
باب تحقير ما أوّله ألف الوصل
وفيه زيادة من بنات الأربعة
وذلك احر نجامٌ، تقول: حريجيمٌ فتحذف أللف، لأنَّ مابعدها لا بدّ من تحريكه، وتحذف النون حتّى يصير مابقي مثل فعيعيلٍ، وذلك قولك: حريجيمٌ.
ومثله الاطمئنان تحذف الألف لما ذكرت لك وإحدى النونين حتى يكون مابقي على مثال فعيعيلٍ.
ومثل ذلك الاسلنقاء، تحذف الألف والنون لما ذكرت لك حتَّى يصير على مثال فعيعيلٍ.
باب تحقير بنات الخمسة
زعم الخليل: أنَّه يقول في سفرجلٍ: سفيرجٌ حتَّى يصير على مثال فعيعلٍ، وإن شئت قلت: سفيريجٌ. وإنَّما تحذف آخر الاسم لأن التحقير يسلم حتى ينتهى إليه ويكون على مثال مايحقَّرون من الأربعة.
ومثل ذلك جردحلٌ تقول: جريدحٌ، وشمردلٌ تقول: شميردٌ، وقبعثرى: قبيعثٌ، وجحمرشٌ: جحيمرٌ. وكذلك تقول في فرزدقٍ فريزدٌٌ. وقد قال بعضهم: فريزقٌ لأنّ الدال تشبه التاء، والتاء من حروف الزيادة والدال من موضعها، فلمّا كانت أقرب الحروف من الآخر كان حذف الدال أحبَّ إليه، إذ أشبهت حرف الزيادة، وصارت عنده بمنزلة الزيادة.
وكذلك خدرنقٌ خديرقٌ فيمن قال: فريزقٌ، ومن قال: فريزدٌ قال: خديرنٌ.
ولايجوز في جحمرشٍ حذف الميم وإن كانت تزاد، لأنَّه لايستنكر أن يكون بعد الميم حرف ينتهى إليه في التحقير كما كان ذلك في جعيفرٍ،وإنما يستنكر أن يجاوز إلى الخامس، فهو لايزال في سهولة حتى يبلغ الخامس ثم يرتدع، فإنَّما حذف الذي ارتدع عنده حيث أشبه حروف الزوائد، لأنَّه منتهى التحقير، وهو الذي يمنع المجاوزة، فهذا قولان، والأَّول أقيس، لأنَّ مايشبه الزوائد ههنا بمنزلة ما لايشبه الزوائد.
واعلم أنَّ كلَّ زائدة لحقت بنات الخمسة تحذفها في التحقير، فإذا صار الاسم خمسةً ليست فيه زيادة أجريته مجرى ماذكرنا من تحقير بنات الخمسة، وذلك قولك في عضر فوطٍ: عضيرفٌ، كأنَّك حقّرت عضرفٌ، وفي قذعميلٍ: قذيعمٌ وقذيعلٌ فيمن قال: فريزيقٌ، كأنَّك حقَّرت قذعلٌ.وكذلك الخزعبيلة (تقول: خريعيبةٌ، ولايجوز خزيعيلةٌ، لأنَّ الباء ليست من حروف الزيادة).


باب تحقير بنات الحرفين
اعلم أنَّ كلّ اسمٍ كان على حرفين فحقّرته رددته إلى أصله حتَّى يصير على مثال فعيلٍ، فتحقير ماكان على حرفين كتحقيره لو لم يذهب منه شيء وكان على ثلاثة، فلو لم تردده لخرج عن مثال التحقير، وصار على أقلّ من مثال فعيلٍ.
باب ماذهبت منه الفاء نحو عدةٍ وزنةٍ، لأنَّهما من وعدت ووزنت، فإنَّما ذهبت الواو وهي فاء فعلت، فإذا حقّرت قلت: وزينةٌ ووعيدةٌ، وكذلك شيةٌ تقول: وشيةٌ لأنَّها من وشيت وإن شئت قلت: أعيدةٌ وأزينةٌ وأشيّةٌ، لأنَّ كلَّ واو تكون مضمومة يجوز لك همزها.
ومما ذهبت فاؤه وكان على حرفين كل وخذ، فإذا سمَّيت رجلاً بكل وخذ قلت: أكيلٌ وأخيذٌ، لأنَّهما من أكلت وأخذت فالألف فاء فعلت.
باب ماذهبت عينه فمن ذلك مذ، يدلّك على أن العين ذهبت منه قولهم: منذ، فإن حقَّرته قلت: منيذٌ.
ومن ذلك أيضاسل، لأنَّه من سألت، فإن حقَّرته قلت: سؤيلٌ، ومن لم يهمز قال: سويلٌ، لأن من يهمز يجعلها من الواو بمنزلة خاف يخاف.
أخبرني يونس: أنَّ الذي لايهمز يقول: سلته فأنا أسال وهو مسولٌ، إذا أراد المفعول.
ومثل ذلك أيضاسهٌ، تقول: ستيهةٌ، فالتاء هي العين، يذُّلك على ذلك قولهم في استٍ: ستيهةٌ، فرددت اللام وهي الهاء والتاي العين بمنزلة نون ابنٍ، يقولون: سهٌ، يريدون الاست، فحذفوا موضع العين، فإذا صغَّرت قلت: ستيهةٌ. ومن قال: استٌ فإنما حذف موضع اللام، وقال:
إنَّ عبيداً هي صئبان السَّه
باب ماذهبت لامه فمن ذلك دمٌ. تقول: دمىٌّ، يدلُّك دماءٌ على أنَّه من الياء أو من الواو.
ومن ذلك أيضاً يدٌ، تقول: يديّةٌ، يدلّك أيدٍ على أنَّه من بنات الياء أو الواو، ودماءٌ وأيدٍ دليلان على أنَّ ماذهب منهما لام.
ومن ذلك أيضاً شفةٌ تقول: شفيهةٌ، يدلّك على أنَّ اللام هاء شفاهٌ. وهي دليلٌ أيضاً على أنَّ ماذهب من شفةٍ اللام، وشافهت.
ومن ذلك حرٌ تقول: حريجٌ، يدلَّك أنَّ الذي ذهب لام، وأنَّ اللام حاءٌ قولهم: أحراجٌ.
ومن قال في سنةٍ: سانيت قال سنيّةٌ، ومن قال: ساتهت قال: سنيَّهةٌ.
ومن العرب من يقول في عضةٍ: عضيهةٌ، يجعلها من العضاه، ومنهم من يقول: عضيّةٌ، يجعلها من عضَّيت كما قالوا: سانيت. ومن ذلك قالوا عضواتٌ، كما قالوا: سنواتٌ.
ومن ذلك: فلُ تقول: فلينٌ. وقولهم: فلانٌ دليلٌ على أن ماذهب لام وأنَّها نون. وفلٌ وفلانٌ معناها واحد. قال (الراجز) أبو النجم:
في لجَّةٍ أمسك فلاناً عن فل.
ولو حقّرت رب مخفَّفة لقلت: ربيبٌ، لأنَّها من التضعيف، يدلّك على ذلك ربَّ الثقيلة.
وكذلك بخ الخفيفة، يدلّك على ذلك قول العجّاج:
في حسبٍ بخٍّ وعزٍّ أقعسا
فردّه إلى أصله حيث اضطرّ، كما ردّ ماكان من بنات الياء إلى اصله حين اضطرّ. قال:
وهي تنوش الحوض نوشاً من علا.
وأظنُّ قط كذلك، لأنَّها يعنى بها انقطاع الأمر أو الشيء، والقطُّ قطعٌ فكأنَّها من التضعيف.
ومن ذلك فمٌ تقول: فويهٌ، يدلّك على أنَّ الذي ذهب لام وأنَّها الهاء قولهم: أفواهٌ، وحذفت الميم ورددت الذي من الأصل، كما فعلت ذلك حين كسَّرته للجمع فقلت: افواهٌ.
ومثله مويهٌ، ردُّوا الهاء كما ردّوا حين قالوا: مياهٌ وأمواهٌ.
ومثل ذلك ذه ذييّة لو كانت امرأة، لأنَّ الهاء بدلٌ من الياء كما كانت الميم في فمٍ بدلاً من الواو. ولو كسّرت ذه للجمع لأذهبت هذه الهاء كما أذهبت ميم فمٍ حين كسَّرته للجمع.
وإذا خفَّفت أنَّ ثم حقَّرتها رددتها إلى التضعيف، كما رددت ربَّ. وتخفيفها قول ألأعشى.
قد علموا ... أن هالكٌ كلّ من يحفى وينتعل
وكذلك إن خففَّت إنَّ، وتخفيفها في قولك: إن زيدٌ لمنطلقٌ، كما تخفّف لكنَّ.
وأمّا إن الجزاء وأن التي تنصب الفعل بمنزلة عن وأشباهها، وكذلك إن التي تلغى في قولك: ما إن يفعل، وإن التي في معنى ما، فتقول في تصغيرها: هذا عنىُّ وأنىُّ. وذلك أن هذه الحروف قد نقصت حرفاً وليس على نقصانها دليلٌ من أيّ الحروف هو، فتحمله على ألأكثر، والأكثر أن يكون النقصان ياءً. ألا ترى أن ابنٌ واسمٌ ويدٌ وماأشبه هذا إنَّما نقصانه الياء.
باب ماذهبت لامه وكان أوله ألفاً موصولة


فمن ذلك اسمٌ وابنٌ، تقول: سمىٌّ وبنىٌّ، حذفت ألف حين حركت الفاء فاستغنيت عنها، وإنما تحتاج إليها في حال السكون.
ويدلّك على أنَّه إنما ذهب من اسمٍ وابنٍ اللام وأنَّها الواو أو الياء قولهم: أسماءٌ وأبناءٌ.
ومن ذلك أيضاً استٌ تقول: ستيهةٌ، يدلّك على ذهاب اللام وأنَّها هاءٌ قولك: أستاهٌ.
باب تحقير ماكانت فيه تاء التأنيث
اعلم أنَّهم يردُّون ماكانت فيه تاء التأنيث إلى ألأصل، كما يردّون ماكانت فيه الهاء، لأنَّهم ألحقوها الاسم للتأنيث، وليس ببدلٍ لازم كياء عيدٍ، وليست كنون رعشنٍ لازمةً،وإنَّما تجمع الاسم الذي هي فيه، كما تجمع مافيه الهاء. وإنَّما ألحقت بعد مابنى الاسم ثم بنى بها بناءً بنات الثلاثة بعد، فلمّا كانت كذلك لم تحتمل أن تثبت مع الحرفين حتَّى تصير معهما في التحقير على مثال فعيلٍ، كما لم يجز ذلك للهاء. فإذا جئت بما ذهب من الحرف حذفتها وجئت بالهاء، لأنَّها العلامة التي تلزم لو كان الحرف على أصله. وإنَّما تكون التاء في كلّ حرفٍ لو كان على أصله كانت علامته الهاء لشبهها بها؛ وذلك قولك في أختٍ: أخيّةٌ، وفي بنتٍ: بنيَّةٌ، وذيتٍ: ذييَّةٌ، وفي هنتٍ: هنيّةٌ. ومن العرب من يقول في هنتٍ هنيهةٌ، وفي هنٍ هنيةٌ، يجعلها بدلاً من الياء (كما جعلوا الهاء بدلاً من الياء في ذه).
ولو سمّيت امرأة بضربت ثم حقَّرت لقلت: ضريبةٌ، تحذف التاء وتجيء بالهاء مكانها؛ وذلك لأنَّك لمَّا حقَّتها جئت بالعلامة التي تكون في الكلام لهذا المثال، وكانت الهاء أولى بها من بين علامات التأنيث لشبهها بها، ألا ترى أنَّها في الوصل تاء، ولأنَّهم لايؤنثون بالتاء شيئاً إلاَّ شيئاً علامته في الأصل الهاء فألحقت في ضربت الهاء حيث حقَّرت، لأنَّه لاتكون علامة ذلك المثال التاء، كما لا تكون علامة مايجيء على اصله من الأسماء التاء. وهذا قول الخليل.
باب تحقير ماحذف منه ولايردّ
في التحقير ماحذف منه من قبل أنَّ مابقي إذا حقِّر يكون على مثال المحقَّر، ولايخرج من أمثلة التحقير.
وليس آخره شيئاً لحق الاسم بعد بنائه كالتاء التي ذكرنا والهاء.
فمن ذلك قولك في ميتٍ: مييتٌ، وإنَّما الأصل ميتٌ، غير أنَّك حذفت العين.
ومن ذلك قولهم في هارٍ: هويرٌ، وإنَّما الأصل هائرٌ، غير أنَّهم حذفوا الهمزة كما حذفوا ياء ميِّتٍ، وكلاهما بدلٌ من العين.
وزعم يونس: أن ناساً يقولون: هويئرٌ على مثال هويعرٍ، فهؤلاء لم يحقّروا هاراً إنَّما حقَّروا هائراً، كما قالوا: رويجلٌ كأنهم حقَّروا راجلاً، كما قالوا أبينون كأنَّهم حقّروا أبنى مثل أعمى.
ومثل ذلك مرٍويرى، قالوا: مرىٌّ ويرىٌّ، كما قلت: هويرٌ ومييتٌ ومن قال هويئرٌ فإنّه لاينبغي له أن يقيس عليه، كما لا يقيس على من قال أبينون وأنيسيانٌ، إلاَّ أن تسمع من العرب شيئاً فتؤدِّيه وتجيء بنظائره مما ليس على القياس.
وأمَّا يونس فحدثني أن ابا عمرٍ وكان يقول في مرٍ: مريءٍ مثل مريعٍ، وفي يرى: يرئيءٍ يهمز ويجر، لأنَّها بمنزلة ياء قاضٍ، فهو ينبغي له أن يقول: مييِّتٌ، وينبغي له أن يقول في ناس: أنيِّسٌ، لأنَّهم إنما حذفوا ألف أناس. (وليس من العرب أحد إلاّ يقول: نويسٌ).
ومثل ذلك رجل يسمى بيضع تقول: يضيع، وإذا حقّرت خيراً منك وشٌّرا منك، قلت: خييرٌ منك، وشريرٌ منك، لاتردّ الزيادة كما لا تردّ ماهو من نفس الحرف.
باب تحقير كل حرف كان فيه بدلٌ
(فإنّك) تحذف ذلك البدل وترد الذي هو من أصل الحرف، إذا حقرته، كما تفعل ذلك إذا كسَّرته للجمع.
فمن ذلك ميزانٌ وميقاتٌ وميعادٌ، تقول: مويزينٌ ومويعيدٌ ومويقيتٌ وإنّما أبدلوا الياء لاستثقالهم هذه الواو بعد الكسرة، فلمَّا ذهب مايستثقلون ردِّ الحرف إلى أصله.
وكذلك فعلوا حين كسَّروا للجمع، قالوا: موازين ومواعيد ومواقيت ومثل ذلك قيلٌ ونحوه، تقول: قويلٌ كما قلت: أقوالٌ. وإنَّما أبدلوا لما ذكرت لك.
فأمَّا عيدٌ فإن تحقيره عييدٌ، لأنَّهم ألزموا هذا البدل، قالوا: أعيادٌ ولم يقولوا: أعوادٌ كما قالوا: أقوالٌ، فصار بمنزلة همزة قائلٍ لأن همزة قائل بدلٌ من واو.


فإن قلت: فقد يقولون ديمٌ فإنَّما فعلوا ذلك كراهية الواو بعد الكسرة، كما قالوا في الثور ثيرةٌ، فلو كسَّروا ديمةً على أفعلٍ أو أفعالٍ لأظهروا الواو، وإنّما أعيادٌ شادٌّ.
وإذا حقّرت الطىّ قلت: طوىٌّ، وإنَّما أبدلت الياء مكان الواو كراهية الواو الساكنة بعدها ياء، ولو كسَّرت الطّىّ على أفعلٍ أو أفعالٍ أظهرت الواو.
ومثل ذلك ريَّان وطيَّان تقول: رويَّان وطويَّان، لأنَّ الواو قد تحركت وذهب ماكانوا يستثقلون، كما ذهب ذلك في ميزان، وهذا البدل لا يلزم كما لا تلزم ياء ميزان، ألا تراهم حيث كسَّروا قالوا: رواءٌ وطواءٌ.
وإذا حقَّرت قىٌّ قلت: قوىٌّ؛ لأنَّه من القواء، يستدلّ على ذلك بالمعنى وممَّا يحذف منه البدل ويردّ الذي من نفس الحرف موقنٌ وموسرٌ، وإنّما أبدلوا الياء كراهية الياء الساكنة بعد الضّمة، كما كرهوا الواو الساكنة بعد الكسرة، فإذا تحرَّكت ذهب ما استثقلوا، وذلك مييقنٌ ومييسرٌ. وليس البدل ههنا لازماً كما يم يكن ذلك في ميزانٍ، ألا ترى أنّك تقول: مياسير.
ومن ذلك أيضاً عطاءٌ وقضاءٌ ورشاءٌ، تقول: عطىٌّ وقضىٌّ ورشىٌ؛ لأنّ هذا البدل لايلزم، ألا ترى أنك تقول: أعطيةٌ وأرشيةٌ وأقضيةٌ.
وكذلك جميع الممدود لايكون البدل الذي في آخره لازماً أبداً.
وكذلك إذا حقَّرت الصِّلاء تقول: صلىٌّ؛ لأنَّك لو كسَّرته للجمع رددت الياء، وكذلك صلاءةٌ لو كسّرتها رددت الياء.
وأمّا ألاءةٌ وأشاءةٌ فأليئةٌ واشيئةٌ؛ لأن هذه الهمزة ليست مبدلة. ولو كانت كذلك الكان الحرف خليقاً أن تكون فيه الايةٌ كما كانت في عباءةٍ عبايةٌ، وصلاءةٍ صلايةٌ، وسحاءة سحايةٌ، فليس له شاهدٌ من الياء والواو، فإذا لم يكن كذلك فهو عندهم مهموز ولاتخرجها إلاَّ بأمرٍ واضح، وكذلك قول العرب ويونس.
ومن ذلك منسأةٌ تقول: منيسئةٌ؛ لأنّها من نسأت، ولأنهم لايثبتون هذه الألف التي هي بدل من الهمزة كما لا يلزمون الهمزة التي هي بدلٌ من الياء والواو. ألا ترى أنَّك إذا كسَّرته للجمع قلت: مناسىء.
وكذلك البريَّة تهمزها. فأمّا النّبيِّ فإنَّ العرب قد اختلفت فيه، فمن قال النَّبآء قال: كان مسيلمة نبيِّىء سوءٍ، وتقديرها تبيِّعٌ، وقال العباس ابن مراداسٍ.
ياخاتم النبّآء إنك مرسلٌ ... بالحقّ كلُّ هدى السَّبيل هداكما
ذا القياس، لأنه مّما لايلزم. ومن قال: أنبياء قال: نبىُّ سوءٍ كما قال في عيدٍ حين قالوا أعيادٌ: عييدٌ، وذلك لأنهم ألزموا الياء؛ وأمّذا النُّبوَّة فلو حقّرتها لهمزت؛ وذلك قولك: كان مسيلمة نبوَّته نبيِّة سوءٍ؛ لأنّ تكسير النبَّوَّة على القياس عندنا؛ لأنّ هذا الباب لايلزمه البدل، وليس من العرب أحد إلاّ وهو يقول: تنبّأ مسيلمة؛ وإنما هو من أنبأت.
وأمّا الشَّاء فإنّ العرب تقول فيه: شوىٌّ، وفي شاةٍ: شويهةٌ، والقول فيه: أنَّ شاءً من بنات الياءات أو الواوات التي لاتكون لاماتٍ، وشاةً من بنات الواوات التي تكون عينات ولامها هاء، كما كانت سواسيةٌ ليس من لفظ سىٍّ، كما كانت شاءٌ من بنات الياءات التي هي لامات وشاةٌ من بنات الواوات التي هنّ عينات، والدليل على ذلك هذا شوىٌّ، وإنما ذا كامرأةٍ ونسوةٍ؛ والنِّسوة ليست من لفظ إمرأة؛ ومثله رجلٌ ونفرٌ.
ومن ذلك ايضاً قيراطٌ ودينارٌ. تقول: قريريطٌ ودنينيرٌ، لأنَّ الياء بدلٌ من الراء والنون فلم تلزم. إلا تراهم قالوا: دنانير وقراريط. وكذلك الدّيباج فيمنقال: دبابيج، والدّيماس فيمن قال: دماميس. وأمّا من قال دياميس وديابيج فهي عنده بمنزلة واو جلواخٍ وياءٍ جريالٍ، وليست ببدل. وجميع ماذكرناه قول يونس والخليل.
وسألت يونس عن بريةٍ فقال: هي من برأت، وتحقيرها بالهمز كما أنَّك لو كسّرت صلاءةً رددت الياء فقلت: اصليةٌ.
فهذه الياء لاتلزم في هذا الباب كما لا تلزم الهمزة في بنات الياء و الواو التي هنَّ لامات.
ولو سمَّيت رجلاً ذوائب قلت: ذؤيئبٌ؛ لأنَّ الواو بدلٌ من الهمزة التي في ذؤابةٍ.
باب تحقير ماكانت الألف بدلاً من عينه.


إن كانت بدلاً من واو ثم حقَّرته رددت الواو. وإن كانت بدلاً من ياء رددت الياء، كما أنَّك لو كسَّرته رددت الواو إن كانت عينه واواً، والياء إن كانت عينه ياء، وذلك قولك في بابٍ: بويبٌ كما تقول: ابوابٌ ونابٍ نييبٌ كما تقول: أنياب وأنيبٌ. فإن حقَّرت ناب الإبل فكذلك، لأنَّك تقول: أنيابٌ.
ولو حقَّرت رجلاً اسمه سار أو غاب لقلت: غييبٌ وسييرٌ، لأنَّهما من الياء، ولو حقَّرت السار وأنت تريد السّائر لقلت: سويرٌ، لأنها ألف فاعل الزائدة.
وسألت الخليل عن خاف والمال في التحقير فقال: خافٍ يصلح أن يكون فاعلا ذهبت عينه وأن يكون فعلاً، فعلى أيّهما حملته لم يكن إلاّ بالواو وإنَّما جاز فيه فعلٌ لأنه من فعلت أفعل، وأخاف دليلُ على أنها فعلت، كما قالوا: فزعت تفزع. وأما مالٌ فإنّه فعلٌ، لأنهم لم يقولوا: مائلٌ، ونظائره في الكلام كثيرة فاحمله على أسهل الوجهين.
وإن جاء اسم نحو الناب لاتدري أمن الياء هو أم من الواو فاحمله على الواو حتَّى يتبين لك أنها من الياء؛ لأنها مبدلةٌ من الواو أكثر، فاحمله على الأكثر حتَّى يتبين لك. ومن العرب من يقول في نابٍ: نويبٌ، فيجيء بالواو؛ لأنَّ هذه أللف مبدلة من الواو أكثر، وهو غلطٌ منهم.
وأخبرني من أثق به أنه يقول: مال الرجل، وقد ملت بعدنا فأنت تمال، ورجل مالٌ، إذا كثر ماله، وصوف الكبش إذا كثر صوفه، وكبشٌ أصوف. هذه الكثيرة. وكبشٌ صافٌ، ونعجةٌ صافةٌ.
باب تحقير الأسماء التي تثبت الأبدال البدالٌ فيها وتلزمها وذلك إذا كانت أبدالاً من الواوات والياءات التي هي عيناتٌ.
فمن ذلك قائلٌ وقائمٌ وبائعٌ، تقول: قويئمٌ وبويئعٌ. فليست هذه العينات بمنزلة التي هنّ لامات، لو كانت مثلهن لما أبدلوا، لأنهم لايبدلون من تلك (اللامات) إذا لم تكن منتهى الاسم وآخره. ألا تراهم يقولون: شقاوةٌ وغباوةٌ، فهذه الهمزة بمنزلة همزة ثائرٍ وشاءٍٍ من شاوت. ألا ترى أنك إذا كسّرت هذا الاسم للجمع ثبتت فيه الهمزة، تقول: قوائم وبوائع وقوائل. وكذلك تثبت في التصغير.
ومن ذلك ايضاً أدؤرٌ ونحوها، لأنك أبدلت منها كما أبدلت من واو قائمٍ، وليست منتهى الاسم، ولو كسَّرتها للجمع لثبتت، خلافاً لباب عطاءٍ وقضاءٍ وأشباههما إذ كانت تخرج ياءاتهن وواواتهن إذا لم يكنَّ منتهى الاسم. فلما كانت هذه تبدل وليست منتهى الاسم كانت الهمزة فيها أقوى.
وكذلك أوائل اسم رجل؛ لأنَّك أبدلت الهمزة منها كما ابدلتها في أدؤرٍ وهي عينٌ مثل واو أدؤرٍ؛ لأنَّ أوائل لو كانت على أفاعل (وكان مما يجمع) لكان في التكسير تلزمه الهمزة، فإنَّما هو بمنزلته لو كان أفاعلاً، وقويت فيه الهمزة إذا لم تكن منتهى الاسم.
وكذلك النَّؤور والسُّؤور واشباه ذلك، لأنَّها همزات لازمه لو كسَّرت للجمع الأسماء لقوّتهن حيث كنّ بدلا من معتّل ليس بمنتهى الاسم، فلمّا لم يكنَّ منتهى أجرين مجرى الهمزة التي من نفس الحرف.
وكذلك فعائل؛ لأن علّته كعلة قائلٍ، وهي همزة ليست بمنتهى الاسم، ولو كانت في فعائل ثم كسّرته للجمع لتثبت. وجميع ماذكرت لك قول الخليل ويونس.
ومن ذلك أيضاً تاء تخمةٍ، وتاء تراثٍ، وتاء تدعةٍ، يثبتن في التصغير كما يثبتن لو كسّرت الأسماء للجمع، ولأنَّهن بمنزلة الهمزة التي تبدل من الواو نحو ألف أرقةٍ، إنَّما هي بدلٌ من واو ورقةٍ، ونحو ألف أددٍ إنّما هي بدلٌ من واو وددٍ، وإنما أددٌ من الود، وإنَّما هو اسمٌ، يقال: معدُّ ابن عدنان بن أددٍ. والعرب تصرف أددًا ولايتكلمون به بالألف واللام، جعلوه بمنزلة ثقبٍ ولم يجعلوه مثل عمر.
والعرب تقول: تميم بن ودٍ وأدٍ، يقالان جميعاً، فكذلك هذه التاءات، إنّما هي بدلٌ من واو وخامة وورثت وودعت، فإنما هذه التاءات كهذه الهمزات.
وهذه الهمزات لايتغيّرون في التحقير كما لا يتغير همزة قائلٍ؛ لأنَّها قويت حيث كانت في أوّذذل الكلمة ولم تكن منتهى الاسم، فصارت بمنزلة الهمزة من نفس الحرف نحو همزة أجلٍ وأبدٍ، فهذه الهمزة تجري مجرى أدؤرٍ.


ومن ذلك ايضاً: متلجٌ ومتهمٌ ومتخمٌ، تقول في تحقير متَّلجٍ: متيلجٌ ومتيهمٌ ومتيخمٌ، تحذف التاء التي دخلت لمفتعلٍ وتدع التي هي بدلٌ من الواو، لأن هذه التاء أبدلت هاهنا، كما ابدلت حيث كانت أوّل الاسم، وابدلت هاهنا من الواو كما أبدلت في أرقةٍ وأوؤرٍ الهمزة من الواو، وليست بمنزلة واو موقنٍ ولاياء ميزانٍ، لأنهما إنَّما تبعتا ماقبلهما. ألا ترى أنَّهما يذهبان إذا لم تكن قبل الياء كسرة ولاقبل الواو ضمة، تقول: أيقن وأوعد.
وهذه لم تحدث لأنَّها تبعت ماقبلها، ولكنها بمنزلة الهمزة في أدؤرٍ وفي أرقةٍ. ألا ترى أنها تثبت في التصرّف، تقول: اتَّهم ويتَّهم، ويتَّخم، ويتَّلج واتَّلجت واتّلج واتَّخم: فهذه التاء قوية. ألا تراها دخلت في التقّوى والتقَّية فلزمت فقالوا: اتَّقى منه، وقالوا: التُّقاة، فجرت مجرى ما هو من نفس الحرف.
وقالوا في التُّكأة: أتكأته، وهما يتكئان، جاءوا بالفعل على التُّكاة. أخبرني من أثق به أنَّهم يقولون: ضربته حتى أتكأته أي (حتَّى) اضجعته على جنبه الأيسر.
فأمَّا ياء قيلٍ وياء ميزانٍ فلا يقويان لأنَّ البدل فيهما لما قبلهما.
ومثل ذلك متعدٌ ومتَّزنٌ، لاتحذف التاء كما لاتحذف همزة أدؤرٍ. وإنَّما جاءوا بها كراهية الواو والضمّة التي قبلها، كما كرهوا واو أدورٍ والضمة. وإن شئت قلت: موتعدٌ وموتزنٌ، كما تقول: أدورٌ ولاتهمز.
هذا باب تحقير ماكان فيه قلب
اعلم أنَّ كلّ ما كان فيه قلبٌ لايردّ إلى الأصل؛ وذلك لأنَّه اسم بنى على ذلك كما بنى ماذكرناه على التاء، وكما ينى قائلٌ على أن يبدل من الواو الهمزة، وليس شيئاً تبع ماقبله كواو موقنٍ وياء قيلٍ، ولكن الاسم يثبت على القلب في التحقير، كما تثبت الهمزة في أدؤرٍ إذا حقّرت، وفي قائل. وإنَّما قلبوا كراهية الواو والياء، كما همزوا كراهية الواو والياء. فمن ذلك قول العجّاج:
لاثٍ به الأشاء والعبرىُّ
إنما أراد لائثٌ، ولكنه أخرّالواو وقدم الثاء. وقال طريف بن تميم العنبريٌّ:
فتعرّفوني أنّني أنا ذاكم ... شاكٍ سلاحي في الحوادث معلم
إنَّما يريد الشائك فقلب. ومثل ذلك أينق إنَّما هو أنوق في الأصل، فأبدلوا الياء مكان الواو وقلبوا، فإذا حقّرت قلت: لويثٍ وشويكٍ وأيينق. وكذلك لو كسّرت للجمع لقلت: لواثٍ وشواكٍ كما قالوا: أيانق.
وكذلك مطمئنٌّ، إنّما هي من طأمنت فقلبوا الهمزة.
ومثل ذلك القيسيُّ، إنّما هي في الأصل القووس، فقلبوا كما قلبوا أينق.
ومثل ذلك قولهم: أكره مسائيك، إنَّما جمعت المساءة ثم قلبت. وكذلك زعم الخليل. ومثله قول الشاعر، وهو كعب بن مالك:
لقد لقيت قريظة ماسآها ... وحلَّ بدارهم ذلٌّ ذليل
ومثل ذلك قد راءه يريد قد رآه. قال الشاعر، وهو كثير عزَّة:
وكلُّ خليل راءني فهو قائل ... من أجلك: هذا هامة اليوم أو غد
وإنما اراد ساءها ورآني ولكنَّه قلب. وإن شئت قلت: راءني، إنما أبدلت همزتها الفا وأبدلت الياء بعد، كما قال بعض العرب: راءة في رايةٍ، حدثنا بذلك أبو الخطّاب.
ومثل الألف التي أبدلت من الهمزة قول الشاعر، وهو حسّان بن ثابت:
سألت هذيل رسول الله فاحشةّ ... ضلّت هذيل بما جاءت ولم تصب
باب تحقير كلّ اسم كانت عينه واواً
وكانت العين ثانية أو ثالثة أمّا ما كانت العين فيه ثانية فواوه لا تتغيّر في التحقير، لأنَّها متحرّكة فلا تبدل ياءً لكينونة ياء التصغير بعدها . وذلك قولك في لوزة: لويزة، وفي جوزة: جويزة، وفي قولةٍ: قويلة.
وأمّا ما كانت العين فيه ثالثة مما عينه واو فإنَّ واوه تبدل ياءً في التحقير، وهو الوجه الجيّد؛ لأنَّ الياء الساكنة تبدل الواو التي تكون بعدها ياءً.
فمن ذلك ميّت وشيّد، وقيام وثيُّوم، وإنَّما الأصل ميوت وسيود وقيوام وقيووم.
وذلك قولك في أسود: أسيّد، وفي أعور أعير، وفي مرودٍ: مرّيد، وفي أحوى: أحيُّ، وفي مهوىً: مهىٌّ، وفي أرويَّة: أريّة، وفي مرويّة مرية.
واعلم أنَّ من العرب من يظهر الواو في جميع ما ذكرنا، وهو أبعد الوجهين، يدعها على حالها قبل أن تحقَّر.


واعلم أنَّ من قال: أسيود فإنّه لا يقول في مقامٍ ومقالٍ: مقيوم ومقيول، لأنَّها لو ظهرت كان الوجه أن لا تترك، فإذا لم تظهر لم تظهر في التحقير وكان أبعد لها، إذ كان الوجه في التحقير إذا كانت ظاهرة أن تغيَّر، لو جاز ذلك لجاز في سيِّد سييود وأشباهه.
واعلم أنَّ أشياء تكون الواو فيها ثالثة وتكون زيادةً، فيجوز فيها ماجاز في أسود. وذلك نحو جدولٍ وقسورٍ، تقول: جديولٌ وقسيورٌ كما قلت: أسيود وأريويةٌ؛ وذلك لأنَّ هذه الواو حيّةٌ، وإنّما ألحقت الثلاثة بالأربعة. ألا ترى أنَّك إذا كسَّرت هذا النحو للجمع ثبتت الواو كما تثبت في أسود حين قالوا: أساود، وفي مرودٍ حين قالوا: مراود. وكذلك جداول وقساور. وقال الفرزدق:
إلى هادراتٍ صعاب الرُّؤس ... قساور للقسور الأصيد
واعلم أنَّ الواو إذا كانت لاماً لم يجز فيها الثبات في التحقير على قول من قال: أسيود، وذلك قولك في غزوةٍ: غزيةٌ، وفي رضوى: رضيَّا، وفي عشواء عشيَّاء. فهذه الواو لاتثبت كما لا تثبت في فعيل، ولو جاز هذا لجاز في غزوٍ غزيوٌ، وهاء التأنيث ههنا بمنزلتها لو لم تكن، فهذه الواو التي هي آخر الاسم ضعيفة. وسترى ذلك، ونبيِّن لك إن شاء الله تعالى ذكره في بابه.
والوو التي هي عين أقوى، فلمَّا كان الوجه في الأقوى أن تبدل ياءً لم تحتمل هذه أن تثبت، كما لم يحتمل مقالٌ مقيولٌ.
وأمّا واو عجوزٍ وجزورٍ فإنَّها لاتثبت أبداً، وإنما هي مدّة تبعت الضمّة، ولم تجيء لتلحق بناءً ببناء. ألا ترى أنَّها لاتثبت في الجمع إذا قلت عجائز، فإذا كان الوجه فيما يثبت في الجمع أن يبدل. فهذه الميّتة التي لاتثبت في الجمع لايجوز فيها أن تثبت.
وأمَّا معاوية فإنه يجوز فيها ماجاز في أسود؛ لأن الواو من نفس الحرف، وأصلها التحريك، وهي تثبت في الجمع، ألا ترى أنَّك تقول: معاوٍ. وعجوزٌ ليست كذلك، وليست كجدول ولاقسور. ألا ترى أنَّك لو جئت بالفعل عليها لقلت: جدولت وقسورت. وهذا لايكون في مثل عجوزٍ.
؟ هذا باب تحقير بنات الياء والواو اللاتي لاماتهن ياءات وواوات اعلم أنَّ كل شيء منها كان على ثلاثة أحرف فإنّ تحقيره يكون على مثال فعيلٍ، ويجري على وجوه العربية، لأنَّ كلّ ياء أو واوٍ كانت لاما وكان قبلها حرف ساكن جرى مجرى غير المعتلّ، وتكون ياء التصغير مدغمة لأنَّهما حرفان من موضع والأوّل منهما ساكن. وذلك قولك في قفاً: قفىٌّ، وفي فتىً فتىٌّ، وفي جروٍ: جرىٌّ، وفي ظبيٍ: ظبيٌّ.
واعلم أنَّه إذا كان بعد ياء التصغير ياءان حذفت التي هي آخر الحروف، ويصير الحرف على مثال فعيلٍ، ويجري على وجوه العربية. وذلك قولك في عطاءٍ: عطىٌّ، وقضاءٍ: قضىٌّ، وسقايةٍ سقيّةٌ، وإداوةٍ أديّةٌ، وفي شاويةٍ شويّة، وفي غاوٍ: غوىٌّ. إلاَّ أن تقول: شويويةٌ وغويوٍ، في من قال: أسيود؛ وذلك لأنّ هذه اللام إذا كانت بعد كسرة اعتلّت، واستثقلت إذا كانت بعد كسرة في غير المعتلّ، فلمَّا كانت بعد كسرة في ياء قبل تلك الياء ياء التحقير ازدادوا لها استثقالاً فحذفوها. وكذلك أحوى إلاَّ في قول من قال: أسيود. ولاتصرفه لأنَّ الزيادة ثابتة في أوّله، ولايلتفت إلى ماقلَّته كما لا يلتفت إلى قلّة يضع.
وأمّا عيسى فكان يقول: أحىٌّ ويصرف وهو خطأ. لو جاز ذا لصرفت أصمَّ لأنَّه أخّف من أحمر، وصرفت أرأس إذا سمّيت به ولم تهمز فقلت: أرس.
وأمّا ابو عمرٍ فكان يقول: أحّىٍ. ولو جاز لقلت في عطاءٍ: عطىّ لأنَّها ياء كهذه الياء، وهي بعد ياء مكسورة، ولقلت في سقايةٍ: سقيِّية وشاو: شوٍى.
وأمّا يونس فقوله: هذا أحىُّ كما ترى، وهو القياس والصواب.
واعلم أن كلّ واو وياء أبدل الألف مكانها ولم يكن الحرف الذي الألف بعده واوا ولاياءً، فإنها ترجع ياءً وتحذف ألألف، لأنَّ مابعد ياء التصغير مكسوراً أبداً؛ فإذا كسروا الذي بعده الألف لم يكن للألف ثبات مع الكسرة. وليست بألف تأنيث فتثبت ولاتكسر الذي قبلها. وذلك قولك في أعمى: أعيمٍ، وفي ملهًى: مليهٍ كما ترى، وفي أعشى: أعيشٍ كما ترى وفي مثنىًّ: مثنينٍ كما ترى، إلاََّّ أن تقول: مثينيٌّ في قول من قال محيميدٌ.


وإذا كانت الواو والياء خامسة وكان قبلها حرف لين فإنَّها بمنزلتها إذا كانت ياء التصغير تليها فيما كان على مثال فعيلٍ لأنَّها تصير بعد الياء الساكنة، وذلك في قولك في مغزٍو: مغيزىٌّ، وفي مرمىٍ: مريميٌّ، وفي سقاءٍ: سقيقيٌّ.
وإذا حقّرت مطايا اسم رجل قلت: مطىٌّ، والمحذوف الألف التي بعد الطاء، كما فعلت ذلك بقبائل، كأنَّك حقَّرت مطياً. ومن حذف الهمزة في قبائل فإنّه ينبغي له أن يحذف الياء التي بين الألفين، فيصير كأنه حقر مطاءً. وفي كلا القولين يكون على مثال فعيلٍ؛ لأنَّك لو حقّرت مطاءً لكان على مثال فعيلٍ، ولو جقَّرت مطياً لكان كذلك.
وكذلك خطايا اسم رجل، إلاّ أنّك تهمز آخر الاسم، لأنَّه بدلٌ من همزته، فقول: خطيءٍ فتحذفه وتردُّ الهمزة، كما فعلت ذلك بألف منساةٍ.
ولاسبيل إلى أن تقول: مطيءٍ، لأن ياء فعيلٍ لاتهمز بعد ياء التصغير، وإنّما تهمز بعد الألف إذا كسّرته للجمع، فإذا لم تهمز بعد تلك الألف فهي بعد ياء التصغير أجدر أن لاتهمز، وإنما انتهت ياء التحقير إليها وهي بمنزلتها قبل أن تكون بعد الألف. ومع ذا إنَّك لو قلت فعائلٌ من المطىّ لقلت مطاءٍ، ولو كسّرته للجمع لقلت: مطايا، فهذا بدلٌ أيضاً لازم.
وتحقير فعائلٍ كفعائل من بنات الياء والواو ومن غيرهما سواءٌ. وهو قول يونس، لأنَّهم كأنهم مدُّوا فعالٌ أو فعولٌ أو فعيلٌ بالألف، كما مدّوا عذافرٌ. والدليل على ذلك أنّك لاتجد فعائل إلاّ مهموزاً، فهمزة فعائلٍ بمنزلتها في فعائل، وياء مطايا بمنزلتها لو كانت في فعائلٍ، وليست همزةً من نفس الحرف فيفعل بها مايفعل بما هو من نفس الحرف، إنَّما هي همزةٌ تبدل من واو أو ياء أو ألفٍ، من شيء لايهمز أبداً إلاَّ بعد ألف، كما يفعل ذلك بواو قائلٍ، فلمَّا صارت بعدها فلم تهمز صارت في أنَّها لاتهمز بمنزلتها قبل أن تكون بعدها، ولم تكن الهمزة بدلاً من شيءٍ من نفس الحرف، ولا من نفس الحرف، فلم تهمز في التحقير، هذا مع لزوم البدل يقوّى وهو قول يونس والخليل.
وإذا حقّرت رجلاً اسمه شهاوى قلت: شهيٌّ، كأنك حقرت شهوى كما أنك حين حقرت صحارى قلت: صحيرٍ، ومن قال: صحيرٌ قال شهيٌّ أيضاً كأنه حقَّر شهاوٌ، ففي كلا القولين يكون على مثال فعيلٍ.
وإذا حقرت عدوىٌّ اسم رجل أو صفة قلت: عدييٌّ (أربع ياءات) لابدَّ من ذا. ومن قال: عدوىٌّ فقد أطأ وترك المعنى، لأنه لا يريد أن يضيف إلى عدىٍّ محقّراً، إنّما يريد أن يحقّر المضاف إليه، فلا بدّ من ذا. ولايجوز عديويٌّ في قول من قال: أسيود، لأنَّ ياء الإضافة بمنزلة الهاء في غزوةٍ، فصارت الواو في عدويٍّ آخرة كما أنَّها في غزوةٍ آخرة، فلمَّا لم يجز غزيوةٌ كذلك لم يجز عديويٌّ.
وإذا حقَّرت أمويٌّ قلت: أميِّيٌّ كما قلت في عدوىٍ، لأنَّ أمويّ ليس بناؤه بناء المحقَّر، إنَّما بناؤه بناء فعلىٍّ، فإذا أردت أن تحقِّر الأمويّ لم يكن من ياء التصغير بدٌّ، كما أنَّك لو حقَّرت الثقفيَّ لقلت: الثقيفيُّ، فإنما أمويٌّ بمنزلة ثقفيٍّ، أخرج من بناء التحقير كما أخرج ثقيفٌ إلى فعلىٍّ.
ولو قلت ذا لقلت إذا حقرت رجلاً يضاف إلى سليمٍ سلمىٌّ فيكون التحقير بلا ياء التحقير.
وإذا حقّرت ملهوىٌّ قلت: مليهىٌّ تصير الواو ياءً لكسره الهاء. وكذلك إذا حقَّرت حبلوىٌّ؛ لأنك كسرت اللام فصارت ياءً ولم تصر وواً فكأنَّك أضفت إلى حبيلى، لأنك حقّرت. وهي بمنزلة واو ملهوىٍّ وتغيّرت عن حال علامة التأنيث كما تغيَّر عن حال علامة التأنيث حين قلت حبالى، فصارت بمنزلة ياء صحارى؛ فإذا قلت حبلوىٌّ فهو بمنزلة ألف معزى فإذا تغير إلى ياء كما تغيرت واو ملهوي، لأنّك لم ترد أن تحقِّر حبلى ثم تضيف إليه.
؟ هذا باب تحقير كلّ اسم كان من شيئين ضمَّ أحدهما إلى الآخر فجعلا بمنزلة اسم واحد زعم الخليل أنّ التحقير إنما يكون في الصَّدر؛ لأن الصّدر عندهم بمنزلة المضاف والآخر بمنزلة المضاف إليه؛ إذ كانا شيئين. وذلك قولك في حضرموت: حضيرموت. وبعلبَّ: بعيلبكُّ، وخمسة عشر: خميسة عشر. وكذلك جميع ماأشبه هذا، كأنك حقّرت عبد عمروٍ وطلحة زيدٍ.


وأمَّا اثنا عشر فتقول في تحقيره: ثنيَّا عشر، فعشر بمنزلة نو اثنين، فكأنك حقّرت اثنين، لأنّ حرف الإعراب الألف والياء، فصارت عشر في اثني بمنزلة النون، كما صار موت في حضر موت بمنزلة ريسٍ في عنتريسٍ.
؟؟؟؟؟؟هذا باب الترخيم في التصغير
اعلم أنَّ كل شيء زيد في بنات الثلاثة فهو يجوز لك أن يحذفه في الترخيم، حتَّى تصير الكلمة على ثلاثة أحرف لأنها زائدة فيها، وتكون على مثال فعيلٍ، وذلك قولك في حارثٍ: حريثٌ، وفي أسود: سويدٌ، وفي غلاب: غليبة.
وزعم الخليل أنه يجوز أيضاً في ضفنددٍ: ضفيدٌ، وفي خفييدٍٍ: خفيدٌ، وفي مقعنس: قعيسٌ. وكذلك كلَّ شيء كان أصله الثلاثة.
وبنات الأربعة في الترخيم بمنزلة بنات الثلاثة تحذف الزوائد حتّى يصير الحرف على أربعة لا زائدة فيه، ويكون على مثال فعيعلٍ، لأنه ليس فيه زيادة وزعم أنه سمع في إبراهيم وإسماعيل: بريةٌ وسميعٌ.
باب ماجرى في الكلام مصغَّراً وترك تكبيره
لأنّه عندهم مستصغر فاستغنى بتصغيره عن تكبيره وذلك قولهم: جميلٌ وكعيتٌ، وهو البلبل. وقالوا: كعتانٌ وجملانٌ فجاءوا به على التكبير. ولو جاءوا به وهم يريدون أن يجمعوا المحقّر لقالوا: جميلاتٌ. فليس شيء يراد به التصغير إلاّ وفيه ياء التصغير.
وسألت الخليل عن كيت فقال: هو بمنزلة جميلٍ؛ وإنما هي حمرةٌ مخالطها سوادٌ ولم يخلص؛ فإنَّما حقّروها لأنَّها بين السواد والحمرة ولم يخلص أن يقال اسود ولا أحمر وهو منهما قريب، وإنَّما هو كقولك: هو دوين ذلك.
وأمّا سكيتٌ فهو ترخيم سكيَّتٍ. والسُّكّيت: الذي يجيء آخر الخيل.
باب مايحقر لدنوّه من الشيء
وليس مثله.وذلك قولك: هو أصيغر منك، وإنَّما أردت أن تقلل الذي بينهما ومن ذلك قولك هو دوين ذاك، وهو فويق ذاك. ومن ذا أن تقول أسيِّد، أي قد قارب السّواد.
وأمّا قول العرب: هو مثيل هذا وأميثال هذا، فإنَّما هذا، فإنَّما أرادوا أن يخبروا أن المشبَّه حقيرٌ، كما أن المشبّه به حقيرٌ.
وسألأت الخليل عن قول العرب: ما أميلحه. فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس، لأنَّ الفعل لايحقَّر، وإنّما تحقَّر الأسماء لأنها توصف بما يعظم ويهون،والأفعال لاتوصف، فكرهوا أن تكون الأفعال كالأسماء لمخالفتها إيّاها في أشياء كثيرة، ولكنهم حقّروا هذا اللفظ وإنّما يعنون الذي تصفه بالملح، كأنَّك قلت: مليِّحٌ، شبّهوه بالشيء الذي تلفظ به وأنت تعني شيئاً آخر نحو قولك: يطؤهم الطريق، وصيد عليه يومان. ونحو هذا كثير في الكلام.
وليس شيء من لفعل ولا شيءٌ مما سمِّى به الفعل يحقّر إلاّ هذا وحده وماأشبهه من قولك: ما أفعله.
واعلم أنّ علامات الإضمار لا يحقَّرون، من قبل أنها لا تقوى قوّة المظهرة ولاتمكن تمكنُّها، فصارت بمنزلة لا ولو وأشباههما. فهذه لا تحقَّر لأنها ليست أسماء، وإنما هي بمنزلة ألأفعال التي لا تحقَّر.
فمن علامات الإضمار وأنا ونحن، ولو حقرتهنَّ لحقّرت الكاف التي في بك والهاء التي في به وأشباه هذا.
ولا يحقّر أين ولا متى، ولا كيف؛ ولا حيث ونحوهنَّ، من قبل أنّ أين ومتى وحيث ليس فيها ما في فوق ودون وتحت، حين قلت: فويق ذاك ودوين ذاك، وتحيت ذاك، وليست أسماء تمكَّن فتدخل فيها الألف واللام ويوصفن، وإنَّما لهنَّ مواضع لا يجاوزنها فصرن بمنزلة علامات الإضمار.
وكذلك من وما وأيهم، إنَّما هنَّ بمنزلة أين لا تمكَّن الأسماء التامَّة نحو زيدٍ ورجلٍ. وهنَّ حروف استفهام كم أنَّ أين حرف استفهام، فصرن بمنزلة هل في أنهنَّ لا يحقرن.
ولا نحقّر غير، لأنَّها ليست منزلة مثل، وليس كلّ شيء يكون غير الحقير عندك يكون محقَّراً مثله، كما لا يكون كلُّ شيء مثل الحقير حقيراً، وإنّما معنى مررت برجلٍ غيرك معنى مررت برجلٍ ليس بك وسواك لا يحقر لأنه ليس اسماً متمكناً وإنما هو كقولك مررت برجل ليس بك، فكما قبح تحقير ليس قبح تحقير سوى.
وغير أيضاً ليس باسم متمكَّن. ألا ترى أنَّها لا تكون إلاَّ نكرة، ولا تجمع، ولا تدخلها الألف واللام.
وكذلك حسبك لا يحقَّر كما لا يحقَّر غير، وإنَّما هو كقولك: كفاك فكما لا يحقَّر كفاك، كذلك لا تحقِّر هذا.


واعلم أنَّ اليوم والشهر والسنة والساعة والليلة يحقّرن. وأمَّا أمس وغد فلا يحقَّران؛ لأنَّهما ليسا اسمين لليومين بمنزلة زيدٍ وعمروٍ، وإنّما هما اليوم الذي قبل يومك، واليوم بعد يومك، ولم يتمكنا كزيدٍ واليوم والساعة والشهر وأشباههن، ألا ترى أنَّك تقول: هذا اليوم وهذه الليلة فيكون لما أنت فيه، ولما لم يأت، ولما مضى وتقول: هذا زيد وذلك زيد، فهو اسم ما يكون معك وما يتراخى عنك. وأمس وغد لم يتمكنا تمكَّن هذه الأشياء، فكرهوا أن يحقّروهما كما كرهوا تحقير أين، واستغنوا عن تحقيرها بالذي هو أشدّ تمكنا، وهو اليوم والليلة والساعة. وكذلك أوّل من أمس، والثَّلاثاء، والأربعاء، والبارحة لما ذكرنا وأشباههنَّ.
ولا تحقَّر أسماء شهور السنة، فعلامات ما ذكرنا من الدَّهر لا تحقّر، إنَّما يحقَّر الاسم غير العلم الذي يلزم كلّ شيء من أمته، نحو: رجلٍ وامرأة وأشباههما.
واعلم أنَّك لا تحقِّر الاسم إذا كان بمنزلة الفعل، ألا ترى أنّه قبيح: هو ضويرب زيداً، وهو ضويرب زيدٍ، إذا أردت بضارب زيدٍ التنوين. وإن كان ضارب زيدٍ لما مضى فتصغيره جيدّ.
ولا تحقِّر عند كما تحقِّر قبل وبعد ونحوهما، لأنّك إذا قلت عند فقد قللت ما بينهما، وليس يراد من التقليل أقلُّ من ذا، فصار ذا كقولك: قبيل ذاك، إذا أردت أن تقلَّل ما بينهما. وكذلك عن ومع، صارتا في أن لا تحقّرا كمن.
باب تحقير كلّ اسم كان ثانية ياء
تثبت في التحقير وذلك نحو: بيت وشيخ وسيِّد. فأحسنه أن تقول: شييخ وسييد فتضم؛ لأنّ التحقير يضم أوائل الأسماء، وهو لازم له، كما أنّ الياء لازمة له.
ومن العرب من يقول: شييخ وبييت وسييد، كراهية الياء بعد الضمّة.
باب تحقير المؤنَّث
اعلم أن كلّ مؤنَّث كان على ثلاثة أحرف فتحقيره بالهاء، وذلك قولك في قدم: قديمة، وفي يدٍ: يديَّة.
وزعم الخليل أنَّهم إنَّما أدخلوا الهاء ليفرقوا بين المؤنّث والمذكّر. قلت: فما بال عناقٍ؟ قال: استثقلوا الهاء حين كثر العدد، فصارت القاف بمنزلة الهاء، فصارت فعيلةً في العدد والزنة، فاستثقلوا الهاء. وكذلك جميع ما كان على أربعة أحرف فصاعدا.
قلت: فما بال سماءٍ، قالوا: سميَّة؟ قال: من قبل أنها تحذف في التحقير، فيصير تحقيرها كتحقير ما كان على ثلاثة أحرف، فلمَّا خفَّت صارت بمنزلة دلوٍ، كأنَّك حقَّرت شيئاً على ثلاثة أحرف.
فإن حقّرت امرأة سقَّاء قلت: سقيقيٌّ ولم تدخلها الهاء؛ لأنَّ الاسم قد تمّ.
وسألته عن الذين قالوا في حباري: حبيِّرة فقال:لمَّا كانت فيه علامة التأنيث ثابتةً أرادوا أن لا يفارقها ذلك التحقير، وصاروا كأنَّهم حقّروا حبارة. وأمَّا الذين تركوا الهاء فقالوا: حذفنا الياء والبقية على اربعة أحرف، فكأنّا حقّرنا حبار. ومن قال في حباري: حبيِّرة قال: في لغيزي: لغيغيزة، وفي جميع ما كانت فيه الألف خامسة فصاعداً إذا كانت ألف تأنيث.
وسألته عن تحقير نصفٍ نعت امرأة فقال: تحقيرها نصيف، وذاك لأنّه مذكّر وصف به مؤنث. ألا ترى أنّك تقول: هذا رجل نصف. ومثل ذلك أنّك تقول: هذه امرأة رضىً، فإذا حقّرتها لم تدخل الهاء؛ لأنَّها وصفت بمذكّر، وشاركت المذكّر في صفته لم تغلب عليه. ألا ترى أنك لو رخمّت الضّامر لم تقل ضميرة.
وتصديق ذلك فيما زعم الخليل قول العرب في الخلق: خليق وإن عنوا المؤنَّث؛ لأنه مذكّر يوصف به المكّر، فشاركه فيه المؤنث. وزعم الخليل أن الفرس كذلك.
وسألته عن الناب من الإبل فقال: إنّما قالوا: نييب؛ لأنَّهم جعلوا الناب الذّكر اسماً لها حين طال نابها على نحو قولك للمرأة: إنَّما أنت بطين ومثلها أنت عينهم فصار اسماً غالباً وزعم أن الحرف بتلك المنزلة، كأنَّه مصدر مذكّر كالعدل، والعدل مذكّر؛ وقد يقال: جاءت العدل المسلمة. وكأنَّ الحرف صفة، ولكنَّها أجريت مجرى الاسم، كما أجرى الأبطح، والأبرق، والأجدل.
وإذا رخَّمت الحائض فهي كالضامر؛ لأنَّه إنما وقع وضفاً لشيء، والشَّيء مذكَّر. وقد بيَّنا هذل فيما قبل.


قلت: فما بال المرأة إذا سمِّيت بحجر قلت: حجيرة؟ قال: لأنّ حجر قد صار اسماً لها علما وصار خالصاً؛ وليس بصفة ولا اسماً شاركت فيه مذكّرا على معنّى واحد، ولم ترد أن تحقِّر الحجر، كما أنَّك أردت أن تحقِّر المذكّر حين قلت: عديل وقريش؛ وإنَّما هذا كقولك للمرأة: ما أنت إلا رجيل، وللرجل: ما أنت إلا مريَّة، فإنّما حقَّرت الرجل والمرأة. ولو سمّيت امرأة بفرس لقلت: فريسة كما قلت: حجيرة، فإذا حقَّرت الناب والعدل وأشباههما، فإنَّك تحقِّر ذلك الشيء، والمعنى يدلُّ على ذلك، وإذا سمَّيت رجلاً بعين أو أذنٍ فتحقيره بعينٍ أو أذنٍ فتحقيره بغير هاء، وتدع الهاء ههنا كما أدخلتها في حجرٍ اسم امرأة.
ويونس يدخل الهاء؛ ويحتجّ بأذينة، وإنما سمَّى بمحقَّر.
باب ما يحقّر على غير بناء مكبّره
الذي يستعمل في الكلام فمن ذلك قول العرب في مغرب الشمس: مغيربان الشمس، وفي العشيِّ: آتيك عشيَّاناً.
وسمعنا من العرب من يقول في عشَّية: عشيشية، فكأنهم حقَّروا مغربان وعشيان وعشاة.
وسألت الخليل عن قولك: آتيك أصيلالاً؛ فقال: إنما هو أصيلان أبدلوا اللام منها. وتصديق ذلك قول العرب: آتيك أصيلاناً.
وسألته عن قول بعض العرب: آتيك عشيَّاناتٍ ومغيربانات، فقال: جعل ذلك الحين أجزاء؛ لأنَّه حين كلمَّا تصوَّيت فيه الشمس ذهب منه جزء، فقالوا: عشيَّانات، كأنَّهم سمَّوا كلَّ جزء منه عشيَّة. ومثل ذلك قولك المفارق في مفرقٍ، جعلوا المفرق مواضع، ثم قالوا: المفارق كأنَّهم سمّوا كلّ موضع مفرقاً. قال الشاعر، وهو جرير:
قال العواذل ما لجهلك بعد ما ... شاب المفارق واكتسين قتيرا
ومن ذلك قولهم للبعير: ذو عثانين، كأنهم جعلوا كلّ جزء منه عثنوناً. ونحو ذا كثير.
فأمَّا غدوة فتحقيرها عليها، تقول: غدية، وكذلك سحر تقول: أتانا سحيراً. وكذلك ضحىً، تقول: أتانا ضحيّاً.
وقال الشاعر، وهو النابغة الجعدي:
كأنّ الغبار الذي غادرت ... ضحيّاً دواخن من تنضب
واعلم أنك لا تحقر في تحقيرك هذه الأشياء الحين، ولكنّك تريد أن تقرِّب حيناً من حين، وتقلِّل الذي بينهما، كما أنك إذا قلت: دوين ذاك، وفويق ذاك؛ فإنما تقرّب الشيء من الشيء وتقلَّل الذي بينهما وليس المكان بالذي يحقّر.
ومثل ذلك قبيل وبعيد، فلمَّا كانت أحياناً وكانت لا تمكن، وكانت لم تحقَّر؛ لم تمكَّن على هذا الحدّ تمكُّن غيرها. وقد بيَّنا ذلك فيما جاء تحقيره مخالفاً كتحقير المبهم، فهذا مع كثرتها في الكلام.
وجميع ذا إذا سمَّي به الرجل حقَر على القياس.
ومما يحقّر على غير بناء مكبَّره المستعمل في الكلام إنسان، تقول: أنيسيان وفي بنون: أبينون، كأنهم حقَّروا إنسيان، وكأنهم حقَّروا أفعل نحو أعمى، وفعلوا هذه الأشياء لكثرة استعمالهم إيَّاها في كلامهم، وهم ممّا يغيِّرون الأكثر في كلامهم عن نظائره، وكما يجيء جمع الشيء على غير بنائه المستعمل. ومثل ذلك ليلة، تقول لييلية، كما قالوا: ليالٍ، وقولهم في رجلٍ: رويجل؛ ونحو هذا.
وجميع هذا أيضاً إذا سمّيت به رجلاً أو امرأة صرفته إلى القياس كما فعلت ذلك بالأحيان.
ومن ذلك قولهم في صبية: أصيبية، وفي غلمةٍ: أغيلمة، كأنَّهم حقروا أغلمةً وأصبيةً، وذلك أنَّ أفعلةً يجمع به فعال وفعيل، فلمَّا حقّروه جاءوا به على بناء قد يكون لفعالٍ وفعيلٍ. فإذا سمَّيت به امرأة أو رجلاً حقرته على القياس، ومن العرب من يجريه على القياس فيقول: صبيَّة وغليمة. وقال الراجز:
صبيةً على الدُّخان رمكا ... ما إن عدا أصغرهم أن زكَّا
باب تحقير الأسماء المبهمة
اعلم أن التحقير يضم أوائل هذه الأسماء، فإنّه يترك أوائلها على حالها قبل أن تحقّر؛ وذلك لأنَّ لها نحواً في الكلام ليس لغيرها - وقد بيّنَّا ذلك - فأرادوا أن يكون تحقيرها على غير تحقير ما سواها.
وذلك قولك في هذا: هذيَّا، وذاك: ذيّاك، وفي ألا: أليَّا.
وإنَّما ألحقوا هذه الألفات في أواخرها لتكون أواخرها عل غير حال أواخر غيرها، كما صارت أوائلها على ذلك.


قلت: فما بال ياء التصغير ثانيةً في ذا حين حقّرت؟ قال: هي في الأصل ثالثة، ولكنَّهم حذفوا الياء حين اجتمعت الياءات، وإنَّما حذفوها من ذييَّا. وأما تيَّا فإنما هي تحقيرتا، وقد استعمل ذلك في الكلام. قال الشاعر، كعب الغنويٌّ:
وخبَّرتماني أنَّما الموت في القرى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب
وقال عمران بن حطَّان:
وليس لعيشنا هذا مهاه ... وليست دارنا هاتا بدار
وكرهوا أن يحقَّروا المؤنّث على هذه فيلتبس الأمر. وأمّا من مدَّ ألاء فيقول: ألياء، وألحقوا هذه الألف لئّلا يكون بمنزلة غير المبهم من الأسماء، كما فعلوا ذلك في آخر ذا وأوّله.وأولئك هما أولا، وأولاء، كما أنَّ هو ذا، إلاّ أنَّك زدت الكاف للمخاطبة.
ومثل ذلك الذي والتي، تقول: اللذيَّا واللتّيَّا. قال العجّاج:
بعد اللَّتيَّا واللّتيَّا والتي
وإذا ثنَّيت هذه الألفات كما تحذف ألف ذواتا، لكثرتها في الكلام، إذا ثنيَّت. وتصغير ذلك في الكلام ذيَّاك وذيالك، وكذلك اللَّذيا إذا قلت: اللذيُّون، والتي إذا قلت: اللَّتيات، والتثنية إذا قلت: اللّذيَّان واللَّتيَّان وذيَّان.
ولا يحقّر من ولا أيٌّ إذا صارا بمنزلة الذي، لأنّهما من حروف الاستفهام، والذي بمنزلة ذا، أنَّها ليست من حروف الاستفهام، فمن لم يلزمه تحقير كما يلزم الذي، لأنّه إنَّما يريد به معنى الذي وقد استغنى عنه بتحقير الذي، مع ذا الذي ذكرت لك.
واللاّتي لا تحقَّر، استغنوا بجمع الواحد إذا حقّر عنه، وهو قولهم: اللّتيَّات، فلمَّا استغنوا عنه صار مسقطا.
فهذه الأسماء لمَّا لم يكن حالها في التحقير حال غيرها من الأسماء غير المبهمة، ولم تكن، حالها في أشياء قد بيَّناها حال غير المبهمة، صارت يستغنى ببعضها عن بعض، كما استغنوا بقولهم: أتانا مسيّاناً وعشيَّاناً عن تحقير القصر في قولهم: أتانا قصراً، وهو العشيّ.
باب تحقير ما كسّر عليه الواحد للجمع
وسأبيّن لك تحقير ذلك إن شاء الله اعلم أنّ كل بناء كان لأدنى العدد فإنّك تحَّقر ذلك البناء لا تجاوزه إلى غيره، من قبل أنك إنَّما تريد تقليل الجمع، ولا يكون ذلك البناء إلاَّ لأدنى العدد، فلما كان ذلك لم تجاوزه.
واعلم أن لأدنى العدد أبنية هي مختصَّة به، وهي له في الأصل، وربَّما شركه فيه الأكثر، كما أنَّ الأدنى ربَّما شرك الأكثر.
فأبنية أدنى العدد أفعل نحو: أكلبٍ وأكعبٍ. وأفعال نحو: أجمالٍ وأعدالٍ وأحمالٍ، وأفعلة نحو: أجربةٍ وأنصبةٍ وأغربةٍ. وفعلة نحو: غلمةٍ وصبيةٍ وفتيةٍ وإخوةٍ وولدةٍ.
فتلك أربعوة أبنية، فما خلا هذا فهو في الأصل للأكثر وإن شركه الأقل. ألا ترى ما خلا هذا إنَّما يحقّر على واحده، فلو كان شيء ممّا خلا هذا يكون للأقل كان يحقّر على بنائه، كما تحقّر الأبنية الأربعة التي هي لأدنى العدد، وذلك قولك في أكلب: أكيلب، وفي أجمالٍ: أجيمال، وفي أجربة: أجيربة، وفي غلمةٍ: غليمة، وفي ولدةٍ: وليدة. وكذلك سمعناها من العرب.
فكلّ شيء خالف هذه الأبنية في الجمع فهو لأكثر العدد، وإن عني به على الأقلُّ فهو داخل على بناء الأكثر وفيما ليس له، كما يدخل الأكثر على بنائه وفي حيِّزه.
وسألت الخليل عن تحقير الدُّور، فقال: أردُّه إلى بناء أقلّ العدد؛ لأني إنّما أريد تقليل العدد، فإذا أردت أن أقللّه وأحقّره صرت إلى بناء الأقلِّ، وذلك قولك: أديئر، فإن لم تفعل فحقّرها على الواحد وألحق تاء الجمع؛ وذلك لأنَّك تردّه إلى الاسم الذي هو لأقلّ العدد. ألا ترى أنَّك تقول للأقل ظبيات وغلوات وركوات، ففعلات ههنا بمنزلة أفعلٍ في المذكَّر وأفعالٍ ونحوهما. وكذلك ما جمع بالواو والنون والياء والنون، وإن شركه الأكثر كما شرك الأكثر الأقلُّ فيما ذكرنا قبل هذا.
وإذا حقَّرت الأكفّ والأرجل وهنَّ قد جاوزن العشر قلت: أكيفٌّ وأريجلٌ؛ لأنَّ هذا بناء أدنى العدد، وإن كان قد يشرك فيه الأكثر الأقلَّ. وكذلك الأقدام والأفخاذ.
ولو حقَّرت الجفنات وقد جاوزن العشر لقلت: جفينات لا تجاوز؛ لأنّها بناء أقلِّ العدد.


وإذا حقَّرت المرابد والمفاتيح والقناديل والخنادق قلت: مريبدات، ومفيتيحات، وقنيديلات، وخنيدقات؛ لأنَّ هذا البناء للأكثر وإن كان يشركه فيه الأدنى، فلمَّا حقرت صيّرت ذلك إلى شيء هو الأصل للأقلّ. ألا تراهم قالوا في دارهم: ريهمات. وإذا حقَّرت الفتيان قلت: فتيَّة، فإن لم تقل ذا قلت: فتيُّون، فالواو والنون بمنزلة التاء في المؤنَّث.
وإذا حقّرت الشسُّوع وأنت تريد الثلاثة قلت: شسيعات، ولا تقول شسيّع؛ أنَّ هذا البناء لأكثر العدد في الأصل، وإنَّما الأقل مدخل عليه، كما صار الأكثر يدخل على الأقلِّ.
وإذا حقّرت الفقراء قلت: فقيِّرون على واحده، وكذلك أذلاّء إن لم تردده إلى الأذلّة ذليِّلون. قال رجل من الأنصار الجاهلي:
إن ترينا قليِّلين كما ذي ... د عن المجربين ذود صحاح
وكذلك حمقى وهلكى وسكرى وجرحى، وما كان من هذا النّحو ممّا كسّر الواحد. وإنّما صارت التاء والواو والنون لتثليث أدنى العدد إلى تعشيره وهو الواحد، كما صارت الألف والنون للتثنية، ومثنّاه أقلُّ من مثلَّثه. ألا ترى أنّ جرّ التاء ونصبها سواء، وجر الاثنين والثلاثة الذين هم على حدّ التثنية ونصبهم سواء. فهذا يقرِّب أن التاء والواو والنون لأدنى العدد؛ لأنّه وافق المثنى.
وإذا أردت أن تجمع الكليب لم تقل إلاَّ كليبات؛ لأنَّك إن كسّرت المحقَّر وأنت تريد جمعه ذهبت ياء التحقير. فاعرف هذه الأشياء.
واعلم أنَّهم يدخلون بعضها على بعض للتوسُّع إذا كان ذلك جمعاً.
باب ما كسّر على غير واحده المستعمل
في الكلام فإذا أردت أن تحقره حقرته على واحده المستعمل في الكلام الذي هو من لفظه وذلك قولك في ظروفٍ: ظريِّفون، وفي السُّمحاء: سميحون، وفي الشعراء: شويعرون.
وإذا جاء الجمع ليس له واحد مستعمل في الكلام من لفظه يكون تكسيره عليه قياساً ولا غير ذلك، فتحقيره على واحدٍ هو بناؤه إذا جمع في القياس. وذلك نحو عباديد، فإذا حقّرتها قلت: عبيديدون؛ لأنّ عباديد إنما هو جمع فعلولٍ أو فعليلٍ أو فعلالٍ. فإذا قلت: عبيديات فأيّاً ما كان واحدها فهذا تحقيره.
وزعم يونس أن من العرب من يقول في سراويل: سرييَّلات، وذلك لأنهم جعلوه جماعاً بمنزلة دخاريض، وهذا يقوِّي ذاك؛ لأنهم إذا أرادوا بها الجمع فليس لها واحد في الكلام كسَّرت عليه ولا غير ذلك.
وإذا أردت تحقير الجلوس والقعود قلت: قويعدون وجويلسون، فإنما جلوس ههنا حين أرادت الجمع بمنزلة ظروف وبمنزلة الشهود والبكيّ، وإنّما واحد الشّهود شاهد والبكيّ الباكي.هدان المستعملان في الكلام ولم يكسَّر الشُّهود والبكيُّ عليهما، فكذلك الجلوس.
باب تحقير ما لم يكسَّر عليه واحد للجمع
ولكنَّه شيء واحد يقع على الجميع، فتحقيره كتحقير الاسم الذي يقع على الواحد؛ لأنه بمنزلته إلا أنه يعني به الجميع وذلك قولك في قومٍ: قويم، وفي رجلٍ: رجيل. وكذلك النفر، والرّهط، والنّسوة، وإن عنى بهن أدنى العدد.
وكذلك الرَّجلة والصُّحبة، هما بمنزلة النِّسوة، وإن كانت الرّجلة لأدنى العدد؛ لأنّهما ليسا مما يكسّر عليه الواحد.
وإن جمع شيء من هذا على بناء من أبنية أدنى العدد حقّرت ذلك البناء كما تحقّر إذا كان بناءً لما يقع على الواحد. وذلك نحو أقوامٍ وأنفارٍ، تقول: أقَّيام وأنيفار.
وإذا حقرت الأراهط قلت: رهيطون، كما قلت في الشعراء: شويعرون. وإن حقّرت الخباث قلت خبيثات، كما كنت قائلاً ذاك لو حقرت الخبوث، والخباث: جمع الخبيثة، بمنزلة ثمارٍ فمنزلة هذه الأشياء منزلة واحدة. وقال:
قد شربت إلاَّ دهيدهينا ... قليِّصات وأبيكرينا
والدهداء: حاشية الإبل؛ فكأنه حقّر دهاده فردّه إلى الواحد وهو دهداه، وأدخل الياء والنون كما تدخل في أرضين وسنين، وذلك حيث اضطرّ في الكلام إلى أن يدخل ياء التصغير. وأمّا أبيكرينا فإنه جمع الأبكر، كما يجمع الجزر والطُّرق فتقول: جزرات وطرقات، ولكنّه أدخل الياء والنُّون كما أدخلها في الدُّهيدهين.
وإذا حقرت السِّنين لم تقل إلاَّ سنيات؛ لأنَّك قد رددت ما ذهب، فصار على بناء لا يجمع بالواو والنون، وصار الاسم بمنزلة صحيفةٍ وقصيعةٍ.


وكذلك أرضون تقول: أريضات ليس إلاّ؛ لأنَّها بمنزلة بديرةٍ. وإذا حقَّرت أرضين اسم امرأة قلت: أريضون، وكذلك السِّنون، ولا تدخل الهاء لأنَّك تحقّر بناء أكثر من ثلاثة، ولست تردُّها إلى الواحد، لأنَّك لا تريد تحقير الجمع، فأنت لا تجاوز هذا اللفظ كما لا تجاوز ذلك في رجل اسمه جريبان تقول: جريبان، كما تقول في خراسان: خريسان ولا تقول فيه كما تقول حين تحقِّر الجريبين.
وإذا حقَّرت سنين اسم امرأة في قول من قال: هذه سنين، كما قلت: سنيِّن على قوله في يضع: يضيع. ومن قال: سنون قال: سنيُّون، فرددت ما ذهب وهو اللاّم. وإنَّما هذه الواو والنون إذا وقعتا في الاسم بمنزلة ياء الإضافة وتاء التأنيث التي في بنات الأربعة لا يعتدّ بها، كأنَّك حقّرت سنيٌّ.
وإذا حقَّرت أفعال اسم رجل قلت: أفيعال، كما تحقّرها قبل أن تكون اسما، فتحقير أفعالٍ كتحقير عطشان، فرقوا بينها وبين إفعالٍ لأنه لا يكون إلا واحداً ولا يكون أفعالٌ إلا جمعاً، ولا يغيَّر عن تحقيره قبل أن يكون اسما كما لا يغيَّر سرحان عن تصغيره إذا سمّيت به، ولا تشبِّهه بليلة ونحوها إذا سمَّيت بها رجلاً ثم حقَّرتها؛ لأن ذا ليس بقياس.
وتحقير أفعالٍ مطَّرد على أفيعالٍ، وليست أفعال وإن قلت فيها أفاعيل كأنعامٍ وأناعيم تجري مجرى سرحانٍ وسراحين؛ لأنه لو كان كذلك لقلت في جمَّالٍ: جميمال؛ لأنك لا تقول: جماميل. وإنّما جرى هذا ليفرق بين الجمع والواحد.
باب حروف الإضافة إلى المحلوف به وسقوطها
وللقسم والمقسم به أدوات في حروف الجرّ، وأكثرها الواو، ثمَّ الباء، يدخلان على كلِّ محلوف به. ثمَّ التاء، ولا تدخل إلا في واحد وذلك قولك: والله لأفعلنّ: وبالله لأفعلنّ، وتالله لأكيدنَّ أصنامكم.
وقال الخليل: إنّما تجيْ بهذه الحروف؛ لأنَّك تضيف حلفك إلى المحلوف به كما تضيف مررت به بالباء، إلاّ أنَّ الفعل يجيء مضمراً في هذا الباب، والحلف توكيد.
وقد تقول: تالله! وفيها معنى التعجب.
وبعض العرب يقول في هذا المعنى: لله، فيجيء باللام، ولا تجيء إلا أن يكون فيها، معنى التعجّب. قال أميّة بن أبي عائذ:
لله يبقى على الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخرٍّ به الظَّيان والآس
واعلم أنك إذا حذفت من المحلوف به حرف الجرّ نصبته، كما تنصب حقّاً إذا قلت: إنك ذاهب حقّاً. فاالمحلوف به مؤكَّد به الحديث كما تؤكَّده بالحقِّ، ويجرُّ بحروف الإضافة كما يجر حقٌّ إذا قلت: إنك ذاهب بحقٍّ، وذلك قولك: الله لأفعلنَّ. وقال ذو الرمة:
ألا ربَّ من قلبي له الله ناصح ... ومن قلبه لي في الظِّباء السوانح
وقال الآخر:
إذا ما الخبز تأدمه بلحمٍ ... فذاك أمانة الله الثَّريد
فأمَّا تالله فلا تحذف منه التاء إذا أردت معنى التعجّب. ولله مثلها إذا تعجّبت ليس إلا.
ومن العرب من يقول: الله لأفعلنَّ، وذلك أنه أراد حرف الجرّ، وايّاه نوى، فجاز حيث كثر في كلامهم، وحذفوه تخفيفاً وهم ينوونه، كما حذف ربَّ في قوله:
وجدَّاء ما يرجى بها ذو قرابةٍ ... لعطفٍ وما يخشى السُّماة ربيبها
إنَّما يريدون: ربَّ جدَّاء، وحذفوا الواو كما حذفوا اللامين، من قولهم: لاه أبوك، حذفوا لام الإضافة واللام الأخرى، ليخففِّوا الحرف على اللسان، وذلك ينوون.
وقال بعضهم: لهى أبوك، فقلب العين وجعل اللام ساكنة، إذ صارت مكان العين كما كانت العين ساكنة، وتركوا آخر الاسم مفتوحا كما تركوا آخر أين مفتوحا. وإنَّما فعلوا ذلك به حيث غيَّروه لكثرته في كلامهم فغيَّروا إعرابه كما غيَّروه.
واعلم أنَّ من العرب من يقول: من ربيِّ لأفعلنَّ ذلك، ومن ربيِّ إنَّك لأشر، يجعلها في هذا الموضع بمنزلة الواو والباء، في قوله: والله لأفعلنَّ. ولا يدخلونها في غير ربيِّ، كما لا يدخلون التاء في غير الله، ولكن الواو لازمة لكلّ اسم يقسم به والباء. وقد يقول بعض العرب: لله لأفعلنَّ، كما تقول: تالله لأفعلنَّ. ولا تدخل الضمّة في من إلا ههنا، كما لا تدخل الفتحة في لدن إلا مع غدوةٍ حين تقول: لدن غدوةً إلى العشيّ.
باب ما يكون ما قبل المحلوف به عوضا


من اللفظ بالواو وذلك قولك: إي هاالله ذا، نثبت ألف لأنَّ الذي بعدها مدغم. ومن العرب من يقول: إي هلله ذا، فيحذف الألف التي بعد الهاء. ولا يكون في المقسم ههنا إلا الجرّ؛ لأنَّ قولهم: ها صار عوضاً من اللفظ بالواو، فحذفت تخفيفاً على اللسان. ألا ترى أنَّ الواو لا تظهر ههنا كما تظهر في قولك: والله، فتركهم الواو ههنا البتَّة يدلُّك على أنها ذهبت من هنا تخفيفاً على اللسان، وعوضت منها ها. ولو كانت تذهب من هنا كما كانت تذهب من قولهم: الله لأفعلنَّ، إذن لأدخلت الواو.
وأمَّا قولهم: ذا، فزعم الخليل أنه المحلوف عليه، كأنه قال: إي والله للأمر هذا، فحذف الأمر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم؛ وقدم ها، كما قدَّم ها في قولهم ها هوذا: وها أناذا. وهذا قول الخليل، وقال زهير:
تعلَّمن ها لعمر الله ذا قسماً ... فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك
ومثل قولهم: آلله لأفعلنّ، صارت الألف ههنا بمنزلة ها ثمّ. ألا ترى أنك لا تقول: أو الله، كما لا تقول: ها والله، فصارت الألف ههنا وهما يعاقبان الواو، ولا يثبتان جميعا.
وقد تعاقب ألف اللام حرف القسم كما عاقبته ألف الاستفهام وها، فتظهر في ذلك الموضع الذي يسقط في جميع ما هو مثله للمعاقبة، وذلك قوم: أفألله لتفعلنَّ. ألا ترى أنك إن قلت: أفوّ الله، لم تثبت.
وتقول: نعم الله لأفعلن، وإي الله لأفعلنّ، لأنهما ليسا ببدل. ألا ترى أنك تقول: إي والله ونعم والله. وقال الخليل في قوله عزّ وجلَّ: " والليل إذا يغشى. والنَّهار إذا تجلى. وما خلق الذَّكر والأنثى " : الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمّان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيدٍ وعمروٍ، والأولى بمنزلة الباء والتاء. ألا ترى أنَّك تقول: والله لأفعلنَّ ووالله لأفعلنّ، فتدخل واو العطف عليها كما تدخلها على الباء والتاء.
قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟ فقال: إنَّما أقسم بهذه الأشياء على شيء واحد، ولوكان انقضى قسمه بالأوّل على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر فيكون، كقولك: بالله لأفعلنّ، بالله لأخرجنّ اليوم، ولا ييقوى أن تقول: وحقِّك وحقِّ زيد لأفعلنّ، والواو الآخرة واو قسم، لا يجوز إلا مستكرها، لأنَّه لا يجوز هذا في محلوف عليه إلا أن تضمّ الآخر إلى الأول وتحلف بهما على المحلوف عليه.
وتقول: وحياتي ثمَّ حياتك لأفعلنّ، فثمَّ ههنا بمنزلة الواو. وتقول: والله ثم الله لأفعلنّ، وبالله ذم الله لأفعلنّ، وتالله ثمَّ الله لأفعلنَّ. وإن قلت: والله لآتينك ثم الله لأضربنّك، فإن شئت قطعت فنصبت، كأنَّك قلت: بالله لآتينك، والله لأضربنَّك، فجعلت هذه الواو بمنزلة الواو التي في قولك: مررت بزيد وعمرو خارج، وإذا لم تقطع وجررت فقلت: والله لآتينك، ثمّ والله لأضربنك، صارت بمنزلة قولك: مررت بزيد ثم بعمروٍ.
وإذا قلت: والله لآتينك ثم لأضربنك الله فأخّرته، لم يكن إلا النصب؛ لأنه ضمّ الفعل إلى الفعل، ثمّ جاء بالقسم له على حدته ولم يحمله على الأوّل.
وإذا قلت: والله لآتينك ثمّ الله، فإنَّما أحد الاسمين مضموم إلى الآخر وإن كان قد أخرّ أحدهما، ولا يجوز في هذا إلا الجرّ؛ لأنَّ الآخر معلَّق بالأوّل؛ لأنه ليس بعده محلوف عليه.
ويدلك على أنّه إذا قال: والله لأضربنك ثم لأقتلنك الله، فإنه لا ينبغي فيها إلا النصب: أنه لو قال: مررت بزيدٍ أول من أمس وأمس عمروٍ كان قبيحاً خبيثا؛ لأنه فصل بين المجرور والحرف الذي يشركه وهو الواو في الجار، كما أنَّه لو فصل بين الجّار والمجرور كان قبيحاً، فكذلك الحروف التي تدخله في الجارّ، لأنه صار كأنَّ بعده حرف جر، فكأنك قلت: وبكذا.
ولو قال: وحقِّك وحقِّ زيد على وجه النِّسيان والغلط جاز. ولو قال: وحقِّك وحقِّ، على التوكيد جاز، وكانت الواو واو الجرّ.
باب ما عمل بعضه في بعض
وفيه معنى القسم وذلك قولك: لعمر الله لأفعلنَّ، وأيم الله لأفعلنّ. وبعض العرب يقول: أيمن الكعبة لأفعلنَّ، كأنه قال: لعمر الله المقسم به، وكذلك أيم الله وأيمن الله، إلا أنّ ذا أكثر في كلامهم، فحذفوه كما حذفوا غيره، وهو أكثر من أن أصفه لك.


ومثل أيم الله وأيمن: لاها الله ذا، إذا حذفوا ما هذا مبني عليه. فهذه الأشياء فيها معنى القسم، ومعناها كمعنى الاسم المجرور بالواو، وتصديق هذا قول العرب: عليَّ عهد الله لأفعلنّ. فعهد مرتفعة وعليَّ مستقرّ لها. وفيها معنى اليمين.
وزعم يونس أنَّ ألف أيم موصولة. وكذلك تفعل بها العرب، وفتحوا الألف كما فتحوا الألف التي في الرَّجل، وكذلك ايمن. قال الشاعر:
فقال فريق القوم لمَّا نشدتهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري
سمعناه هكذا من العرب. وسمعنا فصحاء العرب يقولون في بيت امرىء القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
جعلوه بمنزلة أيمن الكعبة وأيم الله، وفيه المعنى الذي فيه. وكذلك أمانة الله.
ومثل ذلك يعلم الله لأفعلنّ، وعلم الله لأفعلن؛ فإعرابه كإعراب يذهب زيد، وذهب زيد، والمعنى: والله لأفعلنّ، وذا بمنزلة يرحمك الله وفيه معنى الدعاء، وبمنزلة اتقى الله امرؤ وعمل خيراً، إعرابه إعراب فعل، ومعناه ليفعل وليعمل.
باب ما يذهب التنوين فيه
من الأسماء لغير الإضافة ولا دخول الألف واللام، ولا لأنَّه لا ينصرف وكان القياس أن يثبت التنوين فيه وذلك كلُّ اسمٍ غالبٍ وصف بابنٍ، ثم أضيف إلى اسم غالب، أو كنية، أو أمٍ. وذلك قولك: هذا زيد بن عمروٍ. وإنَّما حذفوا التنوين من هذا النَّحو حيث كثر في كلامهم؛ لأنَّ التنوين حرف ساكن وقع بعده حرف ساكن، ومن كلامهم أن يحذفوا الأوّل إذا التقى ساكنان، وذلك قولك: اضرب ابن زيد، وأنت تريد الخفيفة. وقولهم: لد الصَّلاة في لدن حيث كثر في كلامهم.
وما يذهب منه الأوّل أكثر من ذلك، نحو: قل، وخف.
وسائر تنوين الأسماء يحرَّك إذا كانت بعده ألف موصولة؛ لأنَّهما ساكنان يلتقيان فيحرّك الأول كما يحرّك المسكَّن في الأمر والنهي.
وذلك قولك: هذه هند امرأة زيدٍ، وهذا زيد امرؤ عمروٍ وهذا عمر الطويل، إلاَّ أن الأول حذف منه التنوين لما ذكرت لك. وهم ممَّا يحذفون الأكثر في كلامهم.
وإذا اضطرَّ الشاعر في الأوَّل أيضاً أجراه على القياس. سمعنا فصحاء العرب أنشدوا هذا البيت:
هي ابنتكم وأختكم زعمتم لثعلبة بن نوفلٍ ابن جسر
وقال الأغلب:
جارية من قيسٍ ابن ثعلبة
وتقول: هذا أبو عمرو بن العلاء؛ لأنَّ الكنية كالاسم الغالب. ألا ترى أنَّك تقول: هذا زيد بن أبي عمروٍ، فتذهب التنوين كما تذهبه في قولك: هذا زيد بن عمروٍ؛ لأنَّه اسم غالب. وتصديق ذلك قول العرب: هذا رجل من بني أبي بكر بن كلابٍ. وقال الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء:
ما زلت أغلق أبواباً وأفتحها ... حتَّى أتيت أبا عمرو بن عمّار
وقال:
فلم أجبن ولم أنكل ولكن ... يممت بها أبا صخر بن عمر
وقال يونس: من صرف هنداً قال: هذه هند بنت زيدٍ، فنوّن هنداً؛ لأن هذا موضع لا يتغيَّر فيه الساكن، ولم تدركه علّة. وهكذا سمعنا من العرب.
وكان أبو عمرو يقول: هذه هند بنت عبد الله فيمن صرف، ويقول: ولمَّا كثر في كلامهم حذفوه كما حذفوا لا أدر، ولم يك، ولم أبل، وخذ وكل، وأشباه ذلك، وهو كثير.
وينبغي لمن قال: بقول أبي عمرو أن يقول: هذا فلان بن فلانٍ؛ لأنّه كناية عن الأسماء التي هي علامات غالبة؛ فأجريت مجراها.
وأما طامر بن طاكر فهو كقولك: زيد بن زيدٍ؛ أنه معرفة كأمّ عامرٍ وأبي الحارث، للأسد وللضبَّع، فجعل علماً. فإذا كنيت إن غير الآدمييّن قلت: الفلان والفلانة؛ والهن والهنة، جعلوه كنايةً عن النَّاقة التي تسمى بكذا، والفرس الذي يسمَّى بكذا، ليفرقوا بين الآدمييّن والبهائم.
باب ما يحرَّك فيه التنوين
في الأسماء الغالبة وذلك قولك: هذا زيد ابن أخيك، وهذا زيد ابن أخي عمروٍ، وهذا زيد الطويل، وهذا عمرو الظريف، إلا أن يكون شيء من ذا يغلب عليه فيعرف به، كالصَّعق وأشباهه، فإذا كان ذلك كذلك لم ينوَّن.
ٍوتقول: هذا زيد ابن عمرك، إلا أن يكون ابن عمرك غالباً، كابن كراع وابن الزُّبير، وأشباه ذلك.
وتقول: هذا زيد بن أبي عمروٍ، إذا كانت الكنية أبا عمرو.


وأمَّا زيد ابن زيدك، فقال الخليل: هذا زيد ابن زيدك، وهو القياس وهو بمنزلة : هذا زيد ابن أخيك؛ لأنَّ زيداً إنَّما صار ههنا معرفةً بالضمير الذي فيه، كما صار الأخ معرفة به. ألا ترى أنَّك لو قلت: هذا زيد رجلٍ صار نكرة، فليس بالعلم الغالب؛ لأنَّ ما بعده غيَّره، وصار يكون معرفةً ونكرةً به. وأمّا يونس فلا ينوّن.
وتقول: مررت بزيدٍ ابن عمرو، إذا لم تجعل الابن وصفاً، ولكنَّك تجعله بدلاً أو تكريرا كأجمعين.
وتقول: هذا أخو زيدٍ ابن عمروٍ، إذا جعلت ابن صفةً للأخ، لأنَّ أخا زيدٍ ليس بغالبٍ، فلا تدع التنوين فيه فيما يكون اسماً غالباً أو تضيفه إليه.
وإنما ألزمت التنوين والقياس هذه الأشياء؛ لأنَّهم لها أقلّ استعمالا. ومثل ذلك: هذا رجلٍ،ابن رجل وهذا زيد رجلٍ كريمٍ.
وتقول: هذا زيد بني عمرو، في قول أبي عمرو ويونس، لأنَّه لا يلتقي ساكنان: وليس بالكثير في الكلام ككثرة ابن في هذا الموضع، وليس كلُّ شيء بكثير في كلامهم يحمل الشاذّ. ولكنه يجري على بابه حتَّى تعلم أنَّ العرب قد قالت غير ذلك. وكذلك تقول العرب، ينوّنون. وجيع التنوين يثبت في الأسماء إلاّ ما ذكرت لك.
باب النون الثقيلة والخفيفة
اعلم أنَّ كل شيء دخلته الخفيفة فقد تدخله الثقيلة. كما أن كلَّ شيء تدخله الثقيلة تدخله الخفيفة.
وزعم الخليل أنَّهما توكيد كما التي تكون فضلاً. فإذا جئت بالخفيفة فأنت مؤكّد، وإذا جئت بالثقيلة فأنت أشدُّ توكيدا.
ولها مواضع سأبينها إن شاء الله ومواضعها في الفعل.
فمن مواضعها الفعل الذي للأمر والنهي، وذلك قولك: لا تفعلنَّ ذاك واضربنَّ زيدا. فهذه الثقيلة. وإن خففت قلت: ذاك ولا تضربن زيدا.
ومن مواضعها الفعل الذي لم يجب، الذي دخلته لام القسم، فذلك لا تفارقه الخفيفة أو الثقيلة، لزمه ذلك كما لزمته اللام في القسم. وقد بيّنا ذلك في بابه.
فأمّا الأمر والنَّهي فإن شئت أدخلت فيه النون وإن شئت لم تدخل؛ لأنه ليس فيهما ما في ذا. وذلك قولك: لتفعلنَّ ذاك ولتفعلان ذاك ولتفعلن ذاك. فهذه الثقيلة. وإن خففّت قلت: لتفعلن ذاك ولتفعلن ذاك.
فما جاء فيه النون في كتاب الله عزّ وجلّ: " ولا تتَّبعان سبيل الذين لا يعلمون " ، " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً " وقوله تعالى: " ولآمرنهم فليبنِّكنَّ آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيَّر خلق الله " . و " وليسجنّن وليكونن من الصاغرين " ، وليكونن خفيفة.
وأمّا الخفيفة فقوله تعالى: " لنسفعن بالنَّاصية " وقال الأعشى:
فإياك والميتات لا تقربنّها ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
فالأولى ثقيلة، والأخرى خفيفة. وقال زهير:
تعلَّمن ها لعمر الله ذا قسماً ... فاقصد بذراعك وانظر أين تنسلك
فهذه الخفيفة. وقال الأعشى:
أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا ... أبا ثابت فاقعد وعرضك سالم
فهذه الخفيفة. وقال النابغة الذبياني:
لا أعرفن ربرباً حوراً مدامعها ... كأن أبكارها نعاج دوار
وقال النابغة أيضاً:
فلتأتينك قصائد وليدفعن ... جيش إليك قوادم الأكوار
والدعاء بمنزلة الأمر والنهي، قال ابن رواحة:
فأنزلن سكينة علينا
وقال لبيد:
فلتصلقن بني ضبينة صلقةً ... تلصقنهم بخوالف الأطناب
هذه الثقيلة، وهو أكثر من أن يحصى. وقالت ليلى الأخيلية:
تساور سواراً إلى المجد والعلا ... وفي ذمتى لئن فعلت ليفعلا
وقال النابغة الجعدي:
فمن يك لم يثأر بأعراض قومه ... فإني وربِّ الراقصات لأثأرا
فهذه الخفيفة خففّت كما تثقَّل إذا قلت: لأثأرن.
ومن مواضعها الأفعال غير الواجبة التي تكون بعد حروف الاستفهام وذلك لأنك تريد أعلمني إذا استفهمت ، وهي أفعال غير واجبة فصارت بمنزلة أفعال الأمر والنهي فان شئت أقحمت النون وان شئت تركت، كما فعلت ذلك في الأمر والنهي.وذلك قولك:هل تقولن؟ وأتقولن ذاك؟ وكم تمكثن؟ وانظر ماذا تفعلن؟ وكذلك جميع حروف الاستفهام. وقال الأعشى:
فهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين
وقال:
وأقبل على رهطى ورهطك نبتحث ... مساعينا حتى ترى كيف نفعلا
وقال مقنع:
أفبعد كندة تمدحنَّ قبيلا
وقال:


هل تحلفن يا نعم لا تدينها
فهذه الخفيفة. وزعم يونس أنك تقول: هلاَّ تقولنَّ، وألاَّ تقولنَّ. وهذا أقرب من لأنك تعرض، فكأنَّك قلت: افعل، لأنه استفهام فيه معنى العرض.
ومثل ذلك: لولا تقولنَّ، لأنك تعرض.
وقد بيّنّا حروف الاستفهام وموافقتها الأمر والنهي في باب الجزاء وغيره، وهذا ممّا وافقتها فيه، وترك تفسيرهن ههنا للذي فسرنا فيما مضى.
ومن مواضعها حروف الجزاء إذا وقعت بينها وبين الفعل ما للتوكيد؛ وذلك لأنَهم شبّهوا ما باللام التي في لتفعلن، لمَّا وقع التوكيد قبل الفعل ألزموا النون آخره كما ألزموا هذه اللام. وإن شئت لم تقحم النون كما أنَّك إن شئت لم تجيء بها. فأمّا اللام فهي لازمة في اليمين، فشبّهوا ما هذه إذ جاءت توكيداً قبل الفعل بهذه اللام التي جاءت لإثبات النون. فمن ذلك قولك: إمّا تأتيني آتك، وأيُّهم ما يقولنَّ ذاك تجزه. وتصديق ذلك قوله عزّ وجلّ: " وإمّا تعرضنّ عنهم ابتغاء رحمةٍ من ربك " ، وقال عزّ وجلّ: " فإما ترينّ من البشر أحداً " .
وقد تدخل النون بغير ما في الجزاء، وذلك قليل في الشعر، شبّهوه بالنهي حين كان مجزوماً غير واجب. وقال الشاعر:
نبتم نبات الخيزرانيِّ في الثَّرى ... حديثاً متى ما يأتك الخير ينفعا
وقال ابن الخرع:
فمهما تشأ منه فزارة تعطكم ... ومهما تشأ منه فزارة تمنعا
وقال:
من يثقفن منهم فليس بآثبٍ ... أبداً وقتل بني قتيبة شافي
وقال:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخاً على كرسيّه معمَّما
شبّهه بالجزاء حيث كان مجزوما وكان غير واجب، وهذا لا يجوز إلاَّ في اضطرار، وهي في الجزاء أقوى.
وقد يقولون: أقسمت لمَّا لم تفعلنَّ؛ لأن ذا طلب فصار كقولك: لا تفعلنَّ كما أن قولك أتخبرني، فيه معنى افعل، وهو كالأمر في الاستغناء والجواب.
ومن مواضعها أفعال غير الواجب التي في قولك: بجهدٍ ما تبلغنَّ، وأشباهه. وإنّما كان ذلك لمكان ما. وتصديق ذلك قولهم في مثل:
في عضة مَّا ينبتنَّ شكيرها
وقال أيضاً في مثل آخر: بألمٍ مَّا تختننَّه، وقالوا: بعين مَّا أريتك. فما ههنا بمنزلتها في الجزاء.
ويجوز للمضطر أنت تفعلنّ ذلك، شبهوه بالتي بعد حروف الاستفهام، لأنها ليست مجزومة والتي في القسم مرتفعة، فأشبهتها في هذه الأشياء، فجعلت بمنزلتها حين اضطروا. وقال الشاعر، جذيمة الأبرش:
ربما أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات
وزعم يونس أنهم يقولون ربَّما تقولنَّ ذاك وكثر ما تقولنَّ ذاك، لأنّه فعل غير واجب، ولا يقع بعد هذه الحروف إلاّ وما له لازمة، فأشبهت عندهم لام القسم.
وإن شئت لم تقحم النون في هذا النحو، فهو أكثر وأجود، وليس بمنزلته في القسم؛ لأنّ اللام إنما ألزمت اليمين كما ألزمت النون اللام وليست مع المقسم به بمنزلة حرف واحد وليست كالتي في بألم ما تختتنه لأنها ليست مع ما قبلها بمنزلة حرف واحد. ولو لم تلزم اللام التبس بالنفي إذا حلف أنه لا يفعل، فما تجيء لتسهل الفعل بعد ربِّ. ولا يشبه ذا القسم.
ومثل ذلك: حيثما تكونن آتك؛ لأنّها سهلت الفعل أن يكون مجازاة. وإنما كان ترك النون في هذا أجود؛ لأنَّ ما وربَّ بمنزلة حرف واحد، نحو قد وسوف، وما حيث بمنزلة أين، واللام ليست مع المقسم به بمنزلة حرف واحد، ولأنّ اللام لا تسقط كما تسقط ما من هذا إن شئت.
باب أحوال الحروف التي قبل النون
الخفيفة والثقيلة
اعلم أنّ فعل الواحد إذا كان مجزوماً فلحقته الخفيفة والثقيلة حركت المجزوم وهو الحرف الذي أسكنت للجزم لأن الخفيفة ساكنة والثقيلة نونان الأولى منهما ساكنة. والحركة فتحة ولم يكسروا فيلتبس المذكّر بالمؤنّث، ولم يضمّوا فيلتبس الواحد بالجميع. وذلك قولك: اعلمن ذلك وأكرمن زيدا، وإما تكرمنه أكرمه.
وإذا كان فعل الواحد مرفوعا ثم لحقته النون صيّرت الحرف المرفوع مفتوحاً لئلا يلتبس الواحد بالجميع، وذلك قولك: هل تفعلن ذاك، وهل تخرجن يا زيد.


وإذا كان فعل الاثنين مرفوعاً وأدخلت النون الثقيلة حذفت نون الاثنين لاجتماع النونات، ولم تحذف الألف لسكون النون، لأن الألف تكون قبل الساكن المدغم، ولو أذهبتها لم يعلم أنك تريد الاثنين، ولم تكن الخفيفة ههنا لأنّها ساكنة ليست مدغمة فلا تثبت مع الألف، ولا يجوز حذف الألف فيلتبس بالواحد.
وإذا كان فعل الجميع مرفوعاً ثم أدخلت فيه النون الخفيفة أو الثقيلة حذفت نون الرفع، ذلك قولك: لتفعلنَّ ذاك ولتذهبنَّ، لأنَّه اجتمعت فيه ثلاث نونات فحذفوها استثقالا. وتقول: هل تفعلنَّ ذاك، تحذف نون الرفع لأنَّك ضاعفت النون،وهم يستثقلون التضعيف، فحذفوها إذ كانت تحذف، وهم في ذا الموضع أشدّ استثقالا للنونات، وقد حذفوها فيما هو أشدّ من ذا. بلغنا أن بعض القراء قرأ أتحاجوني وكان يقرأ فبم تبشِّرون، وهي قراءة أهل المدينة؛ وذلك لأنهم استثقلوا التضعيف.
وقال عمرو بن معد يكرب:
تراه كالثَّغام يعلُّ مسكاً ... يسوء الفاليات إذا فليني
يريد: فلينني.
واعلم أنَّ الخفيفة والثقيلة إذا جاءت بعد علامة إضمار تسقط إذا كانت بعدها ألف خفيفة أو ألف ولام، فإنَّها تسقط أيضاً مع النون الخفيفة والثقيلة، وإنَّما سقطت لأنَّها لم تحرَّك فإذا لم تحرك حذفت، فإذا حذفت، فتحذف لئلا يلتقي ساكنان، وذلك قولك للمرأة: اضربنَّ زيدا وأكرمنَّ عمر، تحذف الياء لما ذكرت لك، ولتضربنَّ زيدا ولتكرمنَّ عمرا؛ لأنَّ نون الرفع تذهب فتبقى ياء كالياء التي في اضربي وأكرمي. ومن ذلك قولهم للجميع: اضربنَّ زيدا وأكرمن عمراً، ولتكرمن بشرا؛ لأنّ نون الرفع تذهب فتبقى واو هي كواو ضربوا وأكرموا.
فإذا جاءت بعد علامة مضمرٍ تتحرّك للألف الخفيفة أو للألف واللام حرّكت لها وكانت الحركة هي الحركة التي تكون إذا جاءت الألف الخفيفة أو الألف واللام؛ لأن علّة حركتها ههنا العلّة التي ذكرتها ثمّ، والعلّة التقاء الساكنين، وذلك قولك: ارضونَّ زيدا، تريد الجميع، واخشون زيدا واخشينَّ زيدا، وارضينَّ زيدا، فصار التحريك هو التحريك الذي يكون إذا جاءت الألف واللام أو الألف الخفيفة.
باب الوقف عند النون الخفيفة
اعلم أنَّه إذا كان الحرف الذي قبلها مفتوحاً ثم وقفت جعلت مكانها ألفا كما فعلت ذلك في الأسماء المنصرفة حين وقفت؛ وذلك لأنَّ النون الخفيفة والتنوين من موضع واحد، وهما حرفان زائدان، والنون الخفيفة ساكنة كما أنَّ التنوين ساكن، وهي علامة توكيد كما أنَّ التنوين علامة المتمكّن، فلمَّا كانت كذلك أجريت مجراها في الوقف، وذلك قولك: اضربا: إذا امرت الواحد وأردت الخفيفة، وهذا تفسير الخليل.
وإذا وقفت عندها وقد أذهبت علامة الإضمار التي تذهب إذا كان بعدها ألف خفيفة أو ألف ولام رددتها الألف التي في هذا: هذا مثنًّنى كما ترى إذا سكتَّ، وذلك قولك للمرأة وأنت تريد الخفيفة: اضربي وللجميع: اضربوا وارموا، وللمرأة: ارمي واعزي. فهذا تفسير الخليل، وهو قول العرب ويونس.
وقال الخليل: إذا كان ما قبلها مكسوراً أو مضموماً ثم وقفت عندها لم تجعل مكانها ياءً ولا واوا، وذلك قولك للمرأة وأنت تريد الخفيفة: اخشى، وللجميع وأنت تريد النون الخفيفة: اخشوا. وقال: هو بمنزلة التنوين إذا كان ما قبله مجرورا أو مرفوعا.
وأمّا يونس فيقول: اخشيي واخشووا، يزيد الياء والواو بدلاً من النون الخفيفة من أجل الضمّة والكسرة.
فقال الخليل: لا أرى ذاك إلاَّ على قول من قال: هذا عمرو، ومررت بعمري. وقول العرب على قول الخليل.
وإذا وقفت عند النون الخفيفة في فعل مرتفع لجميع رددت النون التي تثبت في الرفع، وذلك قولك وأنت تريد الخفيفة: هل تضربين، وهل تضربون، وهل تضربان. ولا تقول: هل تضربونا، فتجريها مجرى التي تثبت مع الخفيفة التي في الصلة.
وينبغي لمن قال بقول يونس في اخشيي واخشووا إذا أردت أراد الخفيفة أن ييقول: هل تضربوا، يجعل الواو مكان الخفيفة كما فعل ذلك في اخشيي؛ لأنَّ ما قبلها في الوصل مرتفع إذا كان الفعل للجمع ومنكسر إذا كان للمؤنث، ولا يردّ النون مع ما هو بدل من الخفيفة كما لم تثبت في الصلة، فإنما ينبغي لمن قال بذا أن يجريها مجراها في المجزوم؛ لأنَّ نون الجميع ذاهبة في الوصل كما تذهب في المجزوم، وفعل الاثنين المرتفع بمنزلة فعل الجميع المرتفع.


فأمّا الثقيلة فلا تتغيّر في الوقف لأنّها لا تشبه التنوين.
وإذا كان بعد الخفيفة ألف ولام، أو ألف الوصل، ذهبتكما تذهب واو يقل لالتقاء الساكنين. ولم يجعلوها كالتنوين هنا، فرقوا بين الاسم والفعل، وكان في الاسم أقوى لأنّ الاسم أقوى من الفعل وأشّد تمكنّا.
هذا باب النون الثقيلة والخفيفة في فعل الاثنين وفعل جميع النساء فإذا أدخلت الثقيلة في فعل الاثنين ثبتت الألف التي قبلها، وذلك قولك لا تفعلان ذلك، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون.
وتقول: افعلانِّ ذلك، وهل تفعلانِّ ذلك. فنون الرفع تذهب ها هنا كما ذهبت في فعل الجميع وإنّما تثبت الألف ههنا في كلامهم؛ لأنه قد يكون بعد الألف حرف ساكن إذا كان مدغما في حرف من موضعه وكان الآخر لازما للأول، ولم يكن لحاق الآخر بعد استقرار الأول في الكلام، وذلك نحو قولك: راد، وأراد. فالدال الآخرة لم تلحق الأولى ولم تكن الأولى في شيء يكون كلاماً بها والآخرة ليست بعدها ولكنهما يقعان جميعاً وكذلك الثقيلة هما نونان تقعان معاً ليست تلحق الآخرة الأولى بعدما يستقر كلاماً. فالخفيفة في الكلام على حدةٍ. والثقيلة على حدةٍ، ولأن تكون الخفيفة حذف عنها المتحرَّك أشبه؛ لأنَّ الثقيلة في الكلام أكثر، ولكنَّا جعلناها على حدةٍ لأنَّها في الوقف كالتنوين، وتذهب إذا كان بعدها ألف خفيفة أو ألف ولام، كما تذهب لالتقاء الساكنين ما لم يحذف عنه شيء. ولو كانت بمنزلة نون لكن وأن وكأن التي حذفت عنها المتحرّكة لكانت مثلها في الوقف. والألف الخفيفة والألف واللام، فإنما النون الثقيلة بمنزلة باء قبَّ وطاء قطُّ.
وليس حرف ساكن في هذه الصِّفة إلا بعد ألفٍ أو حرف لين كالألف، وذلك نحو: تمودَّ الثوب وتضربيني، تريد المرأة. وتكون في ياء أصيمَّ، وليس مثل هذه الواو والياء لأنَّ حركة ما قبلهنّ منهن، كما أ،َّ ما قبل الألف مفتوح. وقد أجازوه في مثل ياء أصيمّ لأنّه حرف لين.
وقال الخليل: إذا أردت الخفيفة في فعل الاثنين كان بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة في فعل الاثنين، في الوصل والوقف؛ لأنه لا يكون بعد الألف حرف ساكن ليس بمدغم. ولا تحذف الألف، فيلتبس فعل الواحد والاثنين. وذلك قولك: اضربا وأنت تريد النون، وكذلك لو قلت: اضرباني واضربا نعمان لا تردَّن الخفيفة. ولا تقل ذا موضع إدغام فأردَّها؛ لأنَّها قد تثبت مدغمة. والردُّ خطأ ههنا إذا كان محذوفا في الوصل والوقف إذا لم تتبعه كلاما. وكيف تردّه وأنت لو جمعت هذه النون إلى نون ثانية لاعتلَّت وأدغمت، وخذفت في قول بعض العرب، فإذا كفوا مؤنثها لم يكونوا ليردوها إلى ما يستثقلون.
ولو قلت ذا لقلت: اضربا نُّعمان؛ لأنَّ النون تدغم في النون.
ولو قلت ذا لقلت: اضربان أبا كما في قول من لم يهمز؛ لأنَّ ذا موضعٌ لم يمتنع فيه الساكن من التحريك، فتردها إذا وثقت بالتحريك كما رددتها حيث وثقت بالإدغام، فلا تردّ في شيء من هذا، لأنّك جئت به إلى شيء قد لزمه الحذف. إلا ترى أنكَّ لو لم تخف اللبس فحذفت الألف لم تردهّا، فكذلك لا ترد النون. ولو قلت ذا لقلت جيثونيِّ في قولك: جيؤنى؛ لأنَّ الواو قد ئبتت وبعدها ساكن مدغم، ولقلت: جيؤو نعمَّان. والنون لا تردّ ههنا، كما لا تردّ في الوصل والوقف هذه الواو في نحو ما ذكرنا. وذلك انكَّ تقول للجميع: جيؤنَّ زيداً، تريد الثقيلة، ولا تردها في الوقف ولا في الوصل.


وأن أردت الخفيفة في فعل الاثنين المرتفع قلت: هل تضربان زيداً، لأنكَّ قد أمنت النونّ الخفية وإنمَّا أذهبت النون لأنها لا تثبت مع النون الرفع، فإذا بقيت نون الرفع لم تثبت بعدها النون الخفيفة فلماَّ أمنوها ثبتت نون الرفع في الصلة كما ثبتت نون الرفع في فعل جميع في الوقف ورددت نون الجميع كما رددت ياء أضرب وواو اضربوا حين أمنت البدل من الخفيفة في الوقت. وإذا أدخلت الثقيلة في فعل جميع النساء قلت: اضربنانَِّ يا نسوة، وهل تضربنانِّ ولتضربنانِّ، فإنمَّا ألحقت هذه الألف كراهية النونات، فأرادوا أن يفصلوا لالتقائها كما حذفوا نون الجميع للنوَّنات ولم يحذفوا نون النِّساء كراهية ان يلتبس فعلهن وفعل الواحد. وكسرت الثقيلة ههنا لأنهَّا بعد ألف زائدة فجعلت بمنزلة نون الاثنين حيث كانت كذلك. وهي في ما سوى ذلك مفتوحة؛ لأنهَّما حرفان الأوّل منهم ساكن، ففتحت كما فتحت نون أين.
وإذا أردت الخفيفة في فعل جميع النساء قلت في الوقف والوصل: اضربن زيدا، ولضربن زيداً،ويكون بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة، وتحذف الألف التي في قولك: اضربنانِّ لأنِّها ليست باسم كألف اضربا، وإنمَّا جئت بها كراهية النونات، فلمِّا أمنت النون لم تحتج أليها فتركتها كما أثبِّت نون الاثبين في الرفع إذا أمنت النون، وذلك لأنهَّا لم تكن لتثبت مع نون الجميع التقائهما، ولا بعد الألف، كما لم تثبت في الاثنين، فلمَّا استغنوا عنها تركوها.
وأمًّا يونس وناسٌ من النحويينّ فيقولون: اضربان زيداً واضربنان زيداً.
فهذا لم تقله العرب، وليس له نظيرا في كلامها. ولا يقع بعد الألف ساكنٌ إلاّ أن يدغم.
ويقولون في الوقف: اضربا واضربنا فيمدّون، وهو القياس قولهم، لأنهَّا تصير ألفاً، فإذا اجتمعت ألفان مد الحرف، وإذا وقع بعدها ألف ولام أو ألف موصلة جعلوها همزة مخففَّة وفتحوها، وإنمَّا القياس في قولهم أن يقولوا اضرب الرَّجل، كما تقول بغير الخفيفة إذا كان بعدها ألف وصلٍ أو ألف ولام ذهبت، فينبغي لهم أن يذهبوها لذا، ثم تذهب الألف كما تذهب الألف وأنت تريد النون في الواحد إذا وقفت فقلت: اضربا ثم قلت: اضرب الرجل؛ لأنَّهم إذا قالوا: اضربان زيدا فقد جعلوها بمنزلتها في اضربن زيدا، فينبغي لهم أن يجرؤا عليها هناك ما يجري عليها في الواحد.
باب ثبات الخفيفة والثقيلة
في بنات الياء والواو التي الواوات والياءات لا ماتهن اعلم أن الياء التي هي لام، والواو التي هي بمنزلتها، إذا حذفنا في الجزم ثم الحقت الخفيفة أو الثقيلة، أخرجتها كما تخرجها إذا جئت بالألف للاثنين؛ لأنَّ الحرف يبنى عليها كما يبنى على تلك الألف وما قبلها مفتوح كما يفتح ما قبل الألف. وذلك قولك: ارمينَّ زيدا، واخشينَّ، واغزونَّ.
قال الشاعر:
استقدر الله خيراً وأرضينَّ به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير
وإن كانت الواو والياء غير محذوفين ساكنتين، ثم ألحقت الخفيفة أو الثقيلة حرّكتّها كما تحرّكّها لألف الاثنين، والتفسير في ذلك كالتفسير في المحذوف. وذلك قولك: لأدعونَّ ولأرضينَّ ولأرمينَّ، وهل ترضينَّ أو ترمينَّ، وهل تدعون.
وكذلك كلُّ ياءٍ أجريت مجرى الياء من نفس الحرف وكانت في الحرف، نحو ياء سلقيت وتجعبيت. جعباه أي صرعه، وتجعبى: انصرع.
باب مالا تجوز فيه نون خفيفة ولا ثقيلة
وذلك الحروف التي للأمر والنهي وليست بفعل، وذلك نحو: إيه وصه ومه وأشباهها. وهلَّم في لغة أهل الحجاز كذلك. ألا تراهم جعلوها للواحد والاثنين والجميع والذَّكر والأنثى سواء. وزعم أنها لمَّ ألحقتها هاء التنبيه في اللغتين.
وقد تدخل الخفيفة والثقيلة في هلَّم في لغة بني تميم لأنَّها عندهم بمنزلة ردًّ وردّاً وردِّي وارددن، كما تقولك هلمَّ وهلمَّا وهلمِّي وهلممن والهاء فضل، إنَّما هي ها التي للتنبيه، ولكنّهم حذفوا الألف لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم.
باب مضاعف الفعل واختلاف العرب فيه


والتضعيف أن يكون آخر الفعل حرفان من موضعٍ واحد، ونحو ذلك: رددت ووددت، واجتررت، وانقددت، واستعددت، وضاررت، وتراددنا، واحمررت واحماررت، واطمأننّت. فإذا تحرَّك الحرف الآخر فالعرب مجمعون على الإدغام، وذلك فيما زعم الخليل أولى به؛ لأنه لما كانا من موضع واحد ثقل عليهم أن يرفعوا ألسنتهم من موضع ثم يعيدوها إلى ذلك الموضع للحرف الآخر، فلما ثقل عليهم ذلك أرادوا أن يرفعوا رفعةً واحدة.
وذلك قولهم: ردِّي واجترّاَ وانقدوا واستعدّي وضارّي زيدا، وهما يرادّان واحمرّ واحمارَّ، وهو يطمئنُّ. فإذا كان حرف من هذه الحروف في موصع تسكن فيه لام الفعل فإنَّ أهل الحجاز يضاعفون؛ لأنَّهم أسكنوا الآخر، فلم يكن بدٌّ من تحريك الذي قبله؛ لأنه لا يلتقي ساكنان. وذلك قولك: اردد واجترر، وإن تضار أضارر، وإن تستعدد أستعدد وكذلك جميع هذه الحروف ويقولون اردد الرجل وإن تستعدد اليوم استعدد، يدعونه على حاله ولا يدغمون؛ لأنَّ هذا التحريك ليس بلازم لها، إنما حركوا في هذا الموضع لالتقاء الساكنين، وليس الساكن الذي بعده في الفعل مبنيَّاً عليه كالنون الثقيلة والخفيفة.
وأمّا بنو تميم فيدغمون المجزوم كما أدغموا، إذ كان الحرفان متحرّكين لما ذكرنا من المتحرّكين، فيسكنون الأوّل ويحرِّكون الآخر، لأنَّهما لا يسكنان جميعاً، وهو قول غيرهم من العرب، وهم كثير.
فإذا كان الحرف الذي قبل الحرف الأول من الحرفين ساكنا ألقيت حركة الأول عليه: إن كان مكسورا فاكسره، وإن كان مضموما فضمَّه، وإن كان مفتوحا فافتحه. وإن كان قبل الذي تلقى عليه الحركة ألف وصل حذفتها؛ لأنَّه قد استغنى عنها حيث حرّك، وإنَّما احتيج إليها لسكون ما بعدها. وذلك قولك: ردَّ وفلاَّ وعضَّ، وإن تردَّأ ردَّ، ألقيت حركة الأول منهما على الساكن الذي قبله وحذفت الألف، كما فعلت ذلك في غير الجزم، وذلك قولك ردّاً وردَّوا.
وإن كان الساكن الذي قبل الأوَّل بينه وبين الألف حاجز ألقيت عليه حركة الأول؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما يتحولَّ في حال صاحبه عن الأصل، كما فعلت ذلك في ردَّ وفرَّ وعضَّ، ولا تحذف الألف لأنَّ الحرف الذي بعد ألف الوصل ساكن؛ وذلك قولك: اطمأنَّ واقشعرَّ، وإن تشمئزَّ أشمئز فصارت الألف في الإدغام والجزم مثلها في الخبر. وذلك قولك: اطمئنوا واطمئنا، ومثل ذلك استعدَّ.
وإن كان الذي قبل الأول متحركا وكان في الحرف ألف وصل لم تغيِّره الحركة عن حاله؛ لأنه لم يكن حرفا يضطرّ إلى تحريكه، ولا تذهب الألف لأنَّ الذي بعدها لم يحرَّك وذلك قولك:اجترَّ واحمرَّ وانقدَّ، وإن تنقدَّ أنقدَّ، فصار الإدغام وثبات الألف مثله في غير الجزم.
وإذا كان قبل الأوَّل ألف لم تغيَّر؛ لأنَّ الألف قد يكون بعدها الساكن المدغم فيحتمل ذلك وتكون ألف الوصل في هذا الحرف؛ لأنَّ الساكن الذي بعدها لا يحرَّك. وذلك احمارَّ واشهابَّ. وإن تدهامَّ أدهامَّ، فصار في الإدغام وثبات الألف مثله في غير الجزم.
وإن كان قبل الأوّل ألف ولم يكن في ذلك الحرف حرف وصلٍ لم يتغيِّر عن بنائه وعن الإدغام في غير الجزم، وذلك قولك: مادَّ ولا تضارَّ، ولا تجارّ. وكذلك ما كانت ألفه مقطوعة نحو: أمدَّ وأعدَّ.
باب اختلاف العرب في تحريك الآخر
لأنه لا يستقيم أن يسكن هو والأوّل، من غير أهل الحجاز اعلم أن منهم من يحرك الآخر كتحريك ما قبله، فإن كان مفتوحا فتحوه، وإن كان مضموما ضمَّوه، وإن كان مكسوراً كسروه، وذلك قولك: ردُّ وعضَّ وفرَّ يا فتى، واقشعرَّ واطمئنِّ واستعدِّ، واجترَّ واحمرَّ وضارَّ؛ لأن قبلها فتحة وألفاً؛ فهي أجدر أن تفتح وردُّنا ولا يشلِّكم الله، وعضَّنا ومدَّني إليك ولا يشلِّك الله وليعضُّكم. فإن جاءت الهاء والألف فتحوا أبداً.


وسألت الخليل لم ذاك؟ فقال: لأنَّ الهاء خفيَّة، ردَّا وأمدَّا غلاَّ، إذا قالوا: ردَّها وغلَّها وأمدَّها. فإذا كانت الهاء مضمومة ضمرا، كأنهم قالوا: مدُّوا وعضُّوا، إذا قالوا: مدُّه وعضُّه. فإن جئت بالألف واللام وبالألف الخفية كسرت الأول كله، لأنَّه كان في الأصل مجزوما؛ لأن الفعل إذا كان مجزوماً فحرّك لالتقاء الساكنين كسر. وذلك قول: اضرب الرَّجل واضرب ابنك، فلما جاءت الألف واللام والألف الخفيفة رددته إلى أصله، لأن أصله أن يكون مسكَّنا على لغة الحجاز، كما أنَّ نظائره من غير المضعف على ذلك جرى.
ومثل ذلك مذوذهبتم فيمن أسكن، تقول: مذ اليوم، وذهبتم اليوم؛ لأنك لم تبن الميم على أصله السكون، ولكنه حذف كياء قاضٍ ونحوها.
ومنهم من يفتح إذا التقى ساكنان على كل حال، إلا في الألف واللام والألف الخفيفة. فزعم الخليل أنهم شبهوه بأين وكيف وسوف وأشباه ذلك، وفعلوا به إذ جاءوا بالألف واللام والألف الخفيفة ما فعل الأولون، وهم بنو أسدٍ وغيرهم من بني تميم. وسمعناه ممن ترضى عربيته. ولم يبتغوا الآخر الأول كما قالوا: امرؤ وامرىءٍ وامرأ فأتبعوا الآخر الأول، وكما قالوا: ابم وابنم وابنّما.
ومنهم من يدعه إذا جاء بالألف واللام على حاله مفتوحاً، يجعله في جميع الأشياء كأين. وزعم يونس أنه سمعهم يقولون:
غضَّ الطَّرف إنك من نميرٍ
ولا يكسر هلَّم البتة من قال: هلمَّا وهلمَّي، ولكن يجعلها في الفعل تجري مجراها في لغة أهل الحجاز بمنزلة رويد.
ومن العرب من يكسر ذا أجمع على كل حال، فيجعله بمنزلة اضرب الرجل وأن لم تجىء بالألف واللام لأنه فعل حرك لالتقاء الساكنين وكذلك اضرب ابنك واضرب واضرب ابنك واضرب الرجل. ولا يقولها في هلَّم، لا يقول: هلمِّ يا فتى من يقول: هلُّموا، فيجعلها بمنزلة رويد. ولا يكسر هلَّم أحد؛ لأنها تصرَّف تصرُّف الفعل ولم تقوقوَّته ومن يكسر كعب وغنى.
وأهل الحجاز وغيرهم، مجتمعون على أنهم يقولون للنساء: ارددن، وذك لأن الدال لم تسكن ههنا لأمر ولا نهيٍ. وكذلك كل حرف قبل نون النساء لا يسكن لأمر ولا لحرفٍ يجزم. ألا ترى أن السكون لازم له في حال النصب والرفع، وذلك قولك: رددن، وهن يرددن، علىَّ أن يرددن وكذلك يجري غير المضاعف قبل نون النساء، لا يحرك في حال. وذلك قولك: ضربن ويضربن ويذهبن. فلما كان هذا الحرف يلزمه السكون في كل موضع وكان السكون حاجزاً عنه ما سواه من الإعراب وتمكن فيه ما لم يتمكن في غيره من الفعل، كرهوا أن يجعلوه بمنزلة ما يجزم لأمر أو لحرف الجزم، فلم يلزمه السكون كلزوم هذا الذي هو غير مضاعف.
ومثل ذلك قولهم: رددت ومددت؛ لأن الحرف بني على هذه التاء كم بنى على النون وصار السكون فيه بمنزلته فيما نون النساء. يدلك على ذلك أنه في موضح فتح.
وزعم الخليل أنَّ ناساً من بكر بن وائل يقولون: ردَّن ومدَّن وردَّت، جعلوه بمنزلة ردَّ ومدَّ. وكذلك جميع المضاعف يجري كم ذكرت لك في لغة أهل الحجاز وغيرهم والبكرييّن. وأما ردَّد ويردد فلم يدغموه؛ لأنه لا يجوز أن يسكن حرفان فيلتقيا، ولم يكونوا ليحركوا العين الأولى لأنَّهم لو فعلوا ذلك لم ينجوا من أ، يرفعوا ألسنتهم مرتين، فلما كان ذلك لا ينجيهم أجروه على الأصل ولم يجز غيره.
واعلم أن الشعراء إذا اضطروا إلى ما يجتمع أهل الحجاز وغيرهم على إدغامه أجروه على الأصل، قال الشاعر، وهو قعنب بن أم صاحب:
مهلاً أعاذل قد جرَّبت من خلقي ... أنّى أجود لأقوام وإن ضننوا
وقال:
تشكو الوجى من أظلل وأظلل
وهذا النحو في الشعر كثير.
باب لمقصور والممدود
وهما في بنات الياء والواو التي هي لامات وما كانت الياء في آخره وأجريت مجرى تلك التي من نفس الحرف.
فالمنقوص كل حرف من بنات الياء والواو وقعت ياؤه أو واوه بعد حرف مفتوح، وإنما نقصانه أن تبدل الألف مكان الياء والواو، ولا يدخلها نصب ولا رفع ولا جر.


وأشياء يعلم أنها منقوصة لأن نظائرها من غير المعتل إنّما تقع أواخرهن بعد حرف مفتوح، وذلك نحو: وذلك نحو: معطيً ومشتريً وأشباه ذلك لأن معطىً مفعل، وهو مثل مخرجٍ، فالياء بمنزلة الجيم والراء بمنزلة الطاء، فنظائر ذا تدلّك على أنه منقوص. وكذلك مشتريً، إنَّما هو مفتعل، هو مثل معتركٍ، فالراء بمنزلة الراء، والياء بمنزلة الكاف.
ومثل ذلك: هذا مغزىً وملهى إنَّما هما مفعل، وإنمَّا هما بمنزلة مخرجٍ، فإنمّا هي واوٌ وقعت بعد مفتوح، كما أن الجيم وقعت بعد مفتوح، وهما لامان، فأنت تستدلّ بذا على نقصانه.
ومثل ذلك المفعول من سلقيته، وذلك قولك: مسلقىً ومسلنقىً.
والدليل على ذلك أنهَّ لو كان بدل هذه الياء التي في سلقيت حرفُ غير الياء لم تقع إلا بعد مفتوح، فكذلك هذا وأشباهه.
ومما تعلم أنهَّ منقوص كل شيء كان مصدراً لفعل يفعل، وكان الاسم على افعل؛ لأنَّ ذلك في غير بنات الياء والواو إنمَّا يجيء على مثال فعلٍ، وذلك قولك للأحول: به حولٌ، وللأعور: به عورٌ، ولأدر به أدرٌ، وللأشتر: به شترٌ، وللأقرع: به قرعٌ، وللأصلع: به صلعٌ. وهذا أكثر من أن أحصيه لك.
فهذا يدلكَّ على أن الذي من بنات الياء والواو منقوص لأنهَّ فعلٌ، وذلك قولك للأعشى: به عشيً وللأعمى: به عميً، وللأقنى: به قنًي.
فهذا يدلّك على أنه منقوص، كما يدلكّ على أنَّ نظير كل شيء وقعت جيمه بعد فتحة من أخرجت منقوص من أعطيت؛ لأنهَّا أفعلت، ولكل شيء من أخرجت نظير من أعطيت.
ومما تعلم أنه منقوص أن ترى الفعل فعل يفعل والاسم منه فعلٌ، فإذا كان الشيء كذلك عرفت أنَّ مصدره منقوص لأنهَّ فعلٌ، يدلّك على ذلك نظائره من غير المعتل، وذلك قولك: فرق يفرق فرقاً وهو فرقٌ، وبطر يبطر بطراً وهو بطرٌ، وكسل يكسل كسلاً وهو كسلٌ، ولحج يلحج لحجاً وهو لحجٌ، وأشر يأشر أشراً وهو أشرٌ، وذلك اكثر من أن أذكره لك.
فمصدر ذا من بنات الياء والواو على مثال فعلٍ، وإذا كان فعلٌ فهو ياء أو واو وقعت بعد فتحة، وذلك قولك: هوى يهوي هويً وهو هوٍ، ورديت تردى ردىً وهو ردٍ، وهو الرَّدى، وصديت تصدي صدىً وهو صدٍ وهو ولوي يلوي لويً وهو لو وهو اللَّوي، وكريت تكري كريً وهو النعُّاس، وغوى الصبيُّ يغوي غوًى وهو غوٍ وهو الغوى.
وإذا كان فعل يفعل والاسم فعلان فهو أيضاً منقوص. ألا ترى أنَّ نظائره من غير المعتل تكون فعلا. وذلك قولك للعطشان: عطش يعطش عطشاً وهو عطشان، وغرث يغرث غرثاً وهو غرثان، وظمىء يظمأ ظمأً وهو ظمآن. فكذلك مصدر نظير ذا من بنات والواو ولأنه فعل لما أن ذا فعل حيث كان فعلان له فعلى، وكان فعل يفعل، وذلك قولك: طوى يطوي طوىً، وصدى يصدي صدًى وهو صديان. وقالوا: غرى يغري غرىً وهو غرٍ. والغراء شاذٌّ ممدود كما قالوا الظماء. وقالوا: رضي يرضي وهو راضٍ وهو الرِّضا، ونظيره سخط يسخط سخطاً وهو ساخط، وكسروا الراء كما قالوا: الشَّبه فلم يجيئوا به على نظائره، وذا لا يجسر عليه إلاَّ بسماعٍ، وسوف نبين ذلك إن شاء الله. وأما الغراء فشاذ.
وقالوا: بدا له يبدو له بداً، ونظيره حلب يحلب حلباً. وهذا يسمع ولا يجسر عليه، ولكن يجاء بنظائره بعد السمع.
ومن الكلام ما لا يدري أنَّه منقوص حتى تعلم أن العرب تكلَّم به، فإذا تكلموا به منقوصاً علمت أنها ياء وقعت بعد فتحة أو واو، لا تستطيع أن تقول ذا لكذا، كما لا تستطيع أن تقول قالوا: قدم لكذا، ولا قالوا: جمل لكذا، فكذلك نحوهما. فمن ذلك قفاً ورحى ورجا البئر، وأشباه ذلك، لا يفرق بينها وبين سماء كما لا يفرق بين قدمٍ وقذالٍ؛ إلا أنك إذا سمعت قلتك هذا فعل وهذا فعال.
وأما الممدود فكلُّ شيء وقعت ياؤه أو واو بعد ألف.
فأشياء يعلم أنَّها ممدودة، وذلك نحو الاستسقاء لأن استسقيت استفعلت مثل استخرجت، فإذا أردت المصدر علمت أنَّه لا بد من أن تقع ياؤه بعد ألف كما أنه لا بد للجيم من أن تجيء في المصدر بعد ألف، فأنت تستدل على الممدود كما يستدل على المنقوص بنظيره من غير المعتل، حيث علمت أنه لا بد لآخره من أن يقع بعد مفتوح، كما أنَّه لا بدّ لآخر نظيره من أن يقع بعد مفتوح.
ومثل ذلك الاشتراء؛ لأنَّ اشتريت افتعلت بمنزلة احتقرت، فلا بد من أن تقع الياء بعد ألف، كما أن الرَّاء لا بدّ لها من أ، تقع بعد ألف إذا أردت المصدر.


وكذلك الإعطاء؛ لأنَّ أعطيت أفعلت، كما أنَّك إذا أردت المصدر من أخرجت لم يكن بدُّ للجيم من أن تجيْ بعد ألف إذا أردت المصدر فعلى هذا فقس هذا النحو.
ومن ذلك أيضاً الاحبنطاء، لا يقال إلا احبنطيت، والاسلنقاء؛ لأنك لو أوقعت مكان في مكان الياء حرفاً سوى الياء لأوقعته بعد ألف، فكذلك جاءت الياء بعد ألف، فإنما تجيء على مثال الاستفعال.
ومما تعلم به أنه ممدود أن تجد المصدر مضموم الأول يكون للصوت، نحو: العواء والدُّعاء والزُّقاء، وكذلك نظيره من غير المعتل نحو: الصراخ والنُّباح، والبغام.
ومن ذلك أيضا البكاء وقال الخليل: الذين قصروه جعلوه كالحزن.
ويكون العلاج كذلك، نحو: النزاء. ونظيره من غير المعتل القماص، وقلَّما يكون ما ضم أوله من المصدر منقوصاً؛ لأن فعلاً لا تكاد تراه مصدراً من غير بنات الياء والواو.
ومن الكلام ما لا يقال له: مدَّ لكذا، كما أنك لا تقول: جراب وغراب لكذا، وإنَّما تعرفه بالسَّمع، فإذا سمعته علمت أنَّها ياء أو واو وقعت بعد ألف، نحو: السَّماء والرِّشاء والألاء والمقلاء.
ومما يعرف به الممدود الجمع الذي يكون عل مثال أفعلةٍ، فواحده ممدود أبداً نحو: أقبيةٍ واحدها قباء، وأرشية واحدها رشاء. وقالوا: ندىً وأندية. فهذا شاذ.
وكلّ جماعة واحدها قعلة أو فعلة فهي مقصورة نحو: عروةٍ وعرًى، وفريةٍ وفرًى.
هذا باب الهمز
اعلم أن الهمزة تكون فيها ثلاثة أشياء: التحقيق، والتخفيف، والبدل.
فالتحقيق قولك: قرأت، ورأس، وسأل، ولؤم، وبئس، وأشباه ذلك.
وأمّا التخفيف فتصير الهمزة فيه بين بين وتبدل، وتحذف، وسأبيّن ذلك إن شاء الله.
اعلم أن كلّ همزةٍ مفتوحة كانت قبلها فتحة فإنَّك تجعلها إذا أردت تخفيفها بين الهمزة والألف الساكنة وتكون بزنتها محققَّةً، غير أنَّك تضعف الصوت ولا تتمه وتخفي؛ لأنّك تقربّها من هذه الألف. وذلك قولك: سأل في لغة أهل الحجاز إذا لم تحقَّق كما يحقِّق بنو تميم، وقد قرأ قبل، بين بين.
وإذا كانت الهمزة منكسرة وقبلها فتحة صارت بين الهمزة والياء الساكنة كما كانت المفتوحة بين الهمزة والألف الساكنة. ألا ترى أنك لا تتم الصوت ههنا وتضعِّفه لأنَّك تقرِّبها من الساكن، ولولا ذلك لم يدخل الحرف وهن، وذلك قولك: يئس وسئم، وإذ قال ابراهيم وكذلك أشباه هذا.
وإذا كانت الهمزة مضمومة وقبلها فتحة صارت بين الهمزة والواو الساكنة. والمضمومة قصتها وقصّة الواو قصة المكسورة والياء، فكلّ همزة تقرَّب من الحرف الذي حركتها منه فإنّما جعلت هذه الحروف بين بين ولم تجعل ألفاتٍ ولا ياءات ولا واواتٍ؛ لأنَّ أصلها الهمز، فكرهوا أن يخففّوا على غير ذلك فتحوَّل عن بابها، فجعلوها بين بين ليعلموا أنَّ أصلها عندهم الهمز.
وإذا كانت الهمزة مكسورة وقبلها كسرة أو ضمة فهذا أمرها أيضاً، وذلك قولك: من عند إبلك ومرتع إبلك.
وإذا كانت الهمزة مضمومة وقبلها ضمّة أو كسرة فإنَّك تصيَّرها بين بين؛ وذلك قولك: هذا درهم أختك، ومن عند أمّك، وهو قول العرب وقول الخليل.
واعلم أنَّ كلّ همزة كانت مفتوحة وكان قبلها حرف مكسور فإنّك تبدل مكانها ياء التخفيف، وذلك قولك في المئر: مير، وفي يريد أن يقرئك يقريك. ومن ذلك: من غلام يبيك، إذا أردت من غلام أبيك.
وإن كانت الهمزة مفتوحة وقبلها ضمّة وأردت أن تخفف أبدلت مكانها واواً كما أبدلت مكانها ياء حيث كان ما قبلها مكسورا، وذلك قولك: في التؤدة تودة، وفي الجؤن جون، وتقول: غلام وبيك إذا إذا أردت غلام أبيك.
وإنما منعك أن تجعل الهمزة ههنا بين بين من قبل أنها مفتوحة، فلم تستطع أن تنحو بها نحو الألف وقبلها كسرة أو ضمّة، كما أن الألف لا يكون ما قبلها مكسوراً ولا مضموماً، فكذلك لم يجيء ما يقرب منها في هذه الحال.
ولم يحذفوا الهمزة إذا كانت لا تحذف وما قبلها متحرِّك، فلمَّا لم تحذف وما قبلها مفتوح لم تحذف وما قبلها مضموم أو مكسور، لأنَّه متحرِّك يمنع الحذف كما منعه المفتوح.
وإذا كانت الهمزة ساكنة وقبلها فتحة فأردت أن تخفِّف أبدلت مكانها ألفاً، وذلك قولك في رأسٍ وبأسٍ وقرأت: راس وباس وقرات.
وإن كان ما قبلها مضموما فأردت أن تخفِّف أبدلت مكانها واواً، وذلك قولك في الجؤنة والبؤس والمؤمن الجونة والبوس والمومن.


وإن كان ما قبلها مكسورا أبدلت مكانها ياء، كما أبدلت مكانها واواً إذا كان ما قبلها مضموما، وألفاً إذا كان ما قبلها مفتوحا، وذلك الذِّئب والمئرة: ذيب وميرة فإنّما تبدل مكان كلِّ همزة ساكنةٍ الحرف الذي منه الحركة التي قبلها؛ لأنَّه ليس شيء أقرب منه ولا أولى به منها.
وإنّما يمنعك أن تجعل هذه السواكن بين بين أنَّها حروف ميتة، وقد بلغت غايةً ليس بعدها تضعيف، ولا يوصل إلى ذلك ولا تحذف؛ لأنه لم يجيء أمر تحذف له السواكن، فألزموه البدل كما ألزموا المفتوح الذي قبله كسرة أو ضمّة البدل: وقال الراجز:
عجبت من ليلاك وانتيابها ... من حيث زراتني ولم أورا بها
خفّف: ولم أورأبها، لإأبدلوا هذه الحروف التي منها الحركات لأنها أخوات، وهي أمَّهات البدل والزوائد، وليس حرف يخلو منها أو من بعضها، وبعضها حركاتها. وليس حرف أقرب إلى الهمزة من الألف، وهي إحدى الثلاث، والواو والياء شبيهة بها أيضاً مع شركتهما أقرب الحروف منها. وسترى ذلك إن شاء الله.
واعلم أنَّ كل همزة متحرّكة كان قبلها حرف ساكن فأردت أن تخفّف حذفتها وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها. وذلك قولك: من بوك ومن مُّك وكم بلك، إذا أردت أن تخفِّف الهمزة في الأب والأم والإبل.
ومثل ذلك قولك ألحمر إذا أردت أن تخفف ألف الأحمر. ومثله قولك في المرأة: المرة، والكمأة: الكمة. وقد قالوا: الكماة والمراة ومثله قليل.
وقد قال الذين يخفِّفون: " ألا يسجدوا لله الَّذي يخرج الخب في السَّموات، حدثنا بذلك عيسى وإنَّما حذفت الهمزة ههنا لأنك لن ترد أن تتمّ وأردت إخفاء الصوت، فلم يكن ليلتقي ساكن وحرف هذه قصته كما لم يكن ليلتقي ساكنان. ألا ترى أنَّ الهمزة إذا كانت مبتدأةً محقَّقة في كل لغة فلا تبتدىء بحرف قد أوهنته؛ لأنَّه بمنزلة الساكن، كما لا تبتدىء بساكن. وذلك قولك: أمر. فكما لم يجز أن تبتدأ فكذلك لم يجز أن تكون بعد ساكن، ولم يبدلوا لأنَّهم كرهوا أن يدخلوها في بنات الياء والواو اللّتين هما لامان. فإنَّما تحتمل الهمزة أن تكون بين بين في موضع لو كان مكانها ساكنٌ جاز، ألاَّ الألف وحدها فإنه يجوز ذلك بعدها، فجاز ذلك فيها. ولا تبالي إن كانت الهمزة في موضع الفاء أو العين أو اللام، فهو بهذه المنزلة إلاّ في موضع لو كان فيه ساكنٌ جاز.
وممّا حذف في التخفيف لأنّ ما قبله ساكن قوله: أرى وترى ويرى ونرى، غير أنَّ كل شيء كان في أوله زائدةٌ سوى ألف الوصل من رأيت فقد اجتمعت العرب على تفيفه لكثرة استعمالهم إيّاه، جعلوا الهمزة تعاقب.
وحدثني أبو الخطاَّب أنه سمع من يقول: قد أرآهم، يجيء بالفعل من رأيت على الأصل، من العرب الموثوقون بهم.
وإذا اردت أن تخفِّف همزة ارأوه، تلقى حركة الهمزة على الساكن وتلقى ألف الوصل؛ لأنَّك استغنيت حين حرّكت الذي بعدها، لأنَّك إنما الحقت ألف الوصل للسكون. ويدّلك على ذلك: رذاك، وسل، خفّفوا ارأ واسأل.
وإذا كانت الهمزة المتحرّكة بعد ألف لم تحذف؛ لأنَّك لو حذقتها ثم فعلت بالألف ما فعلت بالسواكن التي ذكرت لك لتحولت حرفاً غيرها، فكرهوا أن يبدلوا مكان الألف حرفاً ويغيّروها؛ لأنَّه ليس من كلامهم أن يغيّروا السَّواكن فيبدلوا مكانها إذا كان بعدها همزة فخفّفوا، ولو فعلوا ذلك لخرج كلام كثير من حدِّ كلامهم؛ لأنه ليس من كلامهم أن تثبت الياء والواو ثانيةً فصاعداً وقبلها فتحة، إلاَّ أن تكون الياء أصلها السكون. وسنبين ذلك في بابه إن شاء الله.
والألف تحتمل أن يكون الحرف المهموز بعدها بين بين، لأنَّها مدٌّ، كما تحتمل أن يكون بعدها ساكن، وذلك قولك في هباءة: هباأة، وفي مسائل مسايل، وفي جزاء أمِّه: جزاؤ امِّه.


وإذ1 كانت الهمزة المتحركة بعد واو أو ياء زائدةٍ ساكنة لم تلحق لتلحق بناء ببناء، وكانت مدَّةً في الاسم والحركة التي قبلها منها بمنزلة الألف، أبدل مكانها واو إن كانت بعد واو، وياء إن كانت بعد ياء ولا تحذف فتحرِّك هذه الواو والياء فتصير بمنزلة ما هو من نفس الحرف، أو بمنزلة الزوائد التي مثل ما هو من نفس الحرف من الياءات والواوات. وكرهوا أن يجعلوا الهمزة بين بين بعد هذه الياءات والواوات إذ كانت الياء والواو الساكنة قد تحذف بعدها الهمزة المتحركة وتحرّك، فلم يكن بدٌّ من الحذف أو البدل، وكرهوا الحذف لئلاَّ تصير هذه الواوات والياءات بمنزلة ما ذكرنا، وذلك قولك في خطيئةٍ خطيَّة، وفي النَّسىء النَّسيٌّ يا فتى، وفي مقروء، ومقروءةٍ: هذا مقروٌّ، وهذه مقروّة، وفي أفيئس وهو تحقير أفؤسٍ أفيس، وفي بريئةٍ بريَّة، وفي سويئلٍ وهو تحقير سائلٍ سويِّل، فياء التحقير بمنزلة ياء خطيّةٍ وواو الهدوِّ، في أنَّها لم تجيء لتلحق بناء ببناء، ولا تحرَّك أبداً بمنزلة الألف. وتقول في أبي إسحاق وأبو إسحاق: أبيسحاق وأبو سحاق. وفي أبي أيُّوب وذو أمرهم: ذومرهم وأبي يُّوب، وفي قاضي أبيك: قاضي بيك، وفي يغزو أمَّه: يغزومَّه، لأنَّ هذه من نفس الحرف.
وتقول في حوأبةٍ: حوبة؛ لأنّ هذه الواو ألحقت بنات الثلاثة ببنان الأربعة، وإنما كواو جدولٍ. ألا تراها لا تغيّر إذا كسّرت للجمع تقول: حوائب، فإنَّما هي بمنزلة عين جعفرٍ.
وكذلك سمعنا العرب الذي يخففون يقولون: اتَّبعومره لأنّ هذه الواو ليست بمدَّة زائدة في حرف الهمزة منه، فصارت بمنزلة واو يدعو. وتقول: اتبَّعي مره، صارت كياء يرمي حيث انفصلت ولم تكن مدَّةً في كلمة واحدةٍ مع الهمزة؛ لأنَّها إذا كانت متَّصلة ولم تكن من نفس الحرف أو بمنزلة ما هو نفس الحرف، أو تجيء لمعنىً، فإنّما تجيء لمدَّةً لا لمعنى. وواو اضربوا واتبعوا، هي لمعنى الأسماء، وليس بمنزلة الياء في خطيئةٍ تكون في الكلمة لغير معنىً. ولا تجيء الياء مع المنفصلة لتلحق بناءً ببناء فيفصل بينها وبين ما لا يكون ملحقاً بناء ببناء.
فأمَّا الألف فلا تغيَّر على كلِّ حال؛ لأنها إن حرِّكت صارت غير ألف. والواو والياء تحرّكان ولا تغيَّران.
واعلم أنَّ الهمزة إنَّما فعل بها هذا من لم يخففها؛ لأنَّه بعد مخرجها، ولأنها نبرة في الصدَّر تخرج بالجتهادٍ، وهي أبعد الحروف مخرجاً، فثقل عليهم ذلك، لأنَّه كالتهُّوع.
واعلم أنَّ الهمزتين إذا التقتا وكانت كل واحدةً منهما من كلمة، فإنَّ أهل التحقيق يخفَّفون إحداهما ويستثقلون تحقيقهما لما ذكرت لك، كما استثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة. فليس كم كلام العرب أن تلتقي همزتان فتحققا، ومن كلام العرب تخفيف الأولى وتحقيق الآخرة، وهو قول ابي عمر. وذلك قولك: فقد جا أشراطها، ويا زكريَّا إنا نبشرك.
ومنهم من يحقِّق الأولى ويخفّف الآخرة، سمعنا ذلك من العرب، وهو قولك: فقد جاء أشراطها، ويا زكريَّا إنَّا. وقال:
كلَّ غرَّاء إذا ما برزت ... ترهب العين عليها والحسد
سمعنا من يوثق به من العرب ينشده هكذا وكان الخليل يستحب هذا القول فقلت له: لمه؟ فقال: إنيَّ رأيتهم حين أرادوا أن يبدلوا إحدى الهمزتين اللَّتين تلتقيان في كلمة واحدة أبدلوا الآخرة، وذلك: جاىءٍ وآدم. ورأيت أبا عمرو أخذ بهنَّ في قوله عزَّ وجلَّ: " يا ويلتا أللد وأنا عجوز " ، وحقق الأولى. وكلٌّ عربيّ. وقياس من خفّف الأولى أن يقول: يا ويلتا األد.
والمخفّفة فيما ذكرنا بمنزلتها محقّقة في الزِّنة، يدُّلك على ذلك قول الأعشى:
أأن رأت رجلاً أعشى أضرَّبه ... ريب المنون ودهر متبل خبل
فلو لم تكن بزنتها محقّقة لا نكسر البيت.
وأمَّا أهل الحجاز فيخفّفون الهمزتين؛ لأنّه لو لم تكن إلاّ واحدة لخفِّفت.


وتقول: اقرا آيةً في قول من خفف الأولى؛ لأنّ الهمزة الساكنة أبداً إذا خففت أبدل مكانها الحرف الذي منه حركة ما قبلها. ومن حقَّق الأولى، قال: اقرآية؛ لأنّك خففّت همزةً متحرّكة قبلها حرف ساكن، فحذفتها وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها. وأمّا أهل الحجاز فيقولون: اقرأ آيةً؛ لأن أهل الحجاز يخفّفونهما جميعاً يجعلون همزة اقرأ ألفاً ساكنة ويخفّفون همزة آية. ألا ترى أن لو لم تكن إلا همزة واحدة خفَّفوها، فكأنه قال: اقرا، ثمَّ جاء بآية ونحوهما.
وتقول: أقري باك السَّلام بلغة أهل الحجاز؛ لأنهم يخففَّونهما. فإنما قلت أقري ثمَّ جئت بالأب فحذفت الهمزة وألقيت الحركة على الياء.
وتقول فيهما إذا خففت الأولى في فعل أبوك من قرأت: قرا أبوك، وإن خففت الثانية قلت: قرأ ابوك محققةٌ. والمخففة بونتها محققةً، ولولا ذلك لكان هذا البيت منكسراً إن خففت الأولى أو الآخرة:
كلُّ غرّاء إذا ما برزت
ومن العرب ناس يدخلون بين الف الاستفهام وبين الهمزة ألفاً إذا التقتا، وذلك أنهم كرهوا التقاء همزتين ففصلوا، كما قالوا: اخشينان ففصلوا بالألف كراهية التقاء هذه الحروف المضاعفة. قال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍ ... وبين النَّقا آأنت أم أمُّ سالم
فهؤلاء أهل التحقيق. وأمَّا أهل الحجاز فمنهم من يقول: آأنّك وآأنت، وهي التي يختار أبو عمرو، وذلك لأنهم يخففون الهمزة والذي كما يخفف بنو تميم في اجتماع الهمزتين فكرهوا التقاء الهمزة والذي هو بين بين فأدخلوا الألف كما أدخلته بنو تميم في التحقيق.
ومنهم من يقول: إن بني تميم الذين يدخلون بين الهمزة وألف الاستفهام ألفاً، وأمَّا الذين لا يخففون الهمزة فيحققونهما جميعاً ولا يدخلون بينهما ألفاً. وإن جاءت ألف الاستفهام وليس قبلها شيء لم يكن من تحقيقها بدٌّ وخفَّفوا الثانية على لغتهم.
واعلم أن الهمزتين إذا التقتا في كلمة واحدة لم يكن بدٌّ من بدل الآخرة، ولا تخفف لأنهما إذا كانتا في حرف واحد لزم التقاء الهمزتين الحرف.
وإذا كانت الهمزتان في كلمتين فإنّ كلّ واحدة منهما قد تجرى في الكلام ولا تلزق بهمزتها همزة، فلما كانتا لا تفارقان الكلمة كانتا أثقل، فأبدلوا من إحداهما ولم يجعلوها في الاسم الواحد والكلمة الواحدة بمنزلتهما في كلمتين. فمن ذلك قولك في فاعلٍ من جئت جاىءٍ، أبدلت مكانها الياء لأنّ ما قبلها مكسور، فأبدلت مكانها الحرف الذي منه الحركة التي قبلها، كما فعلت ذلك بالهمزة الساكنة حين خففّت.
ومن ذلك أيضاً: آدم، أبدلوا مكانها الألف؛ لأن ما قبلها مفتوح وكذلك لو كانت متحركة لصيّرتها ألفاً كما صيرت همزة جاىءٍ ياءً وهي متحركة للكسرة التي قبلها.
وسألت الخليل عن فعللٍ من جئت فقال: جيأي، وتقديرها جميعاً، كما ترى.
وإذا جمعت آدم قلت: أوادم، كما إذا حقرت قلت: أويدم؛ لأنّ هذه الألف لمّا كانت ثانية ساكنة وكانت زائدة؛ لأنّ البدل لا يكون من انفس الحروف، فأرادوا أن يكسِّروا هذا الاسم الذي ثبتت فيه هذه الألف - صيّروا ألفه بمنزلة ألف خالد.


وأمَّا خطايا فكأنَّهم قلبوا ياء أبدلت من آخر خطايا ألفاً؛ لأنَّ ما قبل آخرها مكسور، كما أبدلوا ياء مطاياً ونحوها ألفاً، وأبدلوا مكان الهمزة التي قبل الآخر ياءً، وفتحت للألف، كما فتحوا راء مداري، فرقوا بينها وبين الهمزة التي تكون من نفس الحرف، أو بدلاً مما هو من نفس الحرف، نحو فعالٍ من برئت إذا قلت: رأيت براءً، وما يكون بدلاً من نفس الحرف قضاء، إذا قلت: رأيت قضاءً، وهو فعال من قضيت، فلمَّا أبدلوا من الحرف الآخر ألفاً استثقلوا همزةً بين ألفين، لقرب الألفين من الهمزة. ألا ترى أنَّ أناساً يحقِّقون الهمزة، فإذا صارت بين ألفين خفِّفوا، وذلك قولك: كساءان، ورأيت كساءً، وأصبت هناءً، فيخفّفون كما يخفّفون إذا التقت الهمزتان؛ لأنّ الألف أقرب الحروف إلى الهمزة. ولا يبدلون؛لأن الاسم قد يجري في الكلام ولا تلزق الألف الآخرة بهمزتها، فصارت كالهمزة التي تكون في الكلمة على حدة، فلمَّا كان ذا من كلامهم أبدلوا مكان الهمزة التي قبل الآخرة ياءً، ولم يجعلوها بين بين، لأنَّها والألفين في كلمة واحدة، ففعلوا هذا إذ كان من كلامهم، ليفرقوا بين ما فيه همزتان إحداهما بدل من الزائدة، لأنها أضعف - يعني همزة خطايا - وبين ما فيه همزتان إحداهما بدل من مما هو من نفس الحرف. إنما تقع إذا ضاعفت، وسترى ذلك في باب الفعل إن شاء الله.
واعلم أن الهمزة التي يحقِّق أمثالها أهل التحقيق من بني تمبم وأهل الحجاز وتجعل في لغة أهل التخفيف بين بين، تبدل مكانها الألف إذا كان ما قبلها مفتوحاً، والياء إذا كان ما قبلها مكسوراً، والواو إذا كان ما قبلها مضموما. وليس ذا بقياس متلئبٍّ، نحو ما ذكرنا. وإنَّما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشيء الذي تبدل التَّاء من واوه، نحو أتلجت، فلا يجعل قياساً في كلّ شيءٍ من هذا الباب، وإنَّما هي بدل من واو أولجت.
فمن ذلك قولهم: منساة، وإنَّما اصلها منسأة. وقد بجوز في ذا كلّه البدل حتَّى يكون قياساً متلئباً، إذا اضطر الشاعر: قال الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال عشيَّةً ... فارعي فزارة لا هناك المرتع
فأبدل الألف مكانها. ولو جعلها بين بين لانكسر البيت.
وقال حسان:
سألت هذيل رسول الله فاحشةً ... ضلَّت هذيل بما جاءت ولم تصب
وقال القرشيّ، زيد بن عمرو بن نفيل:
سالتا الطَّلاق أن رأتاني ... قلَّ مالي، قد جئتماني بنكر.
فهؤلاء ليس من لغتهم سلت ولا يسال.
وبلغنا أن سلت تسال لغة.
وقال عبد الرحمن بن حسّان:
وكنت أذلَّ من وتدٍ بقاعٍ ... يشجّج رأسه بالفهر واجي
يريد: الواجىء وقالوا: نبيٌّ وبريّةٌ، فألزموا أهل التحقيق البدل. وليس كلُّ شيء نحوهما يفعل به ذا، إنّما يؤخذ بالسمع. وقد بلغنا أنَّ قوماً من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحقّقون نبيْ وبريئة، وذلك قليل رديء. فالبدل ههنا كالبدل في منساةٍ وليس بدل التخفيف، وإن كان اللفظ واحداً.
واعلم أنَّ العرب منها من يقول في أو أنت: أو أنت، يبدل. ويقول: أنا أرميّ باك، وأبوَّ يُّوب يريد أبا أيُّوب، وغلاميَّ بيك. وكذلك المنفصلة كلُّها إذا كانت الهمزة مفتوحة.
وإن كانت في كلمة واحدة نحو سوأةٍ وموألةٍ، حذفوا فقالوا: سوة ومولة. وقالوا في حوأبٍ: حوب؛ لأنَّه بمنزلة ما هو من نفس الحرف. وقد قال بعض هؤلاء: سوَّة وضوٌّ، شبّهوه بأوّنت.
فإن خفّفت أحلبني إبلك في قولهم، وأبو أمِّك، لم تثقل الواو كراهيةً لاجتماع الواوات والياءات والكسرات. تقول: أحلبني بلك وأبومِّك. وكذلك أرمي مَّك وادعو بلكم. يخفِّفون هذا حيث كان الكسر، والياءات مع الضمّ، والواوات مع الكسر. والفتح أخفُّ عليهم في الياءات والواوات. فمن ثمّ فعلوا ذلك.
ومن قال: سوة قال: مسوٌّ وسيَّ. وهؤلاء يقولون: أنا ذونسه، حذفوا الهمزة ولم يجعلوها همزةً تحذف وهي مما تثبت.
وبعض هؤلاء يقولون: يريد أن يجييك ويسوك، وهو يجيك ويسوك يحذف الهمزة. ويكره الضمُّ مع الواو والياء، وعلى هذا تقول: هو يرم خوانه، تحذف الهمزة ولا تطرح الكسرة على الياء لما ذكرت لك، ولكن تحذف الياء لالتقاء الساكنين.
باب الأسماء التي توقع على عدّة المؤنَّث
والمذكَّر لتبيِّن ما العدد إذا جاوز الاثنين والثِّنتين إلى أن تبلغ
تسعة عشر وتسع عشرة


اعلم أنَّ ما جاوز الاثنين إلى العشرة مما واحده مذكر فإنّ الأسماء التي تبين بها عدّته مؤنَّثة فيها الهاء التي هي علامة التأنيث. وذلك قولك: له ثلاثة بنين، وأربعة أجمالٍ، وخمسة أفراسٍ إذا كان الواحد مذكَّراً، وستَّة أحمرة. وكذلك جميع هذا تثبت فيه الهاء حتى تبلغ العشرة.
وإن كان الواحد مؤنثاً فإنَّك تخرج هذه الهاءات من هذه الأسماء وتكون مؤنَّثة ليست فيها علامة التأنيث. وذلك قولك: ثلاث بناتٍ، وأربع نسوةٍ، وخمس أينقٍ، وستُّ لبنٍ، وسبع تمراتٍ، وثماني بغلاتٍ. وكذلك جميع هذا حتَّى تبلغ العشر.
فإذا جاوز المذكَّر العشرة فزاد عليها واحداً قلت: أحد عشر، كأنَّك قلت: أحد جمل. وليست في عشر ألف، وهما حرفان جعلا اسماً واحداً، ضمّوا أحد إلى عشر ولم يغيَّروا أحد عن بنائه الذي كان عليه مفرداً حين قلت: له أحد وعشرون عاماً، وجاء الآخر على غير بنائه حين كان منفرداً والعدد لم يجاوز عشرة.
وإن جاوز المؤنَّث العشر فزاد واحداً قلت: إحدى عشرة بلغة بني تميم، كأنما قلت: إحدى نبقة. وبلغة أهل الحجاز: إحدى عشرة، كأنما قلت: إحدى تمرة. وهما حرفان جعلا اسماً واحداً ضمُّوا إحدى إلى عشرة ولم يغيّروا إحدى عن حالها منفردةً حين قلت: له إحدى وعشرون سنةً.
فإن زاد المذكَّر واحداً على أحد عشر قلت: له اثنا عشر، وإنَّ له اثنى عشر، لم تغيّر الاثنين عن حالهما إذا ثنيت الواحد، غير أنّك حذفت النون لأنَّ عشر بمنزلة النون، والحرف الذي قبل النون في الاثنين حرف إعراب، وليس كخمسة عشر. وقد بيَّنا ذلك فيما ينصرف ولا ينصرف.
وإذا زاد المؤَّنث واحدا على إحدى عشرة قلت: له ثنتا عشرة واثنتا عشرة، وإن له ثنتي عشرة واثنتي عشرة. وبلغة أهل الحجاز: عشرة. ولم تغيّر الثّنتين عن حالهما حين ثنَّيت الواحدة، إلاّ أنَّ النون ذهبت، هنا كما ذهبت في الاثنين؛ لأنّ قصَّة المذكّر والمؤنَّث سواء. وبني الحرف الذي بعد إحدى وثنتين على غير بنائه والعدد لم يجاوز العشر، كما فعل ذلك بالمذكّر.
وقد يكون اللفظ له بناء في حالٍ فإذا انتقل عن تلك الحال تغيَّر بناؤه. فمن ذلك تغييرهم الاسم في الإضافة، قالوا في الأفق أفقيٌّ، وفي زبينة زبانيٌّ. ونحو هذا كثير في الإضافة، وقد بينَّاه في بابه.
وإذا زاد العدد واحداً على اثنى عشر فإن الحرف الأول لا يتغير بناؤه عن حاله وبنائه حيث لم تجاوز العدَّة ثلاثةً، والآخر بمنزلته حيث كان بعد أحدٍ واثنين. وذلك قولك: له ثلاثة عشر عبداً، وكذلك ما بين هذا العدد إلى تسعة عشر. وإذا زاد العدد واحدا فوق ثنتي عشرة فالحرف الأول بمنزلته حيث لم تجاوز العدَّة ثلاثاً، والآخر حيث كان بعد إحدى وثنتين، وذلك قولك: ثلاث عشرة جارية وعشرة بلغة أهل الحجاز. وكذلك ما بين هذه العدَّة إلى تسع عشرة. ففرقوا ما بين التأنيث والتذكير، في جميع ما ذكرنا من هذا الباب.
باب ذكرك الاسم الذي به تبين العدة
كم هي مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ فبناء الاثنين وما بعده إلى العشرة فاعل، وهو مضاف إلى الاسم الذي به يبيَّن العدد. وذلك قولك: ثاني اثنين. قال الله عزَّ وجلّ: " ثاني اثنين إذ هما في الغار " ، و " ثالث ثلاثةٍ " ، وكذلك ما بعد هذا إلى العشرة.
وتقول في المؤنث ما تقول في المذكر، إلاَّ أنّك تجيء بعلامة التأنيث في فاعلة وفي ثنتين واثنتين، وتترك الهاء في ثلاثٍ وما فوقها إلى العشر.
وتقول: هذا خامس أربعةٍ؛ وذلك أنَّك تريد أن تقول: هذا الذي خمس الأربعة، كما تقول: خمستهم وريعتهم. وتقول في المؤنَّث: خامسة أربعٍ، وكذلك جميع هذا من الثلاثة إلى العشرة. إنَّما، تريد هذا الذي صيَّر أربعةً خمسةً. وقلما تريد العرب هذا وهو قياس. ألا ترى أنك لا تسمع أحداً يقول: ثنيت الواحد ولا ثاني واحدٍ.
وإذا أردت أن تقول في أحد عشر كما قلت خامس قلت: حادي عشر، وتقول: ثاني عشر، وثالث عشر. وكذلك هذا، إلى أن تبلغ تسعة عشر. ويجري مجرى خمسة عشر في فتح الأوّل والآخر، وجعلا بمنزلة اسم واحد كما فعل ذلك بخمسة عشر. وعشر في هذا أجمع بمنزلته في خمسة عشر.
وتقول في المؤنث كما تقول في المذكر، إلا أنَّك تدخل في فاعلة علامة التأنيث، وتكون عشرة بعدها بمنزلتها في خمس عشرة. وذلك قولك حادية عشرة وثانية عشرة وثالثة عشرة، وكذلك جميع هذا إلى أن تبلغ تسع عشرة.


ومن قال: خامس خمسةٍ قال: خامس خمسة عشر، وحادي أحد عشر. وكان القياس أن تقول: حادي عشر وخامس عشر لأن حادي عشر وخامس عشر بمنزله خامسٍ وسادسٍ، ولكنه يعني حادي ضمّ إلى عشر، بمنزلة حضرموت. قال: تقول حادي عشر فتبينه وما أشبهه كما قلت: أحد عشر وما أشبهه.
فإن قلت: حادي أحد عشر فحادي وما أشبهه يرفع ويجرُّ ولا يبني؛ لأنَّ أحد عشر وما أشبهه مبنيّ، فإن بنيت حادي وما أشبهه معها صارت ثلاثة أشياء اسماً واحداً.
وقال بعضهم: تقول ثالث عشر ثلاثة عشر ونحوه. وهو القياس، ولكنّه حذف استخفافاً؛ لأنَّ ما ابقوا دليل على ما ألقوا، فهو بمنزلة خامس خمسة في أنَّ لفظ أحد عشلا كما أن في خامس لفظٍ خمسةٍ لمّا كان من كلمتين ضمّ أحدهما إلى الآخر، وأجرى مجرى المضاف في مواضع، صار بمنزلة قولهم حادي عشر بمنزلة خامس خمسةٍ ونحوه. وإنما حادي عشر بمنزلة خامسٍ. وليس قولهم ثالث ثلاثة عشر في الكثرة كثالث ثلاثة؛ لأنّهم قد يكتفون بثالث عشر.
وتقول: هذا حادي أحد عشر إذا كنّ عشر نسوة معهن رجل؛ لأنَّ المذكّر يغلب المؤنّث. ومثل ذلك قولك: خامس خمسةٍ إذا كن أربع نسوةٍ فيهن رجل، كأنك قلت: هو تمام خمسةٍ.
وتقول: هو خامس اربعٍ إذا أردت أنه صيّر أربع نسوةٍ خمسةً. ولا تكاد العرب تكلَّم به كما ذكرت لك.
وعلى هذا تقول: رابع ثلاثة عشر، كما قلت: خامس أربعة عشر.
وأمَّا بضعة عشر فبمنزلة تسعة عشر في كلّ شيء، وبضع عشرة كتسع عشرة في كل شيء.
باب المؤنث الذي يقع على المؤنث والمذكر
وأصله التأنيث
فإذا جئت بالأسماء التي تبيَّن بها العدّة أجريت الباب على التأنيث في التثليث إلى تسع عشرة. وذلك قولك: له ثلاث شياه ذكور، وله ثلاث من الشّاء، فأجريت ذلك على الأصل؛ لأنّ الشاء أصله التأنيث وإن وقعت على المذكر، كما أنك تقول: هذه غنم ذكور، فالغنم مؤنّثة وقد تقع على المذكّر.
وقال الخليل: قولك: هذا شاة بمنزلة قوله تعالى: " هذا رحمة من ربِّي " .
وتقول: له خمسة من الإبل ذكور وخمس من الغنم ذكور؛ من قبل أن الإبل والغنم اسمان مؤنّثان كما أنّ ما فيه الهاء مؤنّث الأصل وإن تثليثهما وقع على المذكّر، فلمّا كان الإبل والغنم كذلك جاء تثلثيهما على التأنيث؛ لأنَّك إنَّما أردت التثليث من اسم مؤنث بمنزلة قدمٍ، ولم يكسَّر عليه مذكر للجميع فالتثليث منه كتثليث ما فيه الهاء، كأنَّك قلت: هذه ثلاث غنم. فهذا يوضح لك وإن كان لا يتكلَّم به، كما تقول: ثلثمائة فتدع الهاء لأن المائة أنثى.
وتقول: له ثلاث من البطِّ؛ لأنّك تصيّره إلى بطّةٍ. وتقول: له ثلاثة ذكور من الإبل؛ لأنَّك لم تجيء بشيء من التأنيث، وإنّما ثلّثت المذكَّر ثم جئت بالتفسير. فمن الإبل لا تذهب الهاء كما أنَّ قولك ذكور بعد قولك من الإبل لا تثبت الهاء.
وتقول: ثلاثة أشخص وإن عنيت نساءً؛ لأنَّ الشخص اسم مذكّر. ومثل ذلك ثلاث أعينٍ وإن كانوا رجالاً، لأنَّ العين مؤنَّثة. وقالوا: ثلاثة أنفسٍ لأنَ النفس عندهم إنسان. ألا ترى أنهم يقولون: نفس واحد فلا يدخلون الهاء. وتقول: ثلاثة نسَّابات؛ وهو قبيح، وذلك أن النَّسَّابة صفة فكأنه لفظ بمذكّر ثم وصفه ولم يجعل الصفة تقوى قوة الاسم، فإنَّما تجيء كأنك لفظت بالمذكَّر ثم وصفته كأنَّك قلت: ثلاثة رجالٍ نسٍّاباتٍ.
وتقول: ثلاثة دوابّ إذا أردت المذكر لأنَّ أصل الدابّة عندهم صفة، وإنما هي من دببت، فأجروها على الأصل وإن كان لا يتكلم بها إلاَّ كما يتكلم بالأسماء، كما أنَّ أبطح صفة واستعمل استعمال الأسماء.
وتقول: ثلاث أفراسٍ إذا أردت المذكّر؛ لأنَّ الفرس قد ألزموه التأنيث وصار في كلامهم للمؤنّث أكثر منه للمذكّر، حتَّى صار بمنزلة القدم، كما أنَّ النَّفس في المذكّر أكثر.


وتقول: سار خمس عشرة من بين يومٍ وليلةٍ؛ لأنّك ألقيت الاسم على اللّيالي ثم بينت فقلت: من بين يومٍ وليلةٍ. ألا ترى أنك تقول: لخمسٍ بقين أو خلون ويعلم المخاطب أنَّ الأيام قد دخلت في الليالي فإذا ألقى الاسم على الليالي اكتفى بذلك عن ذكر الأيام، كما أنّه يقول: أتيته ضحوة وبكرة فيعلم المخاطب أنَّها ضحوة يومك وبكرة يومك. وأشباه هذا في الكلام كثير، فإنَّما قوله من بين يومٍ وليلةٍ توكيد بعد ما وقع على الليالي؛ لأنه قد علم أنَّ الأيام داخلة مع الليالي. وقال الشاعر، وهو النابغة الجعديّ:
فطافت ثلاثاً بين يوم وليلةٍ ... يكون النَّكير أن تضيف وتجأرا
وتقول أعطاه خمسة عشر من بين عبدٍ وجاريةٍ، لا يكون في هذا إلاّ هذا؛ لأنَّ المتكلم لا يجوز له أن يقول: خمسة عشر عبداً فيعلم أنَّ ثمَّ من الجواري بعدّتهم ولا خمس عشرة فيعلم أن ثم من العبيد بعدتهن فلا يكون هذا إلا مختلطاً يقع عليهم الاسم الذي بيِّن به العدد.
وقد يجوز في القياس: خمسة عشر من بين يومٍ وليلةٍ. وليس بحدّ كلام العرب.
وتقول: ثلاث ذودٍ؛ لأنَّ الذَّود أنثى وليست باسم كسّر عليه مذكّر.
وأما ثلاثة أشياء فقالوها: لأنهم جعلوا أشياء بمنزلة أفعالٍ لو كسّروا عليها فعل، وصار بدلاً من أفعالٍ.
ومثل ذلك قولهم: ثلاثة رجلةٍ؛ لأنَّ رجلة صار بدلاً من أرجال.
وزعم الخليل أن اشياء مقلوبة كقسيٍّ، فكذلك فعل بهذا الذي هو في لفظ الواحد ولم يكسَّر عليه الواحد.
وزعم يونس عن رؤية أنه قال: ثلاث أنفسٍ، على تأنيث النَّفس، كما يقال: ثلاث أعين للعين من الناس، زكما قالوا: ثلاث أشخصٍ في النساء. وقال الشاعر، وهو رجل من بني كلاب:
وإنَّ كلاباً هذه عشر أبطنٍ ... وأنت بريء من قبائلها العشر
وقال القتَّال الكلابي:
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسَّبع خير من ثلاثٍ وأكثر
فأنَّث أبطنا إذ كان معناها القبائل. وقال الآخر، وهو الحطيئة:
ثلاثة أنفسٍ وثلاث ذودٍ ... لقد جار الزمان على عيالي
وقال عمر بن أبي ربيعة:
فكان نصيري دون من كنت أتقَّى ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فأنث الشَّخص إذ كان في معنى أنثى.
باب ما لا يحسن أن تضعف إليه الأسماء
التي تبين بها العدد إذا جاوزت الاثنين إلى العشرة وذلك الوصف تقول: هؤلاء ثلاثة قرشيون، وثلاثة مسلمون، وثلاثة صالحون. فهذا وجه الكلام، كراهية أن تجعل الصفة كالاسم، إلاّ أن يضطر شاعر. وهذا يدلّك على أنَّ النسَّابات إذا قلت: ثلاثة نسَّابات إنّما يجيء كأنه وصف المذكَّر؛ لأنَّه ليس موضعاً تحسن فيه الصفة، كما يحسن الاسم، فلمّا لم يقع إلاّ وصفاً صار المتكلم كأنه قد لفظ بمذكَّرين ثم وصفهم بها. وقال الله جلّ ثناؤه: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " .
باب تكسير الواحد للجمع
أما ما كان من الأسماء على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فإنَّك إذا ثلّثته إلى أن تعشّره فإن تكسيره أفعل وذلك قولك: كلب وأكلب ، وكعب وأكعب، وفرخ وأفرخ، ونسر وأنسر.
فإذا جاوز العدد هذا فانَّ البناء قد يجيء على فعال وعلى فعول وذلك قولك: كلاب وكباش وبغال وأما الفعول فنسور وبطون. وربما كانت فيه اللغتان فقالوا فعول فعال، وذلك قولهم: فروخ وفراخ،وكعوب وكعاب وفحول وفحال.
وربما جاء فعيلاً، وهو قليل نحو: الكليب والعبيد والمضاعف يجري هذا المجرى، وذلك قولك:ضب وأضب وضباب، كما قلت: كلب وأكلب وكلاب، وصك وأصك وصكاك وصكوك، كما قالوا:فرخ وأفرخ وفروخ،وبتٌّ وأبت وبتوت وبتات.والياء والواو بتلك المنزلة تقول:ظبي وظبيان وأظب وظباء، كما قالوا:كلب وكلبان وأكلب وكلاب، ودلو ودلوان وأدل ودلاء، وثدي وثديان وأثد وثديٌّ،كما قالوا:أصقر وصقور.ونظير فراخ وفروخ قولهم:الدِّلاء والدُّلُّى.
وأعلم أنه قد يجئ في فعل أفعال مكان أفعل، قال الشاعر، الأعشى:
وجدت إذا اصطلحوا خيرهم ... وزندك أثقب أزنادها
وليس ذلك بالباب في كلام العرب.ومن ذلك قولهم:أفراخ وأجداد وأفراد،وأجدٌّ عربيّة وهي الأصل.ورأد وأرآد، والرأد:أصل اللحيين.
وربّما كسّر الفعل على فعلة كما كسّر على فعال وفعول، وليس ذلك بالأصل.وذلك قولهم:جبءٌ وهو الكمأة الحمراء وجبأة، وفقع وفقعة وقعب وقعبة.


وقد يكسّر على فعولة وفعالة، فيلحقون هاء التأنيث البناء وهو القياس أن يكسّر عليه.وزعم الخليل أنَّهم إنما أرادوا أن يحقّقوا التأنيث.و00ذلك نحو الفحالة والبعولة والعمومة.والقياس في فعل ما ذكرنا، وأمّا ما سوى ذلك فلا يعلم إلا بالسمع ثم تطلب النظائر كما أنًّك تطلب نظائر الأفعال هاهنا فتجعل نظير الأزناد قول الشاعر، وهو الأعشى:
إذا روَّح الرّاعي الَّلقاح معزِّباً ... وأمست على آنافها عبراتها.
وقد يجيء،خمسة كلاب، يرادبه خمسة من الكلاب، كما تقول:هذا صوت كلابِِ، أي هذا من هذا الجنس.وكما تقول:هذا حبُّ رمَّان.وقال الراجز:
كأنّ حصييه من التدلدل ... ظرف عجوزِِ فيه ثنتا حنظل
وقال الآخر:
قد جعلت ميٌّ على الظِّرار ... خمس بنانِِ قانىء الأظفار
وما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فانك إذا كسّرته لأدنى العدد بنيته على أفعال.وذلك قولك:جملٌ واجمال، وجبل وأجبال، وأسد وآساد.فإذا جاوزوا به أدنى العدد فإنه يجيء على فعال وفعول فأما الفعال فنحو جمال وأما الفعول فنحو أسود وذكور والفعال في هذا أكثر.
وقد يجيء إذا جاوزوا به أدنى العدد على فُعلان وفِعلانِ ِفأما فعلانٌ فنحو:خربانِِ وبرقانِِ وورلانِِ.وأمّا فعلان فنحو:حملانِِ وسلقانِِ.فإذا تجاوز أدنى العدد قلت:أبراقٌ وأحمالٌ وأورالٌ وأخرابٌ، وسلقٌ وأسلاقٌ.
وربّما جاء الأفعال يستغنى به أن يكسّر الاسم على البناء الذي هو لأكثر العدد، فيعنى به ما عني بذلك البناء من العدد.وذلك نحو:قتب وأقتابِِ، ورسنِِ وأرسانِِ.ونظير ذلك من باب الفعل الأكفُّ والأرآد.
وقد يجيء الفعل فعلاناً، وذلك قولك:ثغبٌ وثغبانٌ.والثَّغب:الغدير.وبطنٌ وبطنانٌ وظهرٌ وظهرانٌ.
وقد يجيء على فعلان وهو أقلُّهما نحو:حجلِِ وحجلانِِ، ورألِِ ورئلانِِ، وجحشِِ وجحشانِِ، وعبدِِ وعبدانِِ.
وقد يلحقون الفعال الهاء، كما ألحقوا الفعال التي في الفعل.وذلك قولهم في جملِِ:جمالةٌ، وحجرِِ:حجارةٌ،وذكرِِ:ذكارةٌ، وذلك قليل. والقياس على ما ذكرنا.
وقد كُسّر على فُعل، وذلك قليل،كما أنَّ فعلةً في باب فعلِِ قليل، وذلك نحو:أسدِِ وأُسدِِ، ووثنِِ،بلغنا أنها قراءة.وبلغني أن بعض العرب يقول:نصفٌ ونُصفٌ.
وربما كُسّروا فعلاَ على أفعل كما كسّروا فعلاً على أفعال،وذلك قولك:زمنٌ وأزمنٌ.وبلغنا أنَّ بعضهم يقول:جبلٌ وأجبلٌ.وقال الشاعر، وهو ذو الرّمة:
أمنزلتي ميِّ سلامٌ عليكما ... هل الأزمن الَّلائي مضين رواجع.
وبنات الياء والواو تُجرى هذا المجرى،قالوا:قفاً وأقفاء وقُفيٌّ، وعصى وعصيٌّ،وصفا وأصفاءٌ وصفيٌّ، كما قالوا:آسادٌ وأسودٌ،وأشعارٌ وشعورٌ.وقالوا:رحىً وأرحاءٌ فلم يكسّروها على غير ذلك،كما لم يكسّروا الأرسان والأقدام على غير ذلك،ولو فعلو كان قياساً ولكني لم أسمعه.
وقالوا:عصىً وأعصِِ، كما قالوا:أزمن.وقالوا:عصيٌّ كما قالوا:أسودٌ، ولا نعلمهم قالوا:أعصاء،جعلوا أعص بدلاً من أعصاء وجعلوا هذا بدلاً منها.وتقول في المضاعف:لببٌ وألبابٌ،ومددٌ وأمدادٌ،وفنن وأفنان،ولم يجاوزوا الأفعال كما لم يجاوزوا الأقدام والأرسان والأغلاق.
والثبات في باب فعلِِ على الأفعال أكثر من الثَّبات في باب فعلِِ على الأفعل.
فان بني المضاعف على فعالِِ أو فعولِِ أو فِعلانِِ أو فُعلان فهو القياس على ما ذكرنا، كما جاء المضاعف في باب فعلِِ على قياس غير المضاعف.فكلُّ شيءِِ دخل المضاعف مما دخل الأوّل فهو له نظير.
وقالوا:الحجار فجاءوا به على الأكثر والأقيس، وهو في الكلام قليل.
قال الشاعر:
كأنَّها من حجار الغيل ألبسها ... مضارب الماء لون الطُّحلب الَّّلزب.


وما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فانّما تكسّره من أبنية أدنى العدد على أفعال.وذلك نحو:كتفِِ،وأكتافِِ وكبدِِ وأكبادِِ وفخذِِ وأفخاذِِ، ونمرِِ وأنمارِِ.وقلََّما يجاوزون به؛لأنَّ هذا البناء نحو كتفِِ أقلُُّ من فعل بكثير، كما أن فعلاً أقلّ من فعلِِ.ألا ترى أنّ ما لزم منه بنا الأقلّ أكثر فلم يفعل به ما فُعل بفعلِِ إذ لم يكن كثيراً مثله،كما لم يجيء في مضاعف فعلِِ ما جاء في مضاعف فعلِِ لقلَّته.ولم يجيء في بنات الياء والواو من فعلِِ جميع ما جاء في بنات الياء والواو من فعل لقلَّتها، وهي على ذلك أكثر من المضاعف.وذلك أنَّ فعلاًً اكثر من فعل.وقد قالوا:النُّمور والوعول، شبّهوها بالأسود.وهذا النحو قليل؛فلمَّا جاز لهم أن يثبتوا في الأكثر على أفعالِِ كانوا له في الأقل ألزم.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فهو بمنزلة الفعل، وهو أقلّ وذلك قولك:قمعٌ وأقماعٌ، ومعاً وأمعاءٌ، وعنبٌٌ وأعنابٌ، وضلعٌ وأضلاعٌ،وارمٌ وآرامٌ.وقد قالوا:الضُّلوع والأروم كما قالوا النُّمور.وقد قال بعضهم:الأضلع، شبَّهها بالأزمن.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فهو كفعلِِ وفعلِِ، وهو أقلّ في الكلام منهما، وذلك قولك:عجزٌ وأعجازٌ، وعضدٌ وأعضادٌ.وقد بني على فعال قالوا: أرجلٌ ورجالٌ، وسبعٌ وسباعٌ، جاءوا به على فعال كما جاءوا بالصلع على فعول وفعال ومفعول أختان وجعلوا أمثلته على بناء لم يكسَّر عليه واحده.وذلك قولهم: ثلاثة رجلةِِ،واستغنوا بها عن أرجال.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فهو بمنزلة الفعل؛لأنه قليلٌ مثله، وهو قولك:عنقٌ وأعناقٌ،وطنبٌ وأطنابٌ، وأُذُنٌ وآذانٌ.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان فُعلاً فانَّ العرب تكسّره على فعلانِِ، وان أرادوا أدنى العدد لم يجاوزوه واستغنوا به كما استغنوا بأفعل وأفعال فيما ذكرت لك فلم يجاوزه في القليل والكثير.وذلك قولك:صردٌ وصردانٌ، ونغرٌ ونِغرانٌ، وجُعلٌ وجِعلانٌ، وخُززٌ وخزَّّانٌ.وقد أجرت العرب شيئاً منه مجرى فعلِِ،وهو قولهم:ربعٌ وأرباعٌ، ورطبٌٌ وأرطابٌ، كقولك:جملٌ وأجمالٌ.
وقد جاء من الأسماء اسم واحد على فعلِِ لم نجد مثله،وهو ابل، وقالوا:آبالٌ،كما قالوا:أكتاف.فهذه حال ما كان على ثلاثة أحرف وتحركت حروفه جُمع.وقال الراجز:
فيها عياييل أسودٌ ونمر.
ففعل به ما فعل بالأسد حين قال:أُسدٌ.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فانه إذا كُسّر على ما يكون لأدنى العدد كُسّر على أفعالِِ، ويجاوزون به بناء أدنى العدد فيكسّر على فعولِِ وفعالِِ والفعول فيه أكثر.فمن ذلك قولهم:حملٌ وأحمالٌٌ وحمولٌ، وعدلٌ وأعدالٌ وعدولٌ، وجذعٌ وأجذاعٌ وجذوعٌ، وعرقٌ وأعراقٌٌ وعروقٌ، عذقٌ وأعذاقٌ وعذوقٌ.وأمّا الفعال فنحو:بئر وأبارِِ وبئارِِ، وذئبِِ وذئابِِ.وربما لم يجاوزوا أفعالاً في هذا البناء كما لم يجاوزوا الأفعل والأفعال، فيما ذكرنا، وذلك نحو خمسِِ وأخماسِِ، وسترِِ وأستارِِ، وشبرِِ وأشبارِِ، وطمرِِ وأطمارِِ.
وقد يكسّر على فعلةِِ نحو:قرد وقردة، وحسلِ وحسلةِِ، وأحسالِِ إذا أردت بناء أدنى العدد.فأمَّا القردة فاسُتغنى بها عن أقرادِِ كما قالوا:ثلاثة شسوع، فاستغنوا بها عن أشساعِِ، وقالوا:ثلاثة قروءِِ فاستغنوا بها عن ثلاثة أقرؤِِ.وربما بني فعلٌ على أفعلِِ من أبنية أدنى العدد، وذلك قولهم:ذئبٌ وأذؤبٌ،وقطعٌ وأقطعٌ، وجروٌ وأجرِِ، وقالوا:جراءٌ كما قالوا: ذئابٌٌ، ورجلٌ وأرجلٌ، ألا أنَّهم لا يجاوزون الأفعل كما أنَّهم لم يجاوزوا الأكف.وقصة المضاعف ها هنا وبنات الياء والواو كقصَّتها في باب فعلِِ،قالوا: نحيٌ وأنحاءٌ ونحاءٌٌ، كما قالوا:آبارٌ وبئارٌ.وقالوا في جمع نحيِِ:نُحىٌّ، كما قالوا:لصٌّ ولصوصٌٌ، وقالوا في الذِّئب:ذُؤبانٌ، جعلوه كثغبِِ وثغبانِِ.وقالوا: الصوص في اللص كما قالوا: القدور في القدر، وأقدر حين أرادوا بناء الأقلّ.وكما قالوا: فرخ وأفراخ وفراخ، قالوا: قدح وأقداح وقداح جعلوها كفعل وقالوا: رئدٌٌ ورئدانٌ كما قالوا: صنوٌ وصنوانٌ وقنوٌ وقنوانٌ، وقال بعضهم:صنوانٌ وقنوانٌ كقوله:ذؤبان.والرِّئد:فرخ الشجرة.


وقالوا: شقذ وشقذانٌ.والشِّقذ:ولد الحرباء.وقالوا:صرمٌ وصرمانٌ، كما قالوا:ذئب وذؤبانٌ.وقالوا:ضرسٌ وضريسٌ، كما قالوا:كليبٌ وعبيدٌ.وقالوا:زقٌّ وزقاقٌ وأزقاقٌ، كما قالوا: بئرٌٌ بئار وآبار.وقالوا: زُقّانٌ وكما قالوا ذُؤبانٌ.
وأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فانّه يكسَّر من أبنية أدنى العدد على أفعال.وقد يجاوزون به بناء أدنى العدد فيكسِّرونه على فعولٍ وفعالٍ وفعولُ أكثر، وذلك قولهم:جندٌ وأجنادٌ وجنودٌ،وبردٌ وأبرادٌ وبرودٌ، وبرجٌ وأبراجٌ وبروجٌ.وقالوا:جرحٌ وجروح ٌولم يقولوا: أجراحٌ، كما لم يقولوا:أقرادٌ.وأمّا الفعال فقولهم:جمدٌ وأجمادٌ وجمادٌ، وقرطٌ وأقراطٌ وقراطٌ. والفعال في المضاعف منه كثير، وذلك قولهم:أخصاصٌ وخصاصٌ، وأعشاشٌٌ وعشاشٌ، وأقفافٌ وقفافٌ، وأخفافٌ وخفافٌ، تجريه مجرى أجمادٍ وجمادٍ.وقد يجيء إذا جاوز بناء أدنى العدد على فعلةٍ نحو:جحرٍ وأجحارٍ وجحرةٍ.
قال الشاعر:
كرامٌ حين تنكفت الأفاعي ... الى أجحارهنّ من الصَّقيع.
ونظيره من المضاعف حبٌّ وأحبابٌ وحببةٌ، نحو:قلبٍ وأقلابٍ وقلبةٍ، وخرجٌ وخرجةُ، ولم يقولوا:أخراجٌ كما لم يقولوا:أجراحٌ، وصلبٌ وأصلابٌ وصلبةٌ، وكرزق وأكرازٌ وكرزةٌ، وهو كثير.
وربَّما استغنى بأفعالٍ في هذا الباب فلم يجاوز، كما كان ذلك في فعلٍ وفعلٍ؛ وذلك نحو:رُكنٍ وأركانٍ، وجزءٍ وأجزاءٍ، وشفرٍ وأشفارٍ.
وأمّا بنات الياء والواو منه فقليل، قالوا:مُديٌ وأمداءٌ، لا يجاوزون به ذلك لقلَّته في هذا الباب.وبنات الياء والواو فيه أقلُّ منها، في جميع ما ذكرنا.
وقد كُسّر حرفٌ منه على فُعلٍ كما كُسّر عليه فعلٌ، وذلك قولك للواحد:هو الفلكُ فتُذكّر، وللجميع:هي الفلك.وقال الله عزَّ وجلَّ: " في الفُلك المشون " ، فلمّا جمع قال: " والفُلك التي تجري في البحر " ، كقولك:أسدٌٌ وأُسدٌ. وهذا قول الخليل، ومثله: رهنٌ، ورُهنٌ. وقالوا: رُكنٌ، وأركنٌ وقال الراجز وهو رؤبة:
وزحم ركنيك شداد الأركن.
كما قالوا: أقدح في القدح، وقالوا: حشٌّ وحشَّانٌ وحُشَّانٌ، كقولهم: رِئدٌ ورِئدانٌ.
وأمّا ما كان على فعلةٍ فانَّك إذا أردت أدنى العدد جمعتها بالتاء وفتحت العين، وذلك قولك: قصعةٌ وقصعاتٌ، وصحفةٌ وصحفاتٌ، وجفنةٌ وجفناتٌ، وشفرةٌ وشفراتٌ، وجمرةٌ وجمراتٌ. فإذا جاوزت أدنى العدد كسَّرت الاسم على فعال وذلك قصعةٌ وقِصاعٌ، وجِفنةٌ وجِفانٌ، وشفرةٌ وشِفارٌ، وجمرةٌ وجمارٌ. وقد جاء على فعولٍ وهو قليلٌ، وذلك قولك: بَدرةٌ وبُدورٌ، ومأنةٌ ومؤونٌ، فأدخلوا فعولاً في هذا الباب؛ لأنَّ فِعالاً وفعولاً أختان، فأدخلوها ههنا كما دخلت في باب فعلٍ مع فِعالٍ، غير أنَّه في هذا الباب قليل. وقد يجمعون بالتاء وهم يريدون الكثير. وقال الشاعر، وهو حسان بن ثابت:
لنا الجفناتُ الغُرّ يلمعن بالضُّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما.
فلم يرد أدنى العدد.
وبنات الياء والواو بتلك المنزلة، تقول: ركوةٌ وركاءٌ وركواتٌ وقشوةٌ وقِشاءٌ وقشواتٌ، وغلوةٌ وغلاءٌ وغلوات، وظبيةٌ وظباءٌ وظبياتٌ. وقالوا: جدياتُ الرَّحل ولم يكسِّروا الجدية على بناء الأكثر استغناءً بهذا، إذ جاز أن يعنوا به الكثير.ُ والمضاعف في هذا البناءِ بتلك المنزلة، تقول: سَلّةٌ وسِلالٌّ وسلاَّتٌ، ودبَّةٌ ودبابٌ ودَبَّاتٌ.
وأما ما كان فعلةً فهو في أدنى العدد وبناءٍ الأكثر بمنزلة فعلةٍ وذلك قولك: رحبةٌ ورحباتٌ ورحابٌ، ورقبةٌ ورقباتٌ ورقابٌ.
وان جاء شيءٌ من بنات الياء والواو والمضاعف أُجريَ هذا المجرى إذ كان مثل ما ذكرنا، ولكَّنه عزيزٌ.
وأما ما كان فُعلةً فانّك إذا كسّرته على بناء أدنى العدد ألحقت التاء وحرَّكت العين بضمّة، وذلك قولك: رُكبةٌ ورُكباتٌ، وغرفةٌ وغُرفاتٌ، وجفرةٌ وجُفراتٌ. فإذا جاوزت بناء أدنى العدد كسَّرته على فُعلٍ، وذلك قولك: رُكبٌ وغُرفٌ وجفرٌ. وربما كسَّروه على فِعالٍ، وذلك قولك: نُقرةٌ ونقارٌ، وبُرمةٌ وبِرامٌ، وجُفرةٌ وجِفارٌ ، وبُرقةٌ وبُراقٌ. ومن العرب من يفتح العين إذا جمع بالتاء، فيقول: رُكباتٌ وغُرفاتٌ.
سمعنا من يقول في قول الشَّاعر:
ولمَّا رأونا بادياً رُكباتُنا ... على موطنٍ لا نخلط الجدَّ بالهزل.


وبنات الواو بهذه المنزلة. قالوا: خُطوةٌ وخُطواتٌ وخُطىً، وعُروةٌ وعُرواتٌ وعُرىً. ومن العرب من يدع العين من الضمّة في فُعلةٍ فيقول: عُرواتٌ وخُطواتٌ.
وأمّا بنات الياء إذا كُسِّرت على بناء الأكثر فهي بمنزلة بنات الواو، وذلك قولك: كُليةٌ وكُلىً، ومُديةٌ ومُدىً، وزُبيةٌ وزُبىً، كرهوا أن يجمعوا بالتاء فيحرِّكوا العين بالضَّمة، فتجئ هذه الياء بعد ضمّة، فلمَّا ثقُل ذلك عليهم تركوه واجتزءوا، ببناء الأكثر. ومن خفَّف قال: كُليات ومديات.
وقد يقولون: ثلاث غُرفٍ ورُكبٍ وأشباه ذلك، كما قالوا: ثلاثةُ قِردةٍ وثلاثةُ حِببةٍ، وثلاثةُ جُروحٍ وأشباه ذلك. وهذا في فُعلةٍ كبناء الأكثر في فعلةٍ، إلا أنَّ التاء في فَعلةٍ أشدُّ تمكُّناً؛ لأنَّ فَعلةً أكثر، ولكراهية ضمتين. والمضاعف بمنزلة ركبة قالوا: سرات وسرر وجدة وجدد وجدات ولا يحركون العين لأنَّها كانت مدغمةٌ. والفعالُ كثير في المضاعف نحو: جِلالٍ وقِبابٍ وجبابٍ.
وما كان فِعلةً فانّك إذا كسَّرته على بناء أدنى العدد أدخلت التاء وحرّكت العين بكسرة، وذلك قولك: قِرباتٌ وسِدراتٌ وكِسراتٌ، ومن العرب من يفتح العين كما فُتحت عين فُعلةٍ، وذلك قولك: قِرباتٌ وسِدراتٌ وكِسراتٌ.
فإذا أردت بناء الأكثر قلت: سِدرٌ وقِربٌ وكِسرٌ. ومن قال: غُرفاتٌ فخفَّف قال: كِسراتٌ.
وقد يريدون الأقلّ فيقولون: كِسرٌ وفِقرٌ، وذلك لقلَّة استعمالهم التاء في هذا الباب لكراهية الكسرتين. والتاء في الفُعلةِ أكثر لأنَّ ما يلتقي في أوله كسرتان قليل.
وبنات الياء والواو بهذه المنزلة. تقول: لِحيةٌ ولِحىً، وفِريةٌ وفِرىً، ورِشوةٌ ورِشاً. ولا يجمعون بالتاء كراهية أن تجيء الواو بعد كسرة، واستثقلوا الياء هنا بعد كسرة، فتركوا هذا استثقالاً واجتزءوا ببناء الأكثر. ومن قال: كِسراتٌ قال: لِحياتٌ.
والمضاعف منه كالمضاعف من فُعلة. وذلك قولك: قِدةٌ وقِداتٌ وقِددٌ، وربَّةٌ ورِبَّاتٌ ورِببٌ، وعِدَّةُ المرأة وعدَّاتٌ وعِددٌ.
وقد كُسّرت فعلةٌ على أفعُلٍ وذلك قليل عزيز، ليس بالأصل. قالوا:نِعمةٌ وأنعمٌ وشِدَّةٌ وأشُدُّ، وكرهوا أن يقولوا في رِشوةٍ بالتاء فتنقلب الواو ياءً، ولكن من أسكن فقال: كِسراتٌ قال: رِشواتٌ.
وأمّا الفعلةُ فإذا كُسِّرت على بناء الجمع ولم تُجمع بالتاء كُسّرت على فَعل وذلك قولك: نَقمةٌ ونقِمٌ، ومعِدَةٌ ومَعِدٌ.
والفُعلةُ تكسَّر على فُعَلٍ ان لم تجمع بالتاء، وذلك قولك: تُخمةٌ وتُخمٌ، وتُهمةٌ وتُهمٌ. وليس كرُطبةٍ ورُطبٍ. ألا ترى أنَّ الرُّّطب مذكَّر كالبُرّ والتَّمر، وهذا مؤنّث كالظُّّلَم والغُرف.
باب ما كان واحداً يقع للجميع.
ويكون واحده على بنائه من لفظه، إلا أنه مؤنث تلحقه هاء التأنيث ليتبيّن الواحد من الجميع.
فأمَّا ما كان على ثلاثة أحرف وكان فَعلاً فهو نحو طَلحٍ والواحدة طَلحةٌ، وتمرٍ والواحدة تَمرةٌ، ونخلٍ ونخلةٍ، وصخرٍ وصخرةٍ. فإذا أردت أدنى العدد جمعت الواحد بالتاء. وإذا أردت الكثير صرت إلى الاسم الذي يقع على الجميع ولم تكسّر الواحد على بناء آخر. وربّما جاءت الفَعلةُ من هذا الباب على فِعالٍ، وذلك قولك سَخلةٌ وسِخالٌ، وبَهمةٌ وبِهامٌ وطلحة وطلاح وطلح شبهوه بالقصاع وقد قال بعضهم صخرة وصخور، فجُعلت بمنزلة بَدرةٍ وبُدورٍ، ومأنةٍ ومؤونٍ. والمأنةُ: تحت الكِركِرة.
وأمّا ما كان منه من بنات الياء والواو فمثل: مَروٍ ومَروةٍ، وسَروٍ وسَروةٍ. وقالوا:صَعوةٌ وصَعوٌ وصِعاءٌ، كما قالوا: ومثلُ ما ذكرنا شَريةٌ وشَريٌ، وهديةٌ وهَديٌ، هذا مثله في الياء. والشِّريةُ: الحنظلةُ. ومن المضاعف: حَبَّةٌ وحَبٌّ، وقتّةٌ وقَتٌّ.
وأمّا ما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فانَّ قصَّته كقصة فعلٍ وذلك قولك: بَقرةٌ وبقراتٌ وبقرٌ، وشجرةُ وشَجراتٌ وشَجَرٌ، وخَرَزةٌ وخَرزاتٌ وخَرزٌ.
وقد كسروا الواحد منه على فِعال كما فعلوا ذلك في فَعلٍ، قالوا أكمةٌ واكامٌٌ وأكمٌ، وجَذبَةٌ وجِذابٌ وجَذبٌ، وأجَمةٌ واجامٌ وأجمٌ، وثمرٌة وثمارٌ وثمرٌ.


ونظير هذا من بنات الياء والواو حصى وحصاةٌٌ وحَصياتٌ وقَطاةٌ وقطاً وقَطَوَاتٌ. وقالوا: أضاةٌ وأضاً وإضاءٌ، كما قالوا: إكامٌ وَأكمٌ. سمعنا ذلك من العرب. والذين قالوا: إكامٌ ونحوها شبَّهوها بالرّحاب ونحوها، كما شبَّهوا الطِلاّح وطَلحةً بجَفنةٍ وجِفانٍ.
وقد قالوا: حَلَقٌ وفَلكٌ، ثمَّ قالوا: حَلقةٌ وفَلكةٌ، فخفَّفوا الواحد حيث ألحقوه الزيادة وغيَّروا المعنى، كما فعلوا ذلك في الإضافة.
وهذا قليلٌ. وزعم يونُس عن أبي عَمروٍ، أنَّهم يقولون: حَلَقةٌ.
وأمّا ما كان فَعِلاً فقصَّته كقصَّة فَعَلِ، إلا أنَّا لم نسمعهم كسّروا الواحد على بناء سوى الواحد الذي يقع على الجميع وذلك أنّه أقلُّ في الكلام من فَعَلٍ، وذلك: نَبِقَةٌ ونَبقاتٌ ونَبِقٌ، وخَرِبٌ وخَرِبٌ وخَرِباتٌ، ولَبِنٌ ولِبنةٌ ولِبناتٌ، وكلِمةٌ وكلماتٌ وكَلِمٌ.
وأما ما كان فِعلاً فهو بمنزلته وهو أقلُّ منه. وذلك نحو: عِنبةٍ وعنبٍ، واحدأةٍ وحدإٍ وحدآتٍ، وإبرةٍ وإبرٍ وإبراتٍ، وهو فسيلُ المقلِ.
وأما ما كان فَعُلةً فهو بهذه المنزلة وهو أقلُّ من الفعل، وهو سَمرُةٌ وسَمرٌ، وثمرةٌ وثمرٌ، وسمراتٌ، وثمراتٌ وفقُرةٌ وفَقُرٌ وفَقُراتٌ.
وما كان فُعُلاً فنحو: بُسُرٍ وبُسُرةٍ وبُسُراتٍ، وهُدُبٍ وهُدُبةٍ وهُدُباتٍ.
وما كان فُعلاٌ فهو كذلك، وهو قولك: عُشَرٌ وعُشَرةٌ وعُشَراتٌ، ورُطَبٌ ورُطَباتٌ. ويقول ناس للرُّطب: أرطابٌ، كما قالوا: عِنَبٌ وأعنابٌ. ونظيرها رُبَعٌ وأرباعٌ، ونُعرةٌ ونُعَرٌ ونُعَراتٌ. والنُّعر: داءُ يأخذ الإبل في رءوسها. ونظيرها من الياء قول بعض العرب: مُهاةٌ ومُهىً، وهو ماء الفحل في رَحمِ الناقة. وزعم أبو الخطَّاب أن واحد الطُّلى طُلاةٌ. وإن أردتَ أدنى العدد جمعت بالتاء، وقال الحُكأُ والواحدة حُكأةٌ، والمُرعُ والواحدةُ مُرعةٌ.
فأمّا ما كان على ثلاثة أحرف وكان فِعلاً فإنَّ قصته كقصة ما ذكرنا، وذلك: سِدرٌ وسِدرةٌ وسِدراتٌ، وسِلقٌ وسِلقةٌ وسِلقاتٌ، وتِبنٌ وتِبنةٌ وتِبناتٌ، وعِربٌ وعِربةٌ وعِرباتٌ. والعِربةُ: السَّفى، وهو يبيسُ البهي.
وقد قالوا: سِدرةٌ وسِدرٌ، فكسروها على فِعَلٍ جعلوها ككسَرٍ، كما جعلوا الطَّلحةَ حين قالوا الطِّلاح كالقصاع، فشبهَّوا هذا بِلقحةٍ ولقاحٍ كما شبهوا طَلحةً بصفحةٍ وصحافٍ. وقالوا: لِقحةٌ ولِقاحٌ كما قالوا في باب فُعلَةٍ فِعالٌ، نحو: جُفرةٍ وجِفارٍ. ومثل ذلك حِقَّةٌ وحقاقٌ، وقد قالوا حِقّقٌ.
قال الشَّاعر، وهو المُسيَّبُ بن علسٍ:
قد نالني منهم على عدمٍ ... مِثلُ الفسيلِ صِغارها الحِققُ.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان فُعلاً فقصَّته كقصَّة فِعلٍ، وذلك قولك دُخنٌٌ ودُخنةٌ ودُخناتٌ، ونُقد ونُقُدة ونقداتٌ، وهو شجرٌ، وحُرفٌ وحُرفةُ وحُرفاتٌ.
ومثل ذلك من المضاعف دُرٌّ ودُرَّةٌ ودُرَّاتٌ، وبُرٌّ وبُرّةٌ وبُرّاتٌ. وقد قالوا: دُرجٌ فكسروا الاسم على فُعلٍ، كما كسَّروا سِدرةً على سِدرٍ. ومثله التُّوم يقال: تُومةٌ وتُوماتٌ وتُومٌ، ويقال:تُومٌ.
؟؟؟؟باب نظير ما ذكرنا من بنات الياء والواو
التي الياءات والواوات فيهن عينات.
أمَّا ما كان فَعلاً من بنات الياء والواو فإنَّك إذا كسّرته على بناء أدنى العدد كسرّته على أفعالٍ وذلك: سَوطٌ وأسواطٌ، وثَوبٌ وأثوابٌ، وقَوسٌ وأقواسٌ. وإنَّما منعهم أن يبنوه على أفعُلٍ كراهية الضمّة في الواو، فلمَّا ثقل ذلك بنوه على أفعالٍ. وله في ذلك أيضاً نظائرُ من غير المعتلّّ، نحو أفراخٍ وأفرادٍ، ورَفغٍ وأرفاغٍ. فلمّا كان غيرُ المعتلّ يُبنى على هذا البناء كان هذا عندهم أولى.
وإذا أرادوا بناء الأكثر بنوه على فِعالٍ، وذلك قولك: سِياطٌ وثِيابٌ وقِياسٌ. تركوا فُعُولاً كراهية الضمّة في الواو والضَّمّة التي قبل الواو، فحملوها على فِعال، وكانت في هذا الباب أولى إذ كانت متمكِّنةً في غير المعتلّ.


وقد يُبنى على فِعلانٍ لأكثر العدد، وذلك: قوزٌ قيزانٌ، وثَورٌ وثيرانٌ، ونظيره من غير هذا الباب وَجذٌ ووجذَانٌ، فلمَّا بُني عليه ما لم يعتلّّ فرُّوا إليه كما لزموا الفِعالَ في سَوطٍ وثَوبٍ. وقال: الوَجذُ: نُقرَةٌ في الجبل. وقد يلزمون الأفعال في هذا فلا يجاوزونها كما لم يجاوزوا الأفعُلَ في باب فَعلٍ الذي هو غير معتلّ، والأفعال في باب فعلٍ الذي هو معتلّ. فإذا كانوا لا يجاوزون فيما ذكرتُ لك فهم في هذا أجدرُ أن لا يجاوزوا، وذلك نحو: لوحٍ وألواحٍ، وجوزٍ وأجوازٍ، ونَوعٍ وأنواعٍ.
وقد قال بعضهم في هذا الباب حين أراد بناء أدنى العدد أفعُلٌ فجاء به على الأصل، وذلك قليل. قالوا: قَوسٌ وأقواسٌ. وقال الراجز:
لِكُلِّ عَيشٍ قد لبِستُ أثوباً.
وقد كسّروا الفعل في هذا الباب على فِعَلَةٍ كما فعلوا ذلك بالفقع والجبءِ حين جاوزوا به أدنى العدد، وذلك قولهم: عَودٌ وعِوَدةٌ، وأعوادٌ إذا أرادوا بناء أدنى العدد، وقالوا: زَوجٌ وأزواجٌ وزوجةٌ، وثورٌ وأثوارٌ وثِورةٌ، وبعضهم يقول: ثِيرَةٌ. وجاءوا به على فُعولٍ كما جاءوا بالمصدر، قالوا فَوجٌ وفُؤجٌ كما قالوا: نحوٌ ونُحُوٌّ كثيرةٌ. وهذا لا يكاد يكون في الأسماء، ولكن في المصادر، استثقلوا ذلك في الأسماء. وسنبيّن ذلك إن شاء اللّه. ومثل ثِيَرَةٍ زَوجٌ وزِوجةٌ.
وأمّا ما كان من بنات الياء وكان فَعلاً فإنَّك إذا بنيته بناء أدنى العدد بنيه على أفعالٍ، وذلك قولك: بيتٌ وأبياتٌ، وقَيدٌ وأقيادٌ، وخيطٌ وأخياطٌ، وشيخٌ وأشياخٌ. وذلك أنَّهم كرهوا الضمّة في الياء كما يكرهون الواو بعد الياء، وسترى ذلك في بابه إن شاء اللّه. وهي في الواو أثقلُ. وقد بنوه على أَفعُلٍ على الأصل، قالوا: أعيُنٌ. قال الراجز:
أنعتُ أعيارً رَعينَ الخنزَرَا ... أنعتَهُنَّ آيُراً وكَمَرَا.
وقال آخر:
يا أضبُعاً أكلت آيارَ أحمرةٍ ... ففي البطونِ وقد راحت قراقيرُ.
بناه على أفعالٍ. وقالوا أعيانٌ. قال الشاعر:
ولكنَّني أغدو عَلَيَّ مُفاضَةٌ ... دِلاصٌ كأعيانِ الجرادِ المُنَظَّمِ.
وإذا أردت بناء أكثر العدد بنيته على فُعُولٍ، وذلك قولك: بُيُوتٌ، وخُيُوطٌ، وشُيُوخٌ، وعُيُونٌ، وقُيُودٌ. وذلك لأنَّ فُعولاً وفِعالاً كانا شريكين في فِعلٍ الذي هو غير معتلّ، فلمّا ابتزَّ فِعالٌ بفَعلٍ من الواو دون فُعولٍ لما ذكرنا من العلَّةِ ابتزَّت الفُعولُ بفَعلٍ من بنات الياء، حيث صارت أخّف من فُعولٍ من بنات الواو. فكأنّهم عوضوا هذا من إخراجهم إياها من بنات الواو.
فأمّا أقيادٌ ونحوها فقد خَرج،َ من الأصل، كما خرجت أسواطٌ وأثوابٌ يعنى إذا لم تُبنَ على أفعُلٍ لأنَّ أفعُلاً هي الأصل لفِعلٍ. وليست أفعُلٌ وأفعالٌ شريكين في شيء كشركة فُعولٍ وفِعالٍ، فتعوِّض الأفعُلَ الثَّبات في بنات الياء لخروجها من بنات الواو، ولكنَّهما جميعاً خارجان من الأصل والضمّةُ تُستثقل في الياء كما تُستثقل في الواو وإن كانت في الواو أثقل ومع هذا إنهم كرهوا أن يقولوا أبيات إذا كانت أخف من فعول من بنات الواو لئلا تلتبس الواو فأرادوا أن يفصلوا فإذا قالوا: أبياتٌ وأسواطٌ فقد بيَّنوا الواو من الياء. وقالوا: عُيورةٌ وخُيُوطةٌ، كما قالوا بُعُولةٌ وعُمُومةٌ.
وأمّا ما كان فَعلاً فإنَّه يكسَّر على أفعالٍ إذا أردت بناء أدنى العدد، وذلك نحو: قاعٍ وأقواعٍ، وتاجٍ وأتواجٍ، وجارٍ وأجوارٍ. وإذا أردت بناء أكثر العدد كسّرته على فِعلانٍ، وذلك نحو: جيرانٍ وقيعانٍ وتيجانٍ، وساجٍ وسيجانٍ. ونظير ذلك من غير المعتل: شَبَتٌ وشِبثانٌ وخِربانٌٌ. ومثله فَتىً وفتيانٌ. ولم يكونوا ليقولوا فُعولٌ كراهية الضمّة في الواو مع الواو التي بعدها والضمّة التي قبلها وجعلوا البناء على فِعلانٍ. وقَلَّ فيه الفعال لأنَّهم ألزموه فِعلانٌ، فجعلوه بدلاً من فِعالٍ؛ ولم يجعلوه بدلاً من شريكه في هذا الباب. وإنما امتنع أن يتمكَّن فيه ما تمكّن في فَعَلٍ من الأبنية التي يكسّر عليها الاسم لأكثر العدد، نحو: أُسودٍ وجبالٍ أنَّه معتلّ أسكنوا عينه وأبدلوا مكانها ألفاً، ولم يُخرجوه من أن يبنوه على بناء قد بُني عليه غير المعتلّ، وانفرد به كما انفرد فِعالٌ ببنات الواو.


وقد يُستغنى بأفعالٍ في هذا الباب فلا يجاوزونه، كما لم يجاوزوه في غير المعتلّ، وهو في هذا الأكثر، لاعتلاله ولأنّه فَعَلٌ، وفَعَلٌ يُقتصر فيه على أدنى العدد كثيراً، وهو أولى من فَعلٍ كما كان ذلك في باب سَوطٍ، وذلك نحو: أبوابٍ وأموالٍ، وباعٍ وأبواعٍ. وقالوا: نابٌ وأنيابٌ، وقالوا: نُيوبٌ كما قالوا: أُسودٌ، وقد قال بعضهم: أنيُبٌ كما قالوا في الجبل: أجبُلٌ.
وما كان مؤنثاّ من فَعلٍ من هذا الباب فإنه يكسّر على أفعُلٍ إذا أردت بناء أدنى العدد، وذلك: دارٌ وأدوارٌ، وساقٌ وأسوقٌ، ونارٌ وأنورٌ. هذا قول يونس، ونظنُّه إنَّما جاء على نظائره في الكلام، نحو: جَمَلٍٍ وأجمُلٍ، وزمنٍ وأزمُن، وعصاً وأعصٍ. فلو كان هذا إنَّما هو للتأنيث لما قالوا: غَنمٌ وأغنامٌ.
فإذا أردت بناء أكثر العدد قلت في الدار: دُورٌ، وفي الساق: سُوقٌ، وبنوهما على فُعلِ فِراراً من فُعُولٍ، كأنَّهم أرادوا أن يكسِّروهما على فُعُولٍ كما كسّروهما على أفعُلٍ. وقد قال بعضهم: سُؤوقٌ فَهَمَزَ: كراهية الواوين والضمّة في الواو. وقال بعضهم: ديرانٌ كما قالوا: نِيرانٌ، شبّهوها بقيعانٍ وغِيران. وقالوا: دِيارٌ كما قالوا: جِبالٌ. وقالوا: نابٌ ونِيبٌ للناقة، بنوها على فُعلٍ كما بنوا الدار على فُعلٍ، كراهية نُيُوب، لأنَّها ضمّة في ياء وقبلها ضمّة وبعدها واو، فكرهوا ذلك. ولهنَّ مع ذا نظائر من غير المعتلّ: أسدٌ وأُسدٌ، ووثنٌ ووُثنُ. وقالوا: أنيابٌ كما قالوا: أقدامٌ.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان فِعلاً فإنَّك تكسّره على أفعال من أبنية أدنى العدد، وهو قياس غير المعتلّ. فإذا كان كذلك فهو في هذا أجدر أن يكون. وذلك قولك: فِيلٌ وأفيالٌ، وجيدٌ وأجيادٌ، ومِيلٌ وأميالٌ. فإذا كسّرته على بناء أكثر العدد قلت فُعولٌ كما قلت: عُذوقٌ وجُذوعٌ. وذلك قولك: فُيُولٌ ودُيوكٌ، وجُيودٌ. وقد قالوا: دِيكةٌ وكِيَسةٌ كما قالوا: قِردةٌ وحِسلةٌ. ومثل ذلك فِيَلةٌ. وقد يقتصرون في هذا الباب على أفعال كما اقتصروا على ذلك في باب فَعلٍ وفَعَلٍ من المعتلّ. وقد يجوز أن يكون ما ذكرنا فَعلاً، يعني أن الفيل يجوز أن يكون أصله فُعلاً كُسر من أجل الياء، كما قالوا أبيضُ وبيضٌ فيكون الأفيال والأجياد بمنزلة الفيال والجياد ويكون فيلة بمنزلة خرجةٍ وجِحرةٍ. وإنما اقتصارهم على أفعال ٍ في هذا الباب الذي هو من بنات الياء نحو: أميالٍ وأنيارٍ وكِيرٍ وأكيارٍ.
وقالوا في فِعلٍ من بنات الواو: رِيحٌ وأرواحٌ ورِياحٌ، ونظيره أبآرٌ وبئارٌ. وقالوا فِعالٌ في هذا كما قالوا في فَعلٍ من بنات الواو، فكذلك هذا لم يجعلوه بمنزلة ما هو من الياء.
وأمّا ما كان فُعلاً من بنات الواو فإنَّك تكسّره على أفعالٍ إذا أردت بناء أدنى العدد، وهو القياس والأصل. ألا تراه في غير المعتلّ كذلك. وذلك: عُودٌ وأعوادٌ، وغُولٌ وأغوالٌ، وحوتٌ وأحواتٌ، وكُوزٌ وأكوازٌ. فإذا أردت بناء أكثر العدد لم تكسّره على فُعولٍ ولا فعالٍ ولا فِعَلةٍ، وأجرى مجرى فَعَلٍ وانفرد به فِعلانٌ، كما أنه غَلبَ على فَعل من الواو الفِعالُ، فكذلك هذا، فرقوا بينه وبين فُعلٍ من بنات الياء، كما فرقوا بين فَعلٍ من الياء وفَعلٍ من الواو، ووافق فعلاً في الأكثر كموافقته إياه في الأقلّ. وذلك عيدان - وغيلان - وكيزان وحيتان وبنيان جماعة النون وقد جاء مثل ذلك في غير المعتلّ. قالوا: حُشٌّ وحِشّانٌ، كما قالوا في فَعلٍ من بنات الواو: ثورٌ وثيرانٌ، وقوزٌ وقِيزانٌ، كما جاء في الصحيح: عَبدٌ وعِبدانٌ، ورَألٌ ورِئلانٌ.
وإذا كسّرت فَعلةً من بنات الياء والواو على بناء أكثر العدد كسّرتها على البناء الذي كسّرت عليه غير المعتلّ. وذلك قولك: عيبنة وعَيباتٌ وعِيابٌ، وضَيعةٌ وضَيعاتٌ وضِياعٌ، ورَوضةٌ وروضاتٌ ورِياضٌ. فإذا أردت بناء أدنى العدد ألحقت التاء ولم تحِّرك العين؛ لأنَّ الواو ثانية والياء ثانية. وقد قالوا: فَعلةٌ في بنات الواو وكسّروها على فُعلٍ كما كسّروا فَعلاً على بناء غيره. وذلك قولهم: نَوبةٌ ونُوبٌ، وجوبةٌ وجُوبٌ، ودَولةٌ ودُولٌ. ومثلها: قريةٌ وقُرىً، ونزوةٌ ونُزىً.


وقد قالوا: فَعلةٌ في بنات الياء ثم كسّروها على فِعل، وذلك قولهم: ضَيعةٌ وضِيَعٌ، وخيمةٌ وخِيمٌ. ونظيرها من غير المعتلّ: هَضبةٌ وهِضبٌ، وحَلقةٌ وحِلقٌ، وجَفنةٌ وجِفنٌ. وليس هذا بالقياس.
وأمّا ما كان فُعلةً فهو بمنزلة غير المعتلّ وتجمعه بالتاء إذا أردت أدنى العدد. وذلك قولك: دُولةٌ ودُولاتٌ، لا تحرِّك الواو لأنَّها ثانية، فإذا لم ترد الجمع المؤنَّث بالتاء قلت: دُولٌ، وسُوقةٌ وسُوقٌ، وسُورةٌ وسُورٌ.
وأمَّا ما كان فِعلةً فهو بمنزلة غير المعتلّ، وذلك: قيمةٌ وقِيمٌ وقِيماتٌ، ورِيبةٌ ورِيباتٌ ورِيبٌ، وديمةٌ وديماتٌ ودِيمٌ.
وأمّا ما كان على فَعَلةٍ فإنه كُسّر على فِعال، قالوا: ناقةٌ ونياقٌ، كما قالوا رَقبةٌ ورِقابٌ. وقد كسّروه على فُعلٍ، قالوا: ناقةٌ ونُوقٌ، وقارةٌ وقُورٌ، ولابةٌ ولُوبٌ؛ وأدنى العدد لاباتٌ وقاراتٌ. وساحةٌ وسُوحٌ.
ونظيرهن من غير المعتلّ: بدنةٌ وبُدنٌ، وخشبةٌ وخُشبٌ، وأكمّةٌ وأُكمٌ. وليس بالأصل في فَعلةٍ وإن وجدت النظائر. وقالوا: أينُقٌ، ونظيرها أكمةٌ وآكمٌ. وقد كُسّرت على فِعلٍ كما كُسّرت ضيعةٌ، قالوا: قامةٌ وقِيمٌ، وتارةٌ وتِيرٌ. وقال:
يقوم تاراتٍ ويمشي تِيرا.
وإنما احتملت الفعل في بنات الياء والواو لأنَّ الغالب الذي هو حدُّ الكلام في فعله في غير المعتل الفعال هذا باب ما يكون واحداً يقع للجميع من بنات الياء والواو ويكون واحده على بنائه ومن لفظه، إلاَّ أنّه تلحقه هاء التأنيث لتبيّن الواحد من الجميع.
أمّا ما كان فَعلاً فقصّته قصّةُ غير المعتلّ، وذلك: جَوزٌ وجوزةٌ وجوزاتٌ، ولَوزةٌ ولَوزٌ ولَوزاتٌ، وبَيضٌ وبيضةٌ وبيضاتٌ، وخَيمٌ وخيمةٌ وخيماتٌ، وقد قالوا: خِيامٌ، وروضةٌ ورَوضاتٌ ورِياضٌ ورَوضٌ، كما قالوا: طِلاحٌ وسِخالٌ.
وأما ما كان فعلاً فهو بمنزلة الفعل من غير المعتلّ، وذلك: سوسٌ وسوسةٌ وسوساتٌ، وصوفٌ وصوفةٌ وصوفاتٌ، وقد قالوا: تومةٌ وتوماتٌ وتومٌ، وقد قالوا: تومٌ كما قالوا: درر، وأمَّا ما كان فعلاً فقصته كقصّةغير المعتلّ، وذلك قولك: تينٌ وتينةٌ وتيناتٌ، وليفٌ وليفاتٌ، وطينٌ وطينةٌ وطيناتٌ. وقد يجوز أن يكون هذا فعلاً كما يجوز أن يكون الفيل فعلاً. وسترى بيان ذلك في بابه إن شاء الَّله.
وأمّا ما كان فعلاً فهو بمنزلة الفعل من غير المعتلّ، إلا أنَّك إذا جمعت بالتاء لم تغيَّر الاسم عن حاله، وذلك :هامٌ وهامةٌ وهاماتٌ، وراحٌ وراحاتٌ، وشامٌ وشامةٌ وشاماتُ.
قال الشاعر، وهو القطاميّ:
فكنّا كالحريق أصاب غاباً ... فيخبو ساعةً ويحيج ساعا
فقال: ساعةٌ وساعٌ، وذلك كهامةٍ وهامٍ. ومثله آيةٌ وآي.
ومثله قول العجَّاج:
وخطرت أيدي الكماة وخطر ... رأى إذا أورده الطعَّن صدر
باب ما هو اسم واحد يقع على جميع
وفيه علامات التأنيث وواحده على بنائه ولفظه، وفيه علامات التأنيث التي فيه وذلك قولك للجميع: حلفاء وحلفاء واحدة، وطرفاء للجميع وطرفاء واحدة، وبهمي للجميع وبهمى واحدة، لَّما كانت تقع للجميع ولم تكن أسماء كسّر عليها الواحد أرادوا أن يكون الواحد من بناءٍ فيه علامة التأنيث، كما كان ذلك في الأكثر الذي ليس فيه علامة التأنيث ويقع مذكَّراً، نحو التَّمر والبَّر والشَّعير وأشباه ذلك. ولم يجاوزوا البناء، الذي يقع للجميع حيث أرادوا واحداً فيه علامة تأنيث؛ لأنَّه فيه علامة التأنيث، فاكتفوا بذلك وبيّنوا الواحدة بأن وصفوها بواحدة، ولم يجيئوا بعلامة سوى العلامة التي في الجميع، ليفرق بين هذا وبين الاسم الذي يقع للجميع وليس فيه علامة التأنيث، نحو: البسر والتَّمر.
وتقول: أرطى وأرطاة، وعلقي وعلقاه؛ لأن الألفات لم تلحق للتأنيث، فمن ثمَّ دخلت الهاء.
باب ما كان على حرفين
وليست فيه علامة التأنيث أما ما كان أصله فعلاً فإنّه إذا كسّر على بناء أدنى العدد كسّر على أفعل، وذلك نحو: يدٍ وأيدٍ، وإن كسّر على بناء أكثر العدد كسُّر على فعالٍ وفعولٍ،وذلك قولهم: دماء ودمى، لَّما ردَّوا ما ذهب من الحروف كسّروه على تكسيرهم إيَّاه لو كان غير منتقص على الأصل نحو: ظبيٍ ودلو


وإن كان أصله فعلاُ كسُّر من أدنى العدد على أفعالٍ كما فعل ذلك بما لم يحذف منه شيء، وذلك أبٌ وآباءٌ. وزعم يونس أنَّهم يقولون: أخٌ وآخاءٌ. وقالوا: أخوانٌ كما قالوا: خربٌ وخربان. والخرب: ذكر الحبارى فبنات الحرفين تكسَّر على قياس نظائرها التي لم تحذف. وبنات الحرفين في الكلام قليل.
وأمَّا ما كان من بنات الحرفين وفيه الهاء للتأنيث فإنَّك إذا أردت الجمع لم تكسره على بناء يردُّ ما ذهب منه، وذلك لأنَّها فعل بها ما لم يفعل بما فيه الهاء ممّا لم يحذف منه شيء، وذلك أنّهم يجمعونها بالتاء والواو والنون كما يجمعون المذكَّر نحو: مسلمين، فكأنه عوضٌ، فإذا جمعت بالتاء لم تغير البناء.وذلك قولك: هنة وهنات، وفئةٌ وفئاتٌ، وشيةٌ وشياتٌ، وثبةٌ وثبات، وقلةٌ وقلات. وربمَّا ردَّوها إلى الأصل إذا جمعوها بالتاء، وذلك قولهم: سنوت وعضوات. فإذا جمعوا بالواو والنون كسروا الحرف الأوَّل وغيّروا الاسم. وذلك قولهم: سنون وقلون وثبون ومئون، فإنَّما غيّروا أوَّل هذا لأنَّهم ألحقوا آخره شيئاً ليس هو في الأصل للمؤنث ولا يلحق شيئاً فيه الهاء ليس على حرفين. فلّما كان كذلك غيَّروا أوَّل الحرف كراهية أن يكون بمنزلة ما الواو والنون له في الأصل، نحو قولهم: هنون ومنون وبنون. وبعضهم يقول: قلون: فلا يغيَّر كما لم يغيروا في التاء.
وأمّا هنة ومنةٌ فلا تجمعان ألاَّ بالتاء؛ لأنَّهما قد ذكّرتا.
وقد يجمعون الشيء بالتاء ولا يجاوزون به ذلك، استغناء، وذلك: ظبةٌ وظبات، وشيةٌ وشياتٌ. والتاء بدخل على ما دخلت فيه الواو والنون لأنَّها الأصل.
وقد يكسَّرون هذا النحو على بناءٍ يردُّ ما ذهب من الحرف. وذلك قولهم: شفةٌ وشفاه وشاةٌ وشياهٌ، تركوا الواو والنون حيث ردُّوا ما حذف منه واستغنوا عن التاء حيث عنوا بها أدنى العدد وإن كانت من أبنية أكثر العدد، كما استغنوا بثلاثة جروحٍ عن أجراحٍ، وتركوا الواو والنون كما تركوا التاء حيث كسَّروه على شيء يردُّ ما حذف منه واستغنى به.
وقالوا: أمةٌ وآمٍ وإماء، فهي بمنزلة أكمةٍ وآكمٍ وإكامٍ. وإنّما جعلناها فعلةً لأنّا قد رأيناهم كسّروا فعلةً على أفعلٍ ممَّا لم يحذف منه شيء ولم نرهم كسّروا فعلةً ممَّا لم يحذف منه شيء على أفعلٍ. ولم يقولوا: إمون وإن حيث كسَّروه على ماردَّ الأصل استغناء عنه، حيث ردّ إلى الأصل بآمٍ، وتركوا أماتٌ استغناءً بآمٍ.
وقالوا: برةٌ وبراتٌ وبرون وبرىً، ولغةٌ ولغىً، فكسّروها على الأصل كما كسّروا نظائرها التي لم تحذف ، نحو: كليةٍوكلىً. فقد يستغنون بالشيء عن الشيء، وقد يستعملون فيه جميع ما يكون في بابه.
وسألت الخليل عن قول العرب: أرضٌ وأرضاتٌ؟ فقال: لمَّا كانت مؤنثَّة وجمعت بالتاء ثقلَّت كما ثقلَّت طلحاتٌ وصحفاتٌ. قلت: فلم جمعت بالواو والنون؟ قال: شبّهت بالسِّنين ونحوها من بنات الحرفين لأنَّها مؤنثّة كما أن سنةً مؤنّثة، ولأن الجمع بالتاء أقلّ والجمع بالواو والنون أعمُّ. ولم يقولوا: آرضٍ ولا آراضٍ فيجمعونه كما جمعوا فعلٌ.قلت: فهلَّا قالوا: أرضون كما قالوا: أهلون؟ قال: إنَّها لمّا كانت تدخلها التاء أرادوا أن يجمعونها بالواو والنون كما جمعوها بالتاء، وأهلٌ مذكَّر لا تدخله التاء ولا تغيَّره الواو والنون كما لا تغيّر غيره من المذكَّر، نحو: صعبٍ وفسلٍ.
وزعم يونس أنّهم يقولون: حرَّةٌ وحرَّون، يشبّهونها بقولهم: أرضٌ وأرضون؛ لأنها مؤنّثة مثلها. ولم يكسروا أوَّل أرضين؛ لأنّ التغيير قد لزم الحرف الأوسط كما لزم التغيير الأوّل من سنةٍ في الجمع. وقالوا: إوزَّة وإوزون، كما قالوا: حرةٌ وحرَّون.
وزعم يونس أنَّهم يقولون أيضاً: حرّةٌ وإحرُّون، يعنون الحرار كأنه جمع إحرّة ، ولكن لا يتكلم بها.
وقد يجمعون المؤنَّث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كما يجمعون ما فيه الهاء؛ لأنَّه مؤنّث مثله، وذلك قولهم: عرساتٌ وأرضاتٌ، وعيرٌ وعيراتٌ، حرّكوا الياء وأجمعوا فيها على لغة هذيلٍ؛ لأنَّهم يقولون: بيضاتٌ وجوزات.


وقالوا: سمواتٌ فاستغنوا بهذا، أرادوا جمع سماء لا من المطر، وجعلوا التاء بدلاً من التكسير كما كان ذلك في العير والأرض. وقد قالوا: عيراتٌ وقالوا: أهلاتٌ، فخفَّفوا، شبَّهوها بصعبات حيث كان أهلٌ مذكَّراً تدخله الواو والنون، فلمّا جاء مؤنثاً كمؤنَّث صعبٍ فعل به كما فعل بمؤنث صعبٍ. وقد قالوا: أهلاتٌ فثقّلوا، كما قالوا: أرضاتٌ. قال المخَّبل:
وهم أهلاتٌ حول قيس بن عاصمٍ ... إذا أدلجوا بالَّليل يدعون كوثرا
وقد قالوا: إموانٌ جماعة الأمة كما قالوا: إخوانٌ؛ لأنّهم جمعوها كما جمعوا ما ليس فيه الهاء. وقال القتّال الكلابّي:
أمَّا الإماء فلا يدعونني ولداً ... إذا ترامى بنو الأموان بالعار
باب تكسير ما عدّة حروفه أربعة أحرف
للجمع أمّا ما كان فعالاً فإنَّك إذا كسّرته على بناء أدنى العدد كسَّرته على أفعلةٍ، وذلك قولك: حمارٌ وأحمرة وخمار وأخمرةٌ، وإزارٌ وآزرة، ومثالٌ وأمثلةٌ، وفراشٌ وأفرشةٌ،. فإذا أردت أكثر العدد بنيته على فعلٍ وذلك حمارٌ وحمرٌ، وخمارٌ وخمرٌ، وإزارٌ وأزرٌ، وفراشٌ وفرشٌ. وإن شئت خفّفت جميع هذا في لغة تميمٍ. وربَّما عنوا ببناء أكثر العدد أدنى العدد كما فعلوا ذلك بما ذكرنا من بنات الثلاثة، وذلك قولهم: ثلاثةُ جدرٍ وثلاثة كتبٍ.
وأمّا ما كان منه مضاعفاً فإنَّهم لم يجاوزوا به أدنى العدد وإن عنوا الكثير تركوا ذلك كراهية التضعيف، إذ كان من كلامهم أن لا يجاوزوا بناء أدنى العدد فيما هو غير معتلّ.وذلك قولهم: جلالٌ وأجلَّة ، وعنانٌ وأعنَّةٌ، وكنانٌ وأكنَّةٌ.
وأمّا ما كان منه من بنات الياء والواو فإنهم يجاوزون به بناء أدنى العدد كراهية هذه الياء مع الكسرة والضّمة لو ثقّلوا، والياء مع الضمّة لو جففّوا.فلمّا كان كذلك لم يجاوزوا به أدنى العدد، إذ كانوا لا يجاوزون في غير المعتلّ بناء أدنى العدد. وذلك قولهم: رشاءٌ وأرشيةٌ، وسقاءٌ وأسقيةٌ، ورداءٌ وأرديةٌ، وإناءٌ وآنيةٌ.
فأمّا ما كان منه من بنات الواو التي الواوات فيهن عيناتٌ فإنَّك إذا أردت بناء أدنى العدد كسّرته على أفعلةٍ، وذلك قولك: خوانٌ وأخونةٌ، ورواقٌ وأروقة، وبوانٌ وأبوانةٌ. فإذا أردت بناء أكثر العدد لم تثقّل وجاء على فعلٍ كلغة بني تميم في الخمر، وذلك قولك: خونٌ وروقٌ وبونٌ. وإنّما خففّوا كراهية الضمّة قبل الواو، والضمة التي في الواو، فخفّفوا هذا كما خففّوا فعلاً حين أرادوا جمع قوولٍ، وذلك قولهم: قولٌ. وإذا كان في موضع الواو من خوانٍ ياء ثقّل في لغة من يثّقل، وذلك قولك: عيانٌ وعينٌ. والعيان: حديدة تكون في متاع الفدّان. فثقَّلوا هذا كما قالوا: بيوضٌ وبيضٌ، حيث كان أخفَّ من بنات الواو، كما قالوا: بيوتٌ حيث كان أخفَّ من بنات الواو.
وزعم يونس أنّ من العرب من يقول: صيودٌ وصيدٌ، وبيوضٌ وبيضٌ، وهو على قياس من قال في الرُّسل: رسلٌ.
وأمَّا ما كان فعالاً فإنهم إذا كسّروه على بناء أدنى العدد فعلوا به ما فعلوا بفعالٍ؛ لأنَّه مثله في الزيادة والتحريك والسكون، إلا أن أوّله مفتوح، وذلك قولك: زمان وأزمنةٌ، ومكانٌ وأمكنةٌ، وقذالٌ وأقذلةٌ، وفدانٌ وأفدنةٌ. وإذا أردت بناء أكثر العدد قلت: قذلٌ وفدنٌ. وقد يقتصرون على بناء أدنى العدد كما فعلوا ذلك فيما ذكرنا من بنات الثلاثة، وهو أزمنةٌ وأمكنةٌ.
وما كان منه من بنات الياء والواو فعل به ما فعل بما كان من بنات فعالٍ، وذلك قولك: سماءٌ وأسميةٌ، وعطاءٌ وأعطيةٌ. وكرهوا بناء الأكثر لإعتلال هذه الياء لما ذكرت لك، ولأنّها أقلُّ الياءات احتمالاً وأضعفها. وفعالٌ في جميع الأشياء بمنزلة فعالٍ.
وأمّا ما كان فعالاً فإنه في بناء أدنى العدد بمنزلة فعالٍ؛ لأنّه ليس بينهما شيء إلاَّ الكسر والضُّم. وذلك قولك: غرابٌ وأغربةٌ، وخراجٌ وأخرجةٌ، وبغاثٌ وأبغثةٌ. فإذا أردت بناء أكثر العدد كسّرته علىفعلانٍ، وذلك قولك: غرابٌ وغربانٌ، وخراجٌ وجرجانٌ، وبغاثٌ وبغثانٌ، وغلامٌ وغلمانٌ. ولم يقولوا: أغلمةٌ، استغنوا بقولهم: ثلاثة غلمةٍ، كما استغنوا بفتيةٍ عن أن يقولوا: أفتاء.


وقالوا في المضاعف حين أرادوا بناء أدنى العدد كما قالوا في المضاعف في فعالٍ، وذلك قولهم: ذبابٌ وأذبةٌ. وقالوا حين أرادوا الأكثر ذبّانٌ، ولم يقتصروا على أدنى العدد لأنَّهم أمنوا التضعيف. وقالوا: حوارٌ وحيرانٌ، كما قالوا: غرابٌ وغربانٌ. وقالوا في أدنى العدد: أحورة. والذين يقولون حوارٌ يقولون: حيرانٌ، وصوارٌ وصيرانٌ، جعلوا هذا بمنزلة فعالٍ، كما أنَّهما متفقان في بناء أدنى العدد. وأمَّلسوا وسورٌ فوافق الذين يقولون سوارٌ الذين يقولون: سوارٌ كما اتفقوا في الحوار. وقد قال بعضهم: حورانٌ. وله نظيرٌ، سمعنا العرب يقولون: زقاقٌ وزقاقٌ، جعلوه وافق فعيلاً كما وافقه في أدنى العدد. وقد يقتصرون على بناء أدنى العدد كما فعلوا ذلك في غيره، قالوا: فؤادٌ وأفئدةٌ، وقالوا قرادٌ وقردٌ، فجعلوه موافقاً لفعالٍ؛ لأنه ليس بينهما إلا ما ذكرت لك. ومثله قول بعضهم: ذبابٌ وذبٌ.
وأمّا ما كان فعيلاً فإنّه في بناء أدنى العدد بمنزلة فعالٍ وفعالٍ؛ لأنّ الزيادة التي فيها مدّة، لم تجيء الياء التي في فعيلٍ لتلحق بناتٍ الثلاثة ببنات الأربعة كما لم تجيء الألف التي في فعالٍ وفعالٍ لذلك، وهو بعد في الزنة والتحريك والسكون مثلهما، فهنّ أخواتٌ. وذلك قولك: جريبٌ وأجربةٌ، وكثيبٌ وأكثبةٌ، ورغيفٌ وأرغفةٌ، ورغفانٌ وجربانٌ وكثبان.
ويكَّسر على فعلٍ أيضاً، وذلك قولهم: رغييفٌ ورغفٌ، وقليبٌ وقلبٌ، وكثيبٌ وكثبٌ، وأميلٌ وأملٌ، وعصيبٌ وعصبٌ، وعسيبٌ وعسبٌ وعسبانٌ، وصليبٌ وصلبانٌ وصلبٌ.
وربَّما كسّروا هذا على أفعلاء، وذلك : نصيبٌ وأنصباء، وخميسٌ وأخمساء، وربيعٌ وأربعاءٌ.وهي في أدنى العدد منزلة ما قبلهمّ.
وقد كسّره بعضهم على أفعلاء، وهو قليل، وذلك:قولهم: ظليمٌ وظلمانٌ،وعريضٌ وعرضانٌ، وقضيبٌ وقضبانٌ. وسمعنا بعضهم يقول: فصيلٌ وفصلانٌ، شبّهوا ذلك بفعالٍ.
فأمّا ما كان من بنات الياء والواو فإنه بمنزلة ماذكرنا. وقالوا: قرىٌّ وأقريةٌ وقريانٌ، حين أرادوا بناء الأكثر، كما قالوا: جريبٌ وأجربةٌ وجربانٌ. ومثله: سريٌّ وأسريةٌ. وسريان وقالوا: صبيٌّ وصبيانٌ كظلمانٍ، ولم يقولوا: أصبيةٌ، استغنوا بصبيةٍ عنها. وقالوا بعضهم : حزّانٌ كما قالوا ظلمانٌ. وقالوا: سريرٌ وأسرةٌ وسررٌ، كما قالوا: قليبٌ وأقلبةٌ وقلبٌ. وقالوا: فصيلٌ وفصالٌ، شبّهوه بظريف وظراف؛ ودخل مع الصفة في بنائه كما دخلت الصفة في بناء الاسم وستراه، فقالوا: فصيل حيث قالوا:فصيلةٌ، كما قالوا: ظريفةٌ وتوهّموا الصفّة حيث أنّثوا وكان هو المنفصل من أمِّه. وقد قالوا: أفيلٌ وأفائل والأفائل: حاشية الإبل، كما قالوا: ذنوبٌ وذنائب. وقالوا أيضاً: إفالٌ، شبهوها بفصال حيث قالوا: أفيلةٌ.
وأمّا ما كان من هذه الأشياء الأربعة مؤنثاً فإنهم إذا كسّروه على بناء آدني العدد كسّروه على أفعلٍ وذلك قولك: عناقٌ وأعنقٌ. وقالوا في الجميع: عنوقٌ، وكسّروه على فعولٍ كما كسّروها على أفعٌلٍ، بنوه على ما هو بمنزلة افعلٍ، كأنَّهم أرادوا أن يفصلوا بين المذكّر والمؤنّث، كأنّهم جعلوا الزيادة التي فيه إذ كان مؤنثاً بمنزلة الهاء التي في قصعةٍ ورحبةٍ، وكرهوا أن يجمعوه جمع قصعةٍ؛ لأنَّ زيادته ليست كالهاء، فكسّروه تكسير ما ليس فيه زيادةٌ من الثلاثة، حيث شبِّه بما فيه الهاء منه ولم تبلغ زيادته الهاء؛ لأنهَّا من نفس الحرف، وليست علامة تأنيث لحقت الاسم بعد ما بني كحضرموت. ونظير عنوقٍ قول بعض العرب في السَّماء: سميٌّ. وقال أبو نخيلة:
كنهورٌ كان من أعقاب السُّمي
وقالوا:أسميةٌ، فجاءوا به على الأصل.
وأمّا من أنث اللَّسان فهو يقول: ألسنٌ. من ذكّر قال: أسنةٌ.
وقالوا: ذراعٌ وأذرعٌ حيث كانت مؤنثّة، ولا يجاوز بها هذا البناء وإن عنو الأكثر، كما فعل ذلك بالأكفّ والأرجل. وقالوا: شمالٌ وأشملٌ وقد كسّرت على الزيادة التي فيها فقالوا: شمائل، كما قالوا في الرَّسالة: رسائل، إذ كانت مؤنّثةً مثلها. قالوا: شملٌ فجاءوا بها على قياس جدرٍ قال الأزرق العنبريّ:
طرن أنقطاعة أوتارٍ محظربةٍ ... في أقواسٍ نازعتها أيمن شملا
وقالوا: عقابٌ وأعقبٌ، وقالوا: عقبانٌ كما قالوا: غربانٌ وقالوا: كراعٌ وأكرعٌ، وأتانٌ وآتنٌ. كما قالوا: أشملٌ، وقالوا: يمينٌ وأيمنٌ لأنَّها مؤنّثة. وقال أبو النجم:


يأتي لها من أيمنٍ وأشمل
وقالوا: أيمانٌ فكسّروها على أفعالٍ كما كسّروها على أفعلٍ إذ كانا لما عدده ثلاثة أحرف.
وأمّا ما كان فعولاً فهو بمنزلة فعيل إذا أردت بناء أدنى العدد، لأنهَّا كفعيلٍ في كل شيء،إلاَّ أنَّ زيادتها واو، وذلك: قعودٌ وأقعدةٌ، وعمودٌ وأعمدةٌ، وخروفٌ وأخرفةٌ. فإن أردت بناء أكثر العدد كسّرته على فعلانٍ، وذلك: خرفانٌ وقعدانٌ، وعتودٌ وعدَّانٌ، خالفت فعيلاً كما خالفتها فعالٌ في أوّل الحرف.وقالوا: عمودٌ وعمدٌ، وزبورٌ وزبرٌ، وقدومٌ وقدمٌ، فها بمنزلة قضبٍ وقلبٍ وكثبٍ. قالوا: قداثم كما قالوا: شمائل في الشّمال، وقالوا: قلصٌ وقلائص.
وقد كسّروا شيئاً منه من بنات الواو على أفعالٍ، قالوا: أفلاءٌ وأعداءٌ، والواحد فلوٌّ وعدوٌّ. وكرهوا فعلاً كما كرهوا في فعال وكرهوا فعلاناً للكسرة التي قبل الواو إن كان بينهما حرفٌ ساكن لأنهَّ ليس جاهزاً حصيناً. وعدوٌّ وصف ولكنَّه ضارع الاسم.
وأمّا ما كان عدّة حروفه أربعة أحرف وكان فعلى أفعل فإنك تكسوِّه على فعلٍ وذلك قولك: الصُّغرى والصُّغر، والكبرى والكبر والأولى والأول. وقال تعالى جدٌّه: " إنهَّا لإحدى الكبر " .ومثله من بنات الياء والواو: الدُّنيا والدُّنى. والقصوى والقصى، والعليا والعلي. وإنمَّا صيروا الفعلى ههنا بمنزلة الفعلة لأنها على بنائها، ولأنَّ فيها علامة التأنيث، وليفرقوا بينها وبين ما لم يكن فعلى أفعل. وإن شئت جمعتهنَّ بالتاء فقلت: الصغريات والكبريات، كما تجمع المذكّر بالواو والنون، وذلك الأصغرون والأكبرون والأرذلون.
وأمّا ما كان على أربعة أحرف وكان آخره ألف التأنيث فإن أردت أن تكسّره فإنكَّ تحذف الزيادة التي هي التأنيث، ويبنى على فعالي وتبدل من الياء الألف، وذلك نحو قولك في حبلى: حبالى، وفي ذفري ذفاري. وقال بعضهم: ذفري وذفارٍ. ولم ينوّنوا ذفري. وكذلك ما كانت الألفان في آخره للتأنيث، وذلك قولك صحراء وصحارى، وعذراء وعذارى. وقد قالوا: صحارٍ وعذارٍ، وحذفوا الألف التي قبل علامة التأنيث، وليكون آخره كآخر ما فيه علامة التأنيث، وليفرقوا بين هذا وبين علباءٍ ونحوه: وألزموا هذا ما كان فيه علامة التأنيث، إذ كانوا يحذفونه من غيره، وذلك: مهريةٌ ومهارٍ، وأثفيةٌ وأثافٍ. جعلوا صحراء بمنزلة ما في آخره ألفٌ، إذ كان أواخرهما علامات التأنيث، مع كراهيتهم الياءات، حتى قالوا مدارى ومهارى. فهم في هذا أجدر أن يقولوا، لئلاّ يكون بمنزلة ما جاء آخره لغير التأنيث.
وقالوا: ربي وربابٌ حذفوا الألف وبنوه على هذا البناء، كما ألقوا الهاء من جفرةٍ فقالوا: جفارٌ، إلاَّ أنَّهم قد ضموَّا أول ذا، كما قالوا: ظئرٌ وظؤارٌ، ورخلٌ ورخالٌ. ولم يكسوا أوّله كما قالوا: بئارٌ وقداحٌ. وإذا أردت ما هو أدنى العدد جمعت بالتاء، تقول: خبراواتٌ وصحراواتٌ وذفرياتٌ وحبلياتٌ.
وقالوا: إنثى وإناثٌ، فذا بمنزلة جفرةٍ وحفار.
ومثل ظئرٍ وظؤارٍ: ثنىٌ وثناءٌ. والثَّنى: التي قد نتجت مرَّتين.
وقالوا: خنثى وخناثى، كقولهم: حبلى وحبالى.
وقال الشاعر:
خناثى يأكلون التَّمر ليسوا ... بزوجاتٍ يلدن ولا رجال
وأمَّا ما كان عدد حروفه أربعة أحرف وفيه هاء التأنيث وكان فعيلةً فإنَّك تكسّره على فعائل، وذلك نحو: صحيفةٍ وصحائف، وقبيلةٍ وقبائل؛ وكتيبةٍ وكتائب، وسفينةٍ وسفائن، وحديدةٍ وحدائد. وذا أكثر من أن يحصى .وربَّما كسّروه على فعلٍ، وهو قليل، قالوا: سفينة وسفنٌ، وصحيفةٌ وصحفٌ، شبّهوا ذلك بقليبٍ وقلبٍ، كأنَّهم جمعوا سفينٌ وصحيفٌ حين علموا أنَّ الهاء ذاهبةٌ، شبَّهوها بجفارٍ حين أجريت مجرى جمدٍ وجمادٍ.
وليس يمتنع شيءٌ من ذا أن يجمع بالتاء إذا أردت ما يكون لأدنى العدد. وقد يقولون: ثلاث صحائف وثلاث كتائب، وذلك لأنّها صارت على مثال فعالل، نحو:حضاجر وبلابل وجنادب، فأجروها مجراها. ومثل صحائف من بنات الوا الياء والواو صفيةٌ وصفايا، ومطيةٌ ومطايا.


وأمَّا فعالةٌ فهو بهذه المنزلة؛ لأنَّ عدّة الحروف واحدة، والزنة والزيادة مدٌّ كما أنَّ زيادة فعيلة مدٌّ، فوافقته كما وافق فعيلٌ فعالاً. وذلك قولك إذا جمعت بالتاء: رسالاتٌ، وكناناتٌ، وعماماتٌ، وجنازاتٌ. فإذا كسّرته على فعائل قلت: جنائز، ورسائل، وكنائن، وعمائم.والواحدة جنازةٌ وكنانةٌ وعمامةٌ ورسالةٌ.ومثله جناية وجنايا.
وما كان على فعالةٍ فهو بهذه المنزلة؛ لأنَّه ليس بينهما إلاَّ الفتح والكسر، وذلك: حمامةٌ وحمائم، ودجاجةٌ ودجائج. والتاء أمرها ههنا كأمرها فيما قبلها.
وما كان فعالةً فهو كذلك في جميع الأشياء؛ لأنَّه ليس بينهما شيء إلَّا الضمّ في أوله. وذلك قولك: ذؤابةٌ وذؤاباتٌ، وقوارةٌ وقواراتٌ، وذبابةٌ وذباباتٌ. فإذا كسَّرته قلت: ذوائب وذبائب.
وكذلك فعولةٌ: لأنها بمنزلة فعيلةٍ في الزنة والعدّة وحرف المدّ. وذلك قولهم: حمولةٌ وحمائل، وحلوبةٌ وحلائبُ، وركوبة وركائب.وإن شئت قلت: حلوباتُ وركوباتُ وحمولاتٌ. وكلُّ شيء كان من هذا أقلّ كان تكسيره أقلّ كما كان ذلك في بنات الثلاثة.
واعلم أنّ فعالاً وفعيلاً وفُعالاً وفَعالاً إذا كان شيء منها يقع على الجميع فإنَّ واحده يكون على بنائه ومن لفظه، وتلحقه هاء التأنيث، وأمرها كأمر ما كان على ثلاثة أحرف. وذلك قولك دجاجٌ ودجاجةٌ ودجاجاتٌ. وبعضهم يقول: دجاجةٌ ودجاجٌ ودجاجاتٌ. ومثله من الياء: أضاءةٌ وأضاءٌ وأضاءاتٌ، وشعيرةٌ وشعيرٌ وشعيراتٌ، وسفينٌ وسفينةٌ وسفيناتٌ. ومثله من بنات الياء والواو: ركيّةٌ وركىُّ، ومطيّةٌ ومطىُّ، وركياتٌ ومطيَّاتٌ، ومرارٌ ومرارةٌ مراراتٌ، وثمامُ وثمامةُ وثماماتٌ، وجراد وجرادة وجراداتٌ؛ وحمامٌ وحمامةٌ وحماماتٌ. ومثله من بنات الياء والواو وعظاءة وعظاءات وملاء وملاءة وملاءات وقد قالوا: سفائنُ ودجائج وسحائب. وقالوا: دجاجٌ كما قالوا: طلحةٌ وطلاحٌ، وجذبةٌ وجذابٌ.
وكلّ شيء كان واحداً مذكراً يقع على الجميع فإنَّ واحده وإياه بمنزلة ما كان على ثلاثة أحرف مما ذكرنا، كثرت عدّة حروفه أو قلَّت.
وأمّا ما كان من بنات الأربعة لا زيادة فيه فإنّه يكسّر على مثال مفاعل، وذلك قولك: ضفدعٌ وضفادعٌ، وحبرجٌ وحبارجُ،